السمندل

والسمندل: هو اسم هاتفه حين يُظهره بغرض التواصل عبر البلوتوث.
صدفةً عرفت هذا اللقب وما يعني لدى صاحبه، وصدفة وجدت نفسي شغوفة بحياته وتجاربه والأسرار الغائبة في عينيه الكتومتين.
حين سألته عن معنى “سمندل” أخذ نفسا عميقا قبل أن يبدأ الحديث، وكنت على يقين من أنني أمام حالة معتادة من الاسترسال اللذيذ مع هذا الرجل الأسمر.
لقد كان يحب أن يلقب بالسمندل. لأنه مؤمن بأسطورة السمندل، ذلك الطائر الذي لا تحرقه النار.
اسمه كريم, وهو اسم على مسمى بشهادة جميع معارفه وغير معارفه أحيانا, لكنه كريم من عدم “كما يقال”, إذ لم يكن ذلك السمندل إلا وافداً من السودان إلى إحدى المدن الخليجية, لأسباب معروفة. لكنه لم يكن كما يتصوره الأهل والأقارب في السودان، أو حتى معارفه في الخليج، من حيث البسط المادي، على افتراض أنه يعمل سكرتير تحرير في صحيفة خليجية كبرى، وأن مستواه الوظيفي يحتم ارتياحه المادي الذي كان مجرد أوهام يعيشها أهل السمندل في السودان وحيث غربته في الخليج.
قصة هذا السمندل قصة مشوقة ومليئة بالمفاجآت والصدمات والأحزان والصبر. قصة لا تتحول إلى رماد، كأنها طائر السمندل الذي لا تحرقه النار, وبطبيعة الحال هي قصة تأخذ تكوين صاحبها الذي يحب أن يلقب بذلك الطائر المستحيل على النار مهما كان شواظها مستعراً.
السمندل بدأ حياته في الخليج ممرضا في مستوصف صغير بإحدى ضواحي تلك المدينة الساحرة. الساحرة بطبيعتها وأهلها. ثم تحول بقدرة قادر إلى مريض كبير في صحيفة تصدر من المدينة ذاتها. ولأنه “سمندلي” القدرات و الإرادة، ظل طيلة عقد من الزمن يعمل على صفيحة من حديد موضوعة فوق جحيم من الجمر الذي لا يخمد أبداً, دون أن يحترق أو يذوب أو يتحول إلى رماد ومن ثم إلى لا شيء!
السمندل, كان عبارة عن كم هائل جدا من النكات, والهزل, والمزاح, والمقالب التي لا تعرف كيف تخطر بباله ومتى يمكن أن تتكون في رأسه ويقرر تنفيذها. يندر أن تجد أحدا من زملائه لم ينل نصيبه من مقالب السمندل. كان يمشي في أروقة الصحيفة وهو بكامل الاستعداد كي يستمع لأي شخص يقابله ويريد أن يبوح بما يثقل كاهله من هم أو كدر أو فرح أو غضب أو أي شيء. فيما كان هو أيضا على كامل الاستعداد للتحدث مع أي شخص حول أي شيء, إلا في حالات استثنائية كأن تكون الجريدة في حالة استنفار “صحفي”, وما أكثر تلك الحالات.
الرجل كان محاربا من عدة جبهات, أشدها احتداما وإضرارا به كانت تتمثل في مدير التحرير, ذلك الرجل المعروف بسيطرته المحكمة على قيادات تلك الصحيفة، والذي يكره أشد ما يكره, أن يظهر “السمندل” مظهر سكرتير التحرير المتمكن, وبما أن السمندل بدأ في تلك الصحيفة رئيسا لقسم التصحيح اللغوي، ثم تطور وظيفيا بعد فترة قصيرة من عمله بالجريدة إلى سكرتير تحرير، فإن مدير التحرير ذاك، كان يتخذ من هذا التسلسل الطبيعي في العمل الصحفي الذي مر خلاله السمندل قبل الوصول إلى ما وصل إليه، كان يتخذ منه مدخلا شرسا للانتقاص من إمكانيات السمندل، وللتشكيك في أدواته وموهبته وقدراته التي تؤهله للعمل رئيسا للتحرير وليس سكرتيراً فقط .
لكن “السمندل” كان لا يحترق وهو على ذلك الجحيم الذي يعده جاره “مدير التحرير” كل يوم, وبكل ما يحمل من إمكانيات عالية في صنع المكائد بكل لؤم وخبث. لكن السمندل كان فعلا لا يحترق, برغم عمله سكرتيرا للتحرير، بمسمى وظيفته السابقة “مصحح لغوي” لسنين طويلة ، ولم يتغير ذلك المسمى الظالم إلا مؤخراً و “دون مزايا مالية”. لم يكن السمندل قابلا للاشتعال أبداً، رغم أنه لا يتقاضى أكثر من 10% فقط من مرتب مدير التحرير الذي يشن عليه حروبا يومية دنيئة، وهو يعمل في مكتب مجاور لمكتبه, ويقوم بمهام إذا لم تكن أقل من مهام السمندل إجهاداً فإنه موازية لها.
ومع ذلك, كان السمندل لا يتأخر عن موعده دائما, يحضر إلى مكتبه في الوقت المحدد وإن لم يخرج بعد وقته المحدد بساعة أو اثنتين فإنه لا يخرج قبل موعده المحدد.
يركب السمندل سيارته التي صنعت قبل بزوغ العام 1980م, وهي من طراز كرسيدا, زرقاء اللون. أو بالأحرى, ما تبقى عليها من طلاء كان لونه أزرق.. كثيرا ما يحتاج إلى المساعدة حين يريد العودة إلى بيته بعد يوم مجهد جداً, كي يستطيع إدارة محركها الذي يصعب أحيانا إلا بعد أن يتم دفعها من قبل اثنين أو ثلاثة لمسافة لا تقل عن 20 متراً .
الطريقة التي كان يدير بها السمندل محرك سيارته ذات ليلة مرحة, كانت مبكية بالنسبة ومضحكة في نفس الوقت. سألته هل هذه مطية سكرتير تحرير في صحيفة كهذه؟ فأجابني إنه يشعر بالخجل أربع مرات شهريا من أبنائه الذين يفضلون البقاء في البيت كل عطلة نهاية أسبوع، إيثارا منهم، كي لا يثقلوا كاهل تلك الخردة فتعجز عن المشي.
ومع كل هذا، كان السمندل يحلق, ويعود إلى وكره الذي من نار , كل يوم , دون أن يحترق, أو يتغير جلده.. وما رأيت النار مغبونة من شيء في حياتي، إلا من هذا السمندل الخرافي الذي يداوم على جحيمه وفي جيوبه مئات النكات الجديدة, والحكايات المضحكة، والمقالب غير المتوقعة أبداً.
في أول الشهر, تتحسن نفوس زملاءه العاملين في الصحيفة قليلاً, بل تتحسن نفوس كل الموظفين في المدينة حينها, لأن الجيوب عامرة بالرواتب, لكن نفسية السمندل متحسنة طوال الوقت، لأن جيبه لا يمكن أن يكون عامرا في أي يوم من أيام السنة. فهو ملتزم بمصروف عائلته الصغيرة في الخليج, وعائلته الأصل في السودان, وملتزم بعدة عادات تخلص عائلته في أدائها وليس إهمالها بالفعل الذي يمكن أن يغتفر في عرفهم وتقاليدهم. لذلك كانت جيوبه خالية طوال الوقت, وحين نعرف أن راتبه لا يزيد عن خمسة آلاف, يكون إفلاس السمندل منطقيا نوعا ما.. إذا كان حين يبدأ الشهر طبيعيا جداً, ولا يبدو عليه أي نية للقيام بأي شيء كان متوقفا على نزول الراتب. أما حين ينتصف الشهر, فكان لا يمكن أن تجد في جيب السمندل ما يكفي للسفر إلى أقرب مدينة منه دون العودة حتى! ..وحين يقترب الشهر من الانتهاء فإن عين المستحيل هي أن تجد في جيبه ما يملأ خزان سيارتك من الوقود “الأخضر”.
لكنه كان بشوشا طيبا ونشيطا ومتحمسا ومستبشرا وأنيسا وصابرا طوال الوقت، دون أن يحترق أو تسمع منه ما يوحي بأن نارا لسعت جلده أو ألهبت قلبه.
وأنا , إذ أستعجب هذا الصبر العظيم في هذا السمندل, أستعجب أكثر، وأسغرب, ذلك الإصرار في جحيم السمندل اليومي, تلك النار التي تصنع من نفسها أسطورة أخرى توازي أسطورة السمندل في عدم انطفائها, وخبوّها, رغم جميع الظروف المناخية المتقلبة حولها ما بين مطر وريح صرصر, وبرد قارس وحرارة شمس فاحشة، وجلادة طائر تظن في كل يوم أنها التهمته، وحين ينتهي ذلك اليوم تشاهده رائحاً كأن لم تمسسه نار…ثم تبقى مشتعلة في انتظاره دون يأس أو ملل!

التعليق