الكاتب: هانس غيورغ غادامير، ترجمة محمد شوقي الزين
الكتاب: فلسفة التأويل
الناشر: الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، المركز الثقافي العربي
صدر قبل قرابة 3 سنين كتاب “فلسفة التأويل” هذا، عن ثلاث دور نشر عربية اشتركت في إنجاز هذا العمل الفريد من نوعه والجديد في بابه، إذ يقدم للقارئ العربي في 207 صفحات من القطع المتوسط أهم الدراسات في فلسفة التأويل لأشهر فلاسفة التأويل “الهيرمينوطيقا” في العصر الحديث “هانس غيورغ غادامير” الفيلسوف الألماني الذي ارتبط اسمه ومشروعه الفلسفي بالتأويل كعلم حديث لم يتخلص أو يخلصه الفلاسفة من غموض يكتنفه وعمق يأخذ جوهره بعيداً عن القارئ المستعجل أو طالب العالم الذي ينجز أبحاثه بعجلة من يرغب في إنجاز وإنهاء العمل كيفما اتفق.
وغادامير فيلسوف ألماني شهير ولد في ماربورغ 11 فبراير 1900، بعد وفاة ديكارت بـ250 سنة، وتزامن ميلاده مع نفس العام الذي مات فيه الفيلسوف الأشهر “فريدريك نيتشه” ما يعطينا تصوراً جيداً لمحيط فيلسوف التأويل “هانس” الفكري والمعرفي.
يقول المترجم في تصديره لهذا الكتاب “لا يمكن أن ننكر تأثير المنهج الديكارتي على تأويلية غادامير في بعدها الابستمولوجي لكن المنحى الأنطلوجي والفني والفلسفي في تأويلية غادامير يستقل عن صرامة المنهج الديكارتي بإدراجه للتصورات المسبقة، والتي كانت في محل الشك والتحفظ في منهج ديكارت”.
لم يعرف عن “هانس غادامير” غزارته الإنتاجية منذ بداية مشواره الفكري، فأول كتاب يصدر له كان سنة 1960 بعمر يناهز الـ60 عاماً وهو “الحقيقة والمنهج”. قبل ذلك كتب غادامير رسالته الجامعية حول “ماهية اللذة في حوارات أفلاطون” في عمر لم يتجاوز الـ22 عاماً, تحت إشراف أستاذه “بول ناتورب 1854-1924م” أحد أشهر مؤرخي الفلسفة.
كما درس غادامير أيضا عن نيكولاي هارتمان حيث حوصر وقتها بطغيان الكانطية الجديدة والوضعية في المجال العلمي, لكنه لم يعط هذه النزعات الفلسفية أي اهتمام بدليل إقباله على دراسة وترجمة أفلاطون.
كان إعجاب غادامير كبيراً وواضحاً بهيدغر رائد الوجودية، وقد بدا غادامير متأثراً ذلك الحين في جل ما ينتجه من دراسات بهسرل أيضاً ذلك بعد دراسته للفلسفة على يديهما في “فريبورغ” الألمانية. وكانت فلسفة هيدغر ووجوديته بمثابة المفاتيح الفكرية والمفاهيم الهامة التي اعتمد عليها غادامير في بناء فلسفته التأويلية.
وفي سنة 1928م أصبح غادامير أستاذاً للفلسفة في جامعة ماربورغ مسقط رأسه.
ثم درّس بجامعة لايبتسغ وفرانكفورت وشغل كرسي الفلسفة خلفا لـ”كارل ياسبيرس”، حتى صار أستاذاً زائراً في جامعات أوروبية وأمريكية.
نشر غادامير ما بين 1986-1991 مؤلفاته الكاملة في عشرة أجزاء كان التأويل محورها الذي تدور حوله وتنطلق منه. وهي عمل معرفي عالمي يعتبره الكثير من المهتمين في هذا الباب الفلسفي المهم والعميق تحفة فنية تأويلية وفلسفية كانت نتاجاً لعقود من المثابرة والبحث العلمي المثابر، جعلت من صاحبها “غادامير” الفيلسوف العالمي في التأويل والتجربة الجمالية الشعرية.
كتاب “فلسفة التأويل” المترجم والصادر حديثاً يقدم بين دفتيه وجبة فلسفية تأويلية دسمة، لأشهر فلاسفة الهيرمينوطيقا “هانس غادامير” كانت خلاصة آلاف الصفحات التي ألفها في هذا الباب الفلسفي الهام، الذي وصفه المترجم في تقديمه بالبحر التأويلي الذي لا ساحل له، والذي ما زلنا نكتشفه باحتشام وتأخر هائل.
وأخيراً, من المهم الإشارة إلى أن مؤلفات هانس وخصوصاً “الحقيقة والمنهج” الذي يعتبر ثورة فلسفية عالمية، وحدثا فلسفيا تأويلياً مهماً في تاريخ الفلسفة، كلها ترجمت إلى أغلب لغات العالم كما أن آثاره المعرفية وبصماته التأويلية ما زالت تثمر أعمالا وكتباً وأعلاماً في التأويل المعاصر أمثال الإيطالي “جياني فاتيمو” والأمريكي “دورتي” والفرنسي “بول ريكور”.. ولا يمكن لتأثيره وتأثير تأويليته ومنجزه المعرفي أن يقف عند هذا الحد، لأن قوة المنجز وعمقه وحداثته تؤكد بامتداد زمني وتأثير معرفي أطول وأقوى بمرور الزمن وتطور العلم وقوة المعرفة المضاعفة يوماً بعد يوم.
بندر خليل