مقدمة في الهرمينوطيقا

 

مقدمة:
تقول كتب فلاسفة التأويل – أو الهيرومنطيقا – إن هذا العلم قائم منذ بدء الخليقة، لكنه لم يحدد ويُعرّف كعلم مستقل، له علماؤه وفلاسفته العظماء إلا مؤخراً مع بزوغ عصر النهضة الأوروبي، وأول مراحل التفوق الغربي على الشرق.
وبحسب معرفتي البسيطة تعد هذه الفلسفة ممارسة يومية لكل إنسان، كشرط تواصل مع الآخرين ومع ما ينتجه هؤلاء الآخرون من كتابات ومعارف. وبحسب ما يقول به دائماً أهل هذا العلم، تعتبر قراءة هذا المقال فلسفة تأويلية يمارسها القارئ تجاه ما يجد من كلمات.
وكذلك يُعتبر ما يفعله المترجمون ممارسة حقيقية لفلسفة التأويل، ذلك أنهم لا يترجمون العلوم ترجمة حرفية تامة، بل يعونها أولاً ويستوعبونها قبل إيصالها إلى أي أمة أخرى بلغتها وبالطريقة التي تناسبها ثقافةً ووعياً.
والمؤسف هنا أن مكتبتنا العربية غير محتفية كما ينبغي بهذا النوع من الفلسفة، ما دعا بعض دور النشر العربية مؤخراً للاهتمام بهذا العلم المنسي عربياً والمثير للدراسة والاهتمام شرقاً وغرباً.
إن فكر أي مجتمع ينبع ولابد من هذه الفلسفة التي تؤول الأحداث والمتغيرات العالمية والمحلية من خلال السطور التي يكتبها التاريخ وما بينها.
فكيف استفدنا من فلسفة التأويل في فهم إشكالاتنا العربية المعقدة، بل وكيف استفدنا منها في الترجمة كممارسة مثلى لها، لاجتلاب ما يمكن من علوم نتأخر في مواكبتها دائما، وهي العلوم التي بإمكانها حلّ وتفكيك كل عقدنا الثقافية، الدينية، الاجتماعية، والسياسية.

 

الناشر : الدار العربية للعلوم - ديفيد جاسبر، ترجمة وجيه قانصو.

 

الكتاب:
ليس خبراً جديداً أن المكتبة العربية تكاد تكون على خط الفقر من مؤلفات فلسفة التأويل, وهو نضوب تأتّى لأسباب عديدة وعميقة. هذا الكتاب “مقدمة في الهرمينوطيقا” لديفيد جاسبر، وترجمة وجيه قانصو, لم يصدر حديثاً, بل صدر قبل عامين من الآن لكنه من أهم كتب فلسفة التأويل المترجمة في مكتبتنا العربية.
كل ذلك يأتي نتيجة طبيعية لثقافتنا التي لا ترحب بهذا العلم كثيراً, منذ تهافت الغزالي الشهير الذي ألفه للتصدي لابن رشد ولصوته المحتفي بالفلسفة وفلسفة التأويل على وجه الخصوص آن ذاك. وعليه صرنا في حاجة منطقية لاستدراك ما توصل إليه الآخرون في هذا الباب شبه المتروك عربياً لزمن طويل.
نحن في حاجة للطرح الفلسفي التأويلي العميق، في حاجة للهرمينوطيقا، ما دامت الحاجة للمعرفة والفهم قائمة وماسة لاستمرار الحياة فضلا عن مواصلتها بخيارات أفضل وأكثر، وخطى أسرع..
هذا الكتاب مدخل معقول ومناسب للهرمينوطيقا، سعى المؤلف من خلاله إلى توفير خارطة تمكنه من التفكير عندما تتعقد الأمور، وهو مؤلف محصور على التقليد الغربي المسيحي في قراءة الإنجيل، لكنه يطرح الأسئلة بشكل واسع حول “النص” وقراءته وتأثير ذلك على قضايانا المعاصرة.
يقول المؤلف في الفصل الأول من الكتاب، إن كلمة (هرمينوطيقا-hermeneutics) هي التعبير الإنجليزي للكلمة اليونانية الكلاسيكية (هرمسhermeneus ) وتعني المُفَسِّر أو الشارح.
إذاً فالهرمينوطيقا هي علم تفسير النص، خاصة النصوص الدينية المقدسة، والتي يعتبرها المؤمنون وحياً إلهياً. هذا الكتاب يحاول المؤلف من خلاله تأريخ تفسير الإنجيل خلال المئتي عام الماضية، بدءا من “ألمدارش التفسير الحَبري” والكنيسة الأولى, حتى اليوم. كما يسرد مراحل تطور فلسفة التأويل وصولا إلى الهرمينوطيقا المعاصرة أو الحديثة، بالإضافة إلى طرحه حزمة من الأسئلة العميقة التي تتطلب قراءة قوية وذهنا مرتاحا صافيا -كما ينصح دائما المؤلفون في هذا الباب-، ومن هذه الأسئلة “كيف فشلنا في فهم النصوص”, “كيف قرأناها”, و”كيف كان الاختلاف بيننا على معانيها”.. والمهم في بدايات هذا العالم “مبادئ الهرمينوطيقا” أنه لا يمكن للكتابة أن تكون مختلفة من حيث حاجتها إلى الأدوات الإبداعية والاحترافية عن القراءة.
يبدأ المؤلف تأريخه لفلسفة التأويل بالمدارش، والمدارش كلمة عبرية مشتقة من الكلمة العربية “درس” أو تحقق, كما يعرفها العالم اليهودي يعقوب نيوسنر, ويتابع تفكيكها إلى عدة تصنيفات لفلسفة تأويلية مورست أيام أحبارهم القدماء كانت نوعا من المحاولة اليائسة للوصول إلى الحقيقة الإلهية التي لا يُعبّر عنها, فلا توجد تلك اللحظة التي تستطيع أن تقول فيها أنا الآن أنا أفهم هذا, فهو ليس من مقاصد القراءة أصلاً, بل إنه ادعاء يتضمن سوء الفهم، ويكون كل من يفترض هذا، كمن يدعي فهم ما يقع وراء فهمه. (ص48).
يقول الناقد الأدبي هارتمان القراءة صراعٌ من أجل النص, وإن ما نسعى إلى تحصيله من النص ليس المعنى بقدر ما نرغب في تحصيل بركته، “وعلينا أن نكون جاهزين للصراع مع النص حتى لو جرحنا غموضه، لنيل البركة منه. علينا أن نسعى لمعرفة اسم (هوية) النص الغامض”.
ويمضي المؤلف في استشهاده بأقوال هارتمان إلى تسمية الأخير هذا الصراع مع النص بـ”الاحتكاك الخشن” مع النص خلال قراءته، منتقلا بعد ذلك إلى هرمينوطيقا القرون الوسطى، حين كانت الكنيسة في الغرب تتبع هرمينوطيقا أوغسطينوس والآباء المؤسسين في القرن الثالث عشر، متحدثاً عن نموها واستمرارها بمزيد من الهيبة “دون إبداع يذكر بل بصورة مشوهة ومحرّفة”. (ص71(
في القرن السادس عشر، يظهر مارتن لوثر, سبب ثورة الهرمينوطيقا الكبرى, وهنا يشير المؤلف إلى أن التقدم التقني، وبالتحديد الطابعة الآلية، قد ساهم بنحو جزئي في إنجاح مشروع مارتن لوثر الهرمينوطيقي ، باعتبار تحولات الهرمينوطيقا تترافق وتتزامن مع تطورات العصر, قائلاً “مع الآلة الطابعة أصبح باستطاعة لوثر ولأول مرة, كمحاضر جامعي أن يعتمد على وضع نسخ موحدة ومتوفرة للإنجيل أمام تلاميذه، ولم تعد الأخطاء بسبب النسخ اليدوي واردة في الكتب, وكذلك أصبحت الكتب أكثر وفرة والمؤلفات أكثر غزارة من ذي قبل, وبذلك انتشر العلم حتى بين البسطاء أصحاب الوسائل المتواضعة والمحدودة”.
الكتاب ثري بالمعلومات التي توثق تاريخ الهرمينوطيقا وفلسفة تأويل النص لدى فلاسفة الغرب, الأوائل والمعاصرين, وحين انتهيت من قراءته تساءلت على الفور عن كيفية الثورة أو الثورات, التي يمكن أن تحدثها “الانترنت” قياساً بما أحدثته المطابع الآلية في زمن لوثر.

التعليق