غارم: الفن انتفاضة على الحدود ومدرستي تنسف “العصامية”

بندر خليل

في ظل التطور الذي يمر به الإنسان، بكامل أدواته وحاجاته التي تمكنه من العيش بأفضلية أعلى وخيارات أكثر تعدداً, يأتي التطور في ثقافة الصورة في هذا الوقت الذي يعاصره العالم سريعاً ومذهلاًً ويكاد يرفض أن تسبقه باقي أدوات الإنسان التي يستخدمها للتعبير ولمحاولة فهم أكثر دقة لأحداثه اليومية المتكررة. هنا يأتي فن الصورة الحديث من فوتوجراف وفيديو ورسومات، يأتي متجاوزاً ومذهلاً للإنسان، وهو ما يجعل من عدم تقليديته شرطاً أو ركنا من أركانه التي يقوم عليها. وقد برع في هذا الخط الفني الحديث، القليل من الفنانين السعوديين وهذا واقع وحقيقة فنية غير مطمئنة على سلامة أدواتنا التي تمكننا من مخاطبة الآخر ومحاورته والوصول معه إلى نقطة اتفاق إنسانية كثيرا ما يسهم الفن منها “المفاهيمي” في خلقها.
ومن أولئك المبدعين الذين نجحوا بشكل مبدئي في التواصل مع العالم من خلال الفنون البصرية بأنواعها، يأتي عبدالناصر غارم بتجربته الفنية الثرية والشابة وأعماله الملفتة بفرادتها واختلافها وتوجهها المفاهيمي المثير للجدل الذهني، وللكثير من الأسئلة حتى بلوغ ذلك العمل الإبداعي المشترك بأصناف الفن والإبداع.
عبدالناصر حصد خلال فترة وجيزة من حياته الفنية الطفلة في عمرها، أهم الجوائز التشكيلية الفنية محليا ومنها جائزة معرض الفن المعاصر 2004 وجائزة مَلْوَن, وجائزة باحة الفنون 2006 وجائزة السفير الثانية 2007 وجائزة “تواصل” عن المنطقتين الغربية والجنوبية 2008. إضافة للعديد من مشاركاته الدولية عربياً وعالمياً.
والمطلع على تجربته يلاحظ العمق الديني بمختلف دلالته يأتي كنقطة تقاطع لجل أعماله التي بدا الموروث أداته المفضلة لإنجازها خلال “المرحلة” الماضية، وأقول مرحلة لأن عبدالناصر فنان ينمو، ويتغير وينطلق في التعبير خلال أعماله الفنية من وعيه بقيمة تراثه الإنساني، ولا يقف عبدالناصر على إظهار ما في ذلك الموروث من محاسن وبكاء على الأطلال، لأن أعماله تدمر الأنا وتبعث “الإنسان” والمجتمع والمحيط الذي يعيشه الفنان في عمله الفني.

عبدالناصر يعد متجاوزا بفنه ليس لأن ظروف المرحلة الفنية محليا تساعد أي مبدع حقيقي على البروز، ولكن لأنه مبدع وصاحب مشروع ورؤية مختلفة من زاويته الخاصة.  فضلا عن اطلاعه وتأثره بالتجارب العالمية وما وصلت إليه الفنون البصرية الحديثة، في عصر بات يحتكم إلى الصورة.

وبما أن فن الصورة بكل أشكالها، هي اللغة المهيمنة على العالم اليوم، فإن من الواجب الإشارة إلى كل فنان يقدم صورته المناسبة لمخاطبة الإنسان في الداخل كما هو في الخارج، فذلك ضرورة من ضرورات التعايش الإنساني على هذه الأرض..واعتبرنا ذلك التعايش ضرورة للسلام وللنمو الحضاري والبشري، وذلك ليس إلا على أساس التعارف المحمود إنسانيا ودينيا بين البشر.
ويأتي عبدالناصر غارم من أهم الأسماء الشابة لدينا بتجربته الفنية المختلفة التي امتازت عن غيرها -محليا على الأقل- بدليل رصيده من جوائز المركز الأول في أهم المسابقات الفنية فضلا عن مشاركاته التي تأتي مثيرة للجدل في كل معرض وتجربة جديدة. ومن المهم أن نتصور حياة عبدالناصر الفنية بأنها لا تزال في البداية. وأنه مع قليل غيره من الفنانين المحليين فك اللغة الرمزية التي تخبرنا بما يقول، وتخبر كل إنسان في العالم بما يريد الفنان قوله وأكثر من ذلك. إلا أن اللغة الفنية عميقة أعمق من لآلئ البحر المكنونة في أحشائه، وهي في حاجة دائمة للمزيد من النمو كل يوم وكل لحظة. وكما هو معروف عن لغة الصورة يمكن أن تحكي الواحدة منها ما يحكيه كتاب واحد، ويمكن أن تقول أخرى ما تقوله مكتبة كاملة من الكتب. كما أن مقطع فيديو قصيراً جداً كلقطة استشهاد الدرة أو ارتطام الطائرة الثانية وانهيار البرج الأول في أحداث سبتمبر 2001، أصبح من البديهي والمنطقي القول بقدرته على تغيير مسار التاريخ..النفسي على الأقل! وعليه من الممكن علمياً وفنياً أن نعتبر عبدالناصر فناناً باعثاً للأمل، وصاحب مشروع محترم يستحق الالتفات والوقوف.
و”الوطن” أجرت هذا الحوار مع الفنان عبدالناصر غارم قبيل سفره بأيام إلى العاصمة لندن حيث يعرض فيلم “الصراط” وهو عمل مشترك بين عبدالناصر والفنان عبدالله عاطف، والشاعر محمد خضر، بعد اقتنائه من المعرض البريطاني “أرض الرسالات” في الرابع عشر من أكتوبر الجاري.
حيث جاء رد غارم على حضور العمق الديني والمفاهيم الإيمانية الملموسة في أعماله كـ”الوشم” وهو صورة لصدر رجل نقش عليه “وإنك لعلى خلق عظيم”. وكذلك في لوحته “الأخدود” وهي القصة التي تمثل صراعا دينيا أرخ له في القرآن، ثم فيلم “الصراط” وما تشكله هذه المفردة لدى المتلقي قبل الفنان من عمق ديني إيماني، إضافة إلى لوحة “الكعبة” الفائزة في مسابقة تواصل رغم اشتراط الفكرة قبل تنفيذها، وعمل “الختم” وهو مجسم كبير لختم يحمل عبارة “آمين”، جاء مؤكدا على أن تلك الصبغة التي لا يقر بوجودها ولا ينفيه، جاءت كتوظيف مثالي لمفاهيم يعيشها يومياً كأي إنسان يعيش في هذه المنطقة من هذا العالم. مضيفاً أنه ليس مؤدلجا ينطلق في فهمه للحياة وموجوداتها من الموروث والماضي، لكنه يتأثر بما يجري حوله في حياته اليومية ويقدمه في قالب مغاير خلال العمل الفني الذي يستخدم المواد بوصفها مفاهيم تحاكي الذهن بالدرجة الأولى وتثير في المتلقي الجدل والأسئلة وربما التأمل الإيجابي فيما كان من قبل جزيئا مهمشا لكل يوم مُعاش.
وحول المدرسة التي ينتمي إليها قال عبدالناصر مدرستي من ابتكاري, وهي “مدرسة البقاء والنجاة”, ونهجها هو نهج الفن المفاهيمي الحديث المعتمد في تكوينه على العمل الجماعي الذي “ينسف عصامية العمل الفني” واعتماده في تكوّنه على الفردية المطلقة. وما يشغله كفنان ليقدمه في تجربته هو استخدام كل الوسائل والأفكار الممكنة للبقاء والنجاة من الهلاك والموت، مستخدماً ذات الأدوات التي تصنع الموت بفهمها واستخدامها الخاطئ وغيرها من المفاهيم الخاطئة التي تدعو للفناء والموت. في محاولة منه لاستخدام ذات السلاح الذي يستخدم ضد الإنسان من حوله للدفاع عن الإنسان نفسه في محاولة لعدم الوقوع في ذات الخطأ وذات الموت وأسباب الخراب.
ويأتي عمل الفيديو آرت “الصراط” كاستدعاء لما حدث على جسر لم يصمد في وجه “سيل السبت-1982” الذي جرف كل شيء حتى الجسور التي لم تكن بالصلابة التي لا يمكن أن تتصور الحاجة إليها أمام “سيل السبت” أي شركة طرق وجسور في العالم. ويأتي “الصراط” كما أوضح غارم ليقول للناس “لا تثقوا بالأسمنت مرة أخرى!!”. يذكر أن الشاعر محمد خضر إضافة إلى مشاركته الفعلية في الفيديو، كتب بشكل مزامن لظهور العمل نصه “الصراط” في إظهار لفكرة العمل بلسان اللغة الشعرية في تفاعل إبداعي جماعي يركز على فكرة واحدة ويقدمها لكل الأذواق والعيون، حتى تتاح فرصة أكبر لإشاعة الفكرة أولاً, وثانياً لإثارة التساؤل الذي من شأنه تكوين بعد آخر للفكرة الأصلية وبالتالي إثرائها وإفادتها.
والغريب في هذا العمل المهاجر إلى لندن بعد أيام حيث المعرض البريطاني الذي اقتناه، أنه لم يكن قد عرض من قبل على أي شاشة رسمية داخل الوطن، ولم يجد فرصة بأي مناسبة فنية أو ثقافية حتى يعرض، فكان عملاً مطلوباً من الخارج، برغم تأكيد غارم أن المتلقي في الداخل يطلب مثل هذه الأعمال ويستمتع بها وأنه يثق به كثيراً وبذائقته ورأيه. وأضاف “السبب ليس في المتلقي لكنه في انعدام المؤسسة المؤهلة لاستيعاب مثل هذه الأعمال -يعني الفيديو آرت المفاهيمي- واحتضانها وتقديم ما تحتاجه من أدوات عرض تناسبها وأماكن وغيرها من الأدوات اللازمة لعرض مثل هذه الأعمال الفنية الحديثة. كما أننا نعدم التوجه الاستثماري للفن، وهو ما يأخذ بالعملية الفنية لدينا من مجرد مواهب وحراك عبثي إلى احتراف يجسده فنانون محترفون ومواكبون للحركة الفنية العالمية, متواصلون معها بالضرورة.
وتحدث غارم عن أهمية “الجمهور الوسيط” لإشاعة فن الصورة الحديث، المكون من المبدعين الذين يوصلون العمل وما يحمله من فكرة إلى المتلقي عبر طرائقهم الخاصة ومجالاتهم التي برعوا فيها واشتهروا من خلالها..
وعن اتجاهه الحداثي في أعماله يقول غارم “من الطبيعي أن أستفيد كفنان من الأدوات الحديثة المتاحة لإنجاز عملي الفني الذي يكوّنه إرثي الثقافي والمكاني وهو ما يجعلني في اتجاه مضاد تماما للتغريب الذي يستخدم الأدوات الحديثة وموروث أهلها الذين ابتكروها وطوروها”.
ويبقى الفنان بالنسبة لعبدالناصر “هو ذلك الإنسان المنتفض على الحدود والشروط المثبتة من الأفكار المسبقة التي تضيق بحرية الإبداع، من خلال الفعل الصادق لا من خلال طرح الآراء والأحكام الجاهزة. والفنان الحقيقي هو من “يقوم” بالتغيير وليس من “يتحدث” عن ضرورة التغيير”.
ومؤخرا انتهى غارم من عمله “ختم” وهو مجسم كبير للختم المستخدم لتصديق العقود وإثبات الملكية والتوكيل وبقية المعاملات الإنسانية المادية التي تشترط الصدق والالتزام لتحقيق العدل بين الناس وحفظ حقوقهم. والختم يمهر هذه العبارة على حافته باللغتين العربية والإنجليزية: قليلاً من الالتزام. وفي قلبه كتبت : آمين. بحجم كبير وملفت، في دعوة فنية صريحة لمراجعة النفس وواقع التزامها بالعهود والمواثيق والمواعيد اليومية أيضاً..
وفي ختام حديثه للـ”الوطن” قال الفنان عبدالناصر غارم: إن الفن رسالة الإنسان إلى ذاته وإلى الآخر, وليس متعة أو بابا من أبواب التسلية. ولهذا فإننا نتلمس عبره الجوهر المعرفي, وفي كل ما يوجه المبدعين إلى الهدف المعرفي, واكتشاف كل خروج عن قياس الطبيعة وما تعارفت المجتمعات الإنسانية على حقيقته وثباته. وأشار إلى فكرته المكتوبة في موقعه الإلكتروني http://abdulnassergharem.com/ “الفنان كالنعامة” وهي أن النعامة لا تدس رأسها في الرمل خوفا ولا جبنا، بل تفعل ذلك لتنصت وتسمع ما يجري حولها باعتبار المادة الصلبة أسرع نقلا للصوت، وهذه حقيقة علمية تنقض المفهوم السائد لفعل النعامة المتعارف عليه، والفنان حين يدس رأسه فإنه ينطلق من ذات منطلق النعامة.

18 أكتوبر 2008

التعليق