ما ظنّتي يا عبيد تاكل بطاطا .. جملة لم تكن عابرة بالنسبة لي. لست هنا بصدد تحميل هذه الجملة ما لا تحتمل. لكن لكتابة قراءتي الخاصة لهذا الفيديو. هناك الكثير من الأسئلة التي أثارتها هذه العبارة “ما ظنتي ياعبيد” وتلك الوجوه الكثيرة التي اتفقت على قولها كلٌ على طريقته الخاصة والمميزة. فمن هو عبيد؟ هل هو شخصية حقيقية أم افتراضية وخيالية؟ ولماذا هذا التوقع: ما ظنتي تاكل بطاطا؟ ولماذا بطاطا؟ هل هناك قصة خلف هذه الجملة التي قالها عدد كبير من الأشخاص بين كبار وصغار، وحتى بعض العمال الأجانب شاركوا في الحفلة. الكثير من الاسئلة يطرحها هذا العمل العفوي ويتركها معلقة وهي ميزته.
.
.
القصة تشكّلت بعفوية. هكذا تبدو لي: شباب إسكان حفر الباطن يشعرون بالضجر. ما دفعهم لمحاولة التعبير عن حالة الضجر تلك الممتدة في نفوسهم. إذا ما علمنا بالسأم الذي يخيم على الشباب بالعموم، وشباب المحافظات المهملة، وخصوصا من يعيشون داخل مجمعات إسكانية تعرف في السعودية بالإسكانات. والإسكان مجموعة من الفلل والبنايات الطويلة كلها متشابهة، بشوارع متشابهة أيضا. ونظرا لانغلاق مجتمعات هذه الإسكانات على بعضها انغلاقا مضاعفا فإن ذلك يُنتج لنا مجتمعا ضجرا لا يجد حتى ما يعبر عن ضجره.
وأذكر أنني قرأت دراسة أميركية تقول بأن جرائم مثل هذه الإسكانات تكون غريبة نظرا لغرائبية مجتمعها التي تفرضها طبيعتها المعمارية والهندسية والجغرافية عادة، فهي لا تكون إلا بعيدة وشبه معزولة.
أما الانغلاق المضاعف الذي أشرت إليه آنفا فهو انغلاق مجتمع الإسكان ككل على نفسه، وانغلاق الوحدات السكنية الصغيرة على نفسها أيضا. مع العلم إن مجتمع الإسكانات في السعودية غالبا ما يكون متعايشا وحميميا نوعا ما، لكن العلاقة بين السكان لا تبقى طبيعية في العادة، نظرا لكثرة المواقف التي تجمعهم ببعضهم، ولأنه مجتمع يكونه أصحاب الدخل المحدود فإن الفقراء ملعونين ايضا بالتعاسة والشقاء الدائمين، وهذا ينسحب على باقي الشرائح كالشباب والأطفال والأمهات والفتيات. وما هو أشبه بالبدهي بالنسبة لنا في السعودية أن نسمع عن جرائم بشعة أو شجارات دامية أو مظاهر لبيع الممنوعات في أحد الإسكانات المعروفة بصبغتها في التخطيط العمراني وبعدها عن المدينة.
فيلم عبيد والبطاطا يأتي بعد عام تقريبا من فيلم “تبغى عبيد ما يزعل” ، حيث وجد أحد شباب إسكان حفر الباطن (كما في معلومات الفيديو) وجد في كلمة “تبغى عبيد ما يزعل؟ اشتر له كتشب” ما يستدعي تصوير مجموعة كبيرة من الأولاد والعمال والشباب وهم يرددون نفس العبارة ولكن بطرقهم المختلفة. ويبدو أن الشباب استحسنوا الفكرة واستلطفوا ردود الفعل على المقطع في اليوتيوب،
ليعود عبيد من جديد، ومعه نفس الوجوه تقريبا التي تقول ل”غرناطة” المصور وصانع الفيلم، وصاحب الفكرة كما يبدو، هذه الجملة الجديدة “ما ظنتي يا عبيد تاكل بطاطا” مختتما الفيلم بعنوان ختامي مكتوب يظهر فجأة “حالة نفسية .. شباب الاسكان”.
ولعله من الملفت للانتباه قدرة صاحب هذين الفيلمين على إقناع كل أولئك لقول هذه الجمل التي بلا معنى وهم على علم بالتأكيد أنها قد تنتشر بين الناس؟ أين اختفت الفوبيا الشهيرة من الكاميرا؟ هل اقتنع الناس أخيرا أن ظهورهم المرح والطبيعي لا يمس بسمعتهم ولا يعد عارا عليهم؟ أم إن ذلك نتيجة لتميز غرناطه في حضوره وقوته الشخصية؟
لقد كان مثيرا مشهد كل المشاركين في الفيلمين تقريبا وهم يرددون الكلمات باستمتاع. (عودوا إلى الشخص الثالث في فيلم البطاطا). لقد قد قالها باستمتاع وتجسيد رائع للجملة. فكان يتحسر بإبداع وهو يقول “ما ظنتي يا عبيد تاكل بطاطا”، ولا تنسوا الرجل الأخير في الفيلم ذاته الذي لم يقلها فقط بل غناها وكاد يكملها موالا بكلمات من اختراعه.
البعض يصنع أشياء عظيمة دون أن يدري، ولعل ذلك سر عظمتها!. وهذا النوع من الأعمال الفيلمية التي لا تقول شيئا هي واقع الأمر تقول كل شيء!
اقرؤوها من زوايا أخرى لربما وجدتم ما وجدته أنا من دهشة واستمتاع.. وضحك لمَ لا ؟!