حوار افتراضي

بعد أكثر من 20 عاما لم يأخذ خلالها أي إجازة ليسافر إلى وطنه وأهله وأحبائه، عرفته أول مرة. الاسم : جودة. المهنة مزارع… مكان العمل: قرية نفطية بإحدى جهات شبه الجزيرة العربية. وصفه: طويل وعريض جدا. في تجاعيد وجهه قصيدة حزن بعمر الزمن. وفي خشونة يده وجلده المتحرشف يمكنك إدراك كم هي الدنيا جلفة قاسية وتحتاج إلى قسوة كافية لمواجهتها. رأيته بعد تلك المرة، مرات كثيرة، ولم يكن بهيئة مختلف عن هيئته أول مرة. صوته عميق أجش، نظرته وهو يتكلم تشعرك بطفولتك ، بأنك لم تر شيئا من هذه الدنيا، وبأنك مازلت ليّن العود طريّ.

o          كيف حالك يا عم جودت؟ (قلت اسمه وأنا أفكر هل التاء في آخره مربوطة أم مفتوحة؟؟)

–           الحمدلله ماشي يا أستاز.. (والبزر هو الطفل في لهجة اهل المكان الذي يعمل فيه مزارعا منذ 33 عاما، لكنه يجمعها بشكل خاطئ ففي تلك اللهجة جمع البزر بزران وليس بزورة).. . وأنت كيف أحوالك وأحوال أهلك وبزورتك؟

o          مربوطة! قلتها متأثرا بسلاسته في ربط حزم الجرجير !

– إِيْه؟ إيهيّه اللي مربوطة؟ أحوالك؟؟ هاعهاعهاعهاع (هكذا كان يضحك بالفعل)

o          عفوا ، أقصد الحمدلله مزبوطة الأحوال ياعم! وكيف حال الأهل في الصعيد؟

– أولا ، أنا من المنصورة. والأهل الله أعلم بحالهم!

o          ألديك هاتف أو موبايل هنا؟

– كما لا تعرف، أنا منقطع الأخبار عن أهلي طوال هذه السنين، لعلّهم يعتقدون أنني متّ، وسوف يصلهم الخبر قريبا.

o          وزوجتك؟

– مش عارف، بنت الشرموطة خلفت توأم ، بنت وولد ، قبل شهرين!

o          كيف؟؟

– كيف حملت؟ أو كيف عرفت؟

o          الاثنتان؟

– كيف حملت بالتأكيد أنه عن طريق فتح رجليها إلى الدرجة الكافية، أمّا كيف علمت بالخبر فمن أحد الرفاق الذين يعملون في قرية مجاورة.

o          هل تزوجت بعدك؟

– لا أعرف، لكنني تعمدت إبقاءها معلقة حين هاجرت إلى السعودية.

o          ولماذا فعلت ذلك؟

– لأنني كنت أنوي عدم العودة أبدا إلا بعد موتي أو قبله بأيام حتى أدفن هناك.

o          وكم بقي من الوقت على موتك؟

– لا أعرف أيضا لكنه وقت قصير جدا

o          ماذا تزرع هنا؟

– جميع أنواع الخضار، بالإضافة إلى أحزاني.

o          ولماذا تزرع أحزانك؟ لمَ لم تزرع أفراحك كي تتكاثر؟

– وهل عندي أفراح حتى أزرعها؟

o          وما هي أحزانك؟

– أحزاني تبدأ من الأرض ولا تنتهي بالسماء !

o          يا لطيف ! أشرح لي أكثر..

– أحزاني تبدأ من هذه الأرض التي لا علاقة لي بها، ومع ذلك ها أنا وحدي المتصرف فيها ووحدي المسئول عن زراعتها وعن هذه البئر (وأشار بسبابته الكبيرة إلى بئر مغطاة بالأخشاب والصفيح) -هل تفهم ماذا يعني أن تأكل حبة بندورة كتلك التي نزرعها في أرضنا، ثم لا يكون لها أي طعم أو نكهة أو حتى رائحة؟ -هل تعرف معنى أن تتعلق برجاءاتك وإيمانك ووجدانك كله في سماء لا تعرفك. هل تتخيل أن تنادي السماء وترجو منها أمرا ثم تتفحص ملامحك بعينيها الغائرتين، وتدبر عنك كما لو أنها لم تفهم لغتك وما تريد قوله؟ إنني لست غريب الأهل والوطن، بل غريب حتى على هذه السماء كما إنها غريبة عليّ. بل حتى القرآن والصلوات والمناسك، أقوم بها في بلادكم كما لو أنني أقضي حاجةً في الخلاء. ولذلك كثيرا ما تخيلت أن الله غير موجود هنا، أو لا يمكن الوصول إليه.

o          عميقة أحزانك.. هل لديك أطفال؟

– لم يعودوا كذلك!

o          أصبحوا رجالا؟

– ولم يصبحوا رجالا.

o          فماذا أصبحوا إذن؟

– عيال حرام.

o          كم عددهم؟

– لا أعرف كم، لكنهم أكثر من عيال الحلال بطبيعة الحال.

o          حسنا ، وماذا عن الجنس؟ كيف صبرت طوال هذي السنين؟

– لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.

o          ماذا تقصد؟

– أقصد ما يعنيه الله من هذه الآية!

o          ومتى ستعود إلى بلدك؟

– لا أعرف، لكنني لم أقرر بعد!

o          كم لديك من العمر الآن؟

– 57 عاما.

o          هل كانت كافية؟

– لكراهية الدنيا وأهلها؟

نعم.. كانت كافية وزيادة، لكنها لم تكن كافية لحبّ الدنيا وأهلها، ولو لحظة واحدة.

o          هل تكره الحياة؟

– لم أكره الحياة يوما، لكنني أكره الدنيا، ولم كنت ممن يكرهون الحياة لما عشقت الأرض وأحييتها. الأرض بريئة مما عليها، والسماء كذلك بريئة مما تحتها .

o          وأنت؟ هل أنت بريء؟

– بل أنا المجرم الحقيقي.. أنا من فعلها.. أنا من قتل عبالمعطي.

o          من هو عب المعطي؟

– هو من دخلت على زوجتي وهي تتلوى تحته كالملدوغة.

o          لقد أخطأت.

– لا لم تخطئ، بل أنا من أخطأ، لقد تزوجتها لأنني ابن عمها لا لشيء آخر.

o          لكنها خانتك؟

– خانتني عندما أجبرتها على خيانة حبيبها.

o          ومن كان حبيبها؟

– عب المعطي.

o          وكيف قتلته؟

– بالغدر. تربصت عند باب بيته لحين عودته من السمر، وما أن رأيته حتى انقضضت على ظهر أمزّقه وأطعنه بقوة عشرة رجال. لقد كنت أتخيل نفسي حينها، أمزّق العار الذي لحق بي على يد هذا الرجل.

o          لكنها كانت تحبه وكان يحبها وكنت تعلم ذلك!

– لا والله ما كنت أعلم بذلك، وقد كان صديقي المفضل على الناس أجمعين.

o          عبالمعطي؟

– نعم هو، كان صديقي، ولم يتورع عن طعني في شرفي وعاري، ولذلك لم أتورع أنا عن طعنه في ظهره بكل لؤم ودناءة.. لقد مات فورا، قبل إسعافه المستشفى. كان لبقعة الدم التي تتسع وتتسع.. نشوة هائلة لا يمكن وصفها، تتسع في خاطري. لم أشعر يوما بالندم على هذه الفعلة، ولا أظن أنني سوف أندم في يوم من الأيام.

o          هل كرهت النساء؟

– بل كرهت الأصدقاء المفضلين!!

o          أن صخرة صلدة من الأحزان والصدمات والغمّ.

– بل أشد قسوة!

o          ماذا عن ثورة يناير وشباب التحرير؟

– الولاد دول فضحونا، كشفوا حقيقتنا، وأثبتوا أنهم رجال خرجوا من أصلاب أشباه رجال.

o          مصر تغيّرت يا عم الحج. لازم تزورها.

– لكنها تغيرت بعد فوات الأوان بالنسبة (ويشير إلى قلبه تماما).

o كيف؟

– مصر تغيرت صحيح بس احنا كمان تغيّرنا، ما عادتش المسألة مهمة بالنسبة لينا، بقت البلد آخر همومنا. آخر همومنا أن ينتهي الفساد، لأننا نثق باستمراره وقوّته الجبارة.. ربما كان الأمر أكثر أهمية للشباب، ولذلك هم من قرر التغيير وهم من أحدثه على أرض الواقع.

o          هل تتابع الأخبار؟

– أتابعها عبر الراديو فقط .

o          ما عندك تلفزيون؟

– بلى، ولكنه مطفأ طوال الوقت .

o          هل تكره التلفزيون؟

– لا أبدا لكنني أحب الراديو.

o          (انقطع سؤالي التالي) بأن جاء صالح (وصالح هو كفيل هذا المزارع وقد كنت أضيّع الوقت في انتظاره)..لقد جاء عمّك يا جودت، عمّك ووليّ نعمتك!

– أيوه ياعم، أهوه جاي، بس مش ولي نعمتي، ده ولي طيزي! بص .. وشّو عامل زي النايم في بيت نحل مقرّص دين امه، بص عامل ازاي من كتر النوم واهه لسا حيجي وحتشوف! (وحين اقترب صالح القادم من جهة بيتهم إلينا، حين أصبح بإمكانه أن يسمع ما سيقوله جودت، انقضّ عليه) : إيه ياعم ما شبعتش نوم وانت زي القتيل على فرشتك من يومين؟ إيه ياعم ما عندكش رب تسعى معاه؟ إيه الرزق ابن المنيوكة ده إللي هتاحده وانت نايم في العسل؟؟أيوه ياعم، يحق لك برضو..

يتجه صالح إلي، يصافحني، يسأل جودت عن أمر يتعلق بحاجات المزرعة، ثم يأخذني ونمضي معا تاركين جودت خلفنا، مشغول بأرضنا، يزرعها حُزنا وخضروات… ذهبت عن ذلك الوجه وليس لديّ أي رغبة في رؤيته مرة أخرى، إذ لا يُخيفني في هذه الحياة، قدر أولئك الذين ينسون أوطانهم وأحبتهم، فلا يشتاقون إلى أرضٍ ولا إلى حبيب. وما أتصوره عن هذا الشخص “الافتراضي”، أنه لا يمكن أن يقول خيرا عني أو عن الذين عرفهم في غربته، وذلك هو الأولى بمن لم يقل خيرا عن أهله ووطنه!

رأي واحد حول “حوار افتراضي”

  1. يا سلام

    طريقتك محببة جداً إليّ. بسيطة وواضحة وعميقة كأنك أشعلت بقلبي ما يمكن إشعاله عبر نص ناري مُرهق كهذا.

    مفتعلة على الرغم من حقيقتها، أثيمة على الرغم من طُهرها.

    مزيداً من هذا.

التعليق