كرياتي.. الساخرة من واقعين

تحضر في تويتر ظاهرة الحسابات التي تجسد إحدى الشخصيات المشهورة بطريقة ساخرة parody account. هناك من يبرع في ذلك فيحظى بالمتابعين. أعداد كبيرة جدا من المتابعين. وهناك من يفشل وينسحب بهدوء.

محليا بدأ هذا النوع من الحسابات في الظهور. وقبل أسابيع حضر أحد أولئك البارعين في تجسيد الشخصيات وهي “الشغاله كرياتي“.

تصف كرياتي نفسها في البايو bio بالكلمات التالية:

انا ( كرياتي) خدّامه اندونيسيه اعمل في السعوديه من ١٥ سنوات .. اشتغل ٢٤ ساعه باليوم ٧ يوم بالاسبوع … ناشطه حق حقوق شغالات ،، اي شي اكتب لايعني مدام انا

يتابع كرياتي في تويتر14,146حتى الآن

لاشك أن هذه الحسابات لا تجد قبولا من جماهير مواقع التواصل خصوصا تويتر ما لم يكن خلفها ممثل بارع. فالمسألة لم تعد ترفيهية فقط، بل فنّ يقوم على رسالة إنسانية وعلى إيصالها للعالم بالطريقة التي يحبون.

في البداية ، حين شاهدت حسابها لأول مرة، وكانت لم تكتب بعد أكثر من خمس تغريدات. قرأت حضور “كرياتي” على الفور بطريقة خاطئة. قلت إنه للسخرية من العاملات الإندونيسيات في منازل السعوديين. وتوقعت أننا مع كرياتي أمام امتداد للإساءات الإنسانية التي يتعرضن لها عاملات المنازل والعمال عموما في بلادنا.

لكن كِرياتي فاجأتني. ويبدو أنها فاجأت الكثيرين غيري بحضورها. فكانت أبلغ رسالة إنسانية على الانترنت وربما في الواقع المحلّي للتوعية بحقوق العاملات في منازل السعوديين. أو ما يعرفن رسميا بالخادمات واجتماعيا بالشغّالات.

تعتمد كرياتي في تواصلها مع الآخرين لهجة العاملة الإندونيسية التي تتكلم “سعودي”، ولعل إتقانها لهذه اللهجة التي يعرفها السعوديون جيدا كان مثار إعجاب الكثيرين بها.

تنطلق كرياتي من خلال وجودها في تويتر إلى هدفين واضحين هما كشف خبايا المجتمع المليء بالغرائب والأسرار. وكشف حياة الخادمة الإندونيسية في المجتمع السعودي. تأخذك معها بيدك إلى أدق تفاصيل البيت السعودي. فمرّة تدهشك، وأخرى تجعلك تضحك بصوت عال على نفسك، وثالثة تجعلك تقول يا إلهي كيف لم أنتبه لهذا من قبل!

إن المتابع لكرياتي لابد أن يعرف تماما أن “الخادمة” هي سرّ البيت السعودي. وربما سرّ المجتمع السعودي في كثير من الأحيان. فبين يديها كل شيء عن هذا المجتمع وهذا الإنسان. ولديها كل الأدوات التي لا تعرّيه فقط بل تشرّحه نفسيا وذهنيا.

الرسالة التي تحملها كِرياتي ذات الهدفين الواضحين تجبرني على احترام من يقف خلف هذا الوجود الإبداعي المبتكر. لأن الفن الذي بلا رسالة إنسانية تدعو لحب الإنسان واحترامه وحفظ حقوقه وتقديسها هو تسلية وليس فنّا. إنها ليست أول ناشطة أو أول صوت ينذر نفسه لحقوق الخادمات بهذه البراعة وهذا الإبداع فحسب، بل إن كرياتي تدافع عن حقوقنا أيضا في كثير من الأحيان. إنها منصفة في السخرية من الواقع، فهي تسخر من واقعها كخادمة في السعودية، ولا تنسى دائما (دائما) أن تسخر في الوقت ذاته من واقعنا كسعوديين نيابة عنّا.

وبالتالي كان صاحب أو صاحبة هذا الحساب وهذه الفكرة الخلاقة “كرياتي” جدير بالحب والتقدير والدعم والاحترام.

ولعله من الواضح لمتابع كرياتي أنها فتاة سعودية عاشت الكثير من التجارب مع الخادمات، وغاصت في أعماق مشاعرهن التي لا يبالي بها أحد في العادة. فوجدت في نفسها القدرة على تجسيد هذه الشخصية الهامشية في المجتمع رغم أهميّة دورها المحوري في بيوت السعوديين.

كما نستطيع اعتبار ظهور هذه الشخصية الرائعة في هذا التوقيت للتوعية بحقوق الخادمات في تويتر، طبيعي في سياق ما يتعرضن له الخادمات في السعودية من هضم للحقوق ناتج هو الآخر عن المعادلة الشهيرة “فاقد الشيء لا يعطيه”.

حساب كرياتي

 @indonesia_woman

إحصائية حسابها على تويتر

http://twtrland.com/profile/@indonesia_woman

التعليق