جيزان، الصوت القديم مازال يغنّي!

في جيزان يختلف الإنسان من حيث ارتباطه بهويّته وجلده!. حيث لا أحد يوازيه في حفاظه على موروثه ورعايته كما يجب.

وبالنظر إلى موروث جيزان الغنائي على وجه الخصوص لابد أن نستعيد حضوره المختلف وطابعه العميق والمتفرد بأصالته واختلافه النوعي عن الآخرين، من خلال ما قدمه ويقدمه من لوحات فنية رقصا وغناء.. في كل المناسبات وغير المناسبات. وكما قيل (الجيزاني يولد مبدعا ثم يتعلم الكلام).
وللغناء في جيزان بهجة مختلفة أيضا. فهو نازع إلى الفرح بطبيعته. فلا تكاد تلمس الحزن في الأغنية الجيزانية إلا من خلال الحنين إلى الديار، وعذابات الغربة!

ولعل هذا عائد بشكل أساسي إلى ما يمكن التعبير عنه بالسيامية التي تجمع الرقص بالغناء والغناء بالرقص. فالجيزاني لا يعزل هذين الفنين عن بعضهما من خلال الممارسة أو الانفعال. حيث لا فرق بين من يغني ومن يرقص من حيث القيمة الفنية والجمالية.
إن الغناء بالنسبة للذهنية الجيزانية يعني الرقص. والعكس صحيح. وهو ما لا ينطبق على كافة أو الكثير من مناطق المملكة على الأقل. التي ينفصل فيها الغناء عن الرقص فصلا تاما، فلا يمكن تقديمهما للمتلقي إلا بهيئة جنسين منفصلين..
إن الرقصة الجيزانية تختلف عن العرضة النجدية (مثلا) باعتمادها على الغناء وشجن الصوت العذب والكلمة الرقيقة والآلة أحيانا (العود أو الإيقاع).. بينما لا تجد في العرضة النجدية أي شيء يوازي حضور السيف..وكلمات الاستعلاء والفخر.

ولكن مع الغناء الجيزاني تختلف القيم والمفاهيم باختلاف التركيبة الثقافية والاجتماعية. إذ لا تجد ما تطرحه العرضة النجدية أو غيرها من خلال الكلمات التي يتغنى بها الراقصون. فالأغنية الجيزانية لا تكون إلا ملامسة لوجدان الإنسان البسيط الذي يعشق المرأة الجميلة والوطن الجميل. للماء والمطر. والفل والريحان والكادي. ستجد من يغني مستجديا حبيبته القليل من الماء.. ستجد من يغني للعصافير، للعشب، لمواسم الحصاد، للنوارس وضحكات الصبايا. وستجد أيضا من يغني في عشق قريته وغدرانها والمطر إذ يحاصرها بالسيول ويقطعها عن العالم، كعادة القرى هناك.

ومن خلال إطلاعي البسيط على ما يقوم به الشباب المهتمون في التراث الغنائي أو الفلكلور في جيزان، خرجت بعدة تصورات أولها أن أولئك الشباب ينقشون صوت جيزان الأخضر الحلو، بأظافرهم على صخرة الواقع الصمّاء…

امنابوش، أحد أهم شعراء الأغنية في جيزان 

إنهم يعملون من منطلق وحيد هو حبهم للغناء والفن، الذي يتضمن بالضرورة حب جيزان. هؤلاء الشباب وجدوا مساندة رائعة من رموز الأغنية الجيزانية كتابة ولحنا. وفي ظل غياب المنتج الحقيقي الباحث عن خدمة الفن الملتزم والراقي، حمل أولئك الشباب مهمة المونتاج على عاتقهم، فأخذوا يسجلون أعمالهم ويمنتجوها ببساطة عالية قبل نشرها على المساحات التي يوفرها عالم الانترنت. إذ ليس ثمة ما يستحق التوقف عن الغناء، حتى وإن كان لبحثهم عن الداعم أو المؤسسة التي يفترض أن تكون داعمة لهذه المواهب. (حمادة عطيف مثلا)..

هكذا هم أهل جيزان في عشقهم للفن والجمال والحياة .. يعملون بفطرية تدهشك، وتلقائية تجعلك تطرب قبل بدء الغناء. وقبل سماعك للكلمات التي تقبض على القلب بنعومة فل مدينتهم ورطوبة بحرها.

ولابد أن يزول الغموض أمامك عن سبب عدم انتشار الفنان الجيزاني الجميل “صالح خيري” وعدم لمعان نجمه في أي مرحلة من مراحل تجربته الغنائية محليّا..وحتى وعربيا، رغم امتلاكه كل ما يحتاجه من موهبة وإمكانات وأدوات تكفل النجاح لأي فنان، من إحساس ، صوت، ثقافة ووعي فني وغنائي، أقول برغم أن صالح خيري يمتلك كل شيء يكفل له النجاح، فإنه يزول عنك ذلك الغموض حول عدم انتشاره كما يستحق، فقط حين تفهم عشق الجيزاني لموروثـه الذي لا ينقصه شيئا..

أتذكر جيدا بهذه المناسبة إجابة نجوى كرم على السؤال الصحفي الذي طالما تردد عليها “لماذا لا تغنين باللهجة المصرية” التي كانت: لأن لهجتي تكفيني لتقديم ما يليق بجمهور نجوى كرم.. نفس الفكرة يا أصدقاء ونفس القاعدة يقف عليها صالح خيري. فهو يكتفي بالغرق في بحور الأغنية الجيزانية وفي تراثها الضارب في أعماق الزمن..
وجد صالح خيري ما يكفيه عن أضواء الشهرة في الجلسات الوديّة التي يحييها مع رفاقه من كتاب الأغاني والمولعين بالتراث وإن كانت تلك الجلسة تحت ضوء “لمبة” واحدة فقط ..

اكتفى صالح خيري بأشيائه التي يعتقد أنها تغنيه عن أشياء غيره. لم يغير ثوبه كي يحبه الجمهور.. لم يغن للوجهاء أو بالأحرى للأمراء والأثرياء تقربا من جيوبهم.. بل سخر نفسه وصوته وعوده لكلمات الشعراء الحقيقيين حوله..أمثال رمز الأغنية الجيزانية  محمد عطيف “امنابوش”. الشاعر اللذي لا يكتفي بكتابة الأغنية بل والمشاركة بالغناء واختيار اللحن لا يخرج عادة عن تراثهم الغنائي الأصيل. ولعل هذا أيضا من أبرز دلالات الاكتفاء الإبداعي الذي تحدثت عنه.  وأيضا الشاعر الحساس والمبدع علي الدغريري وغيرهما كثير.

لقد اختار صالح خيري الارتماء في حضن امردايم على معانقة النجومية الزائفة .. وركوب الموجة التي هوت ومازالت تهوي بالأغنية في الجزيرة العربية إلى ما هو أحطّ وأرخص من الحضيض ذاته!
وإنني على سبيل المثال.. أحترم المطرب مثل صالح خيري، بنفس مقدار عدم احترامي لل”النجم” محمد الزيلعي. لأن حالة “خيري” هي تماما تمثل الضدّ لحالة “الزيلعي” من حيث القيمة والمعنى، وهذا ليس حكما فنيا لكنه رأيي وذائقتي الخاصة.

كم لي واقف بباك من ظما .. أطلبك ما

3 رأي حول “جيزان، الصوت القديم مازال يغنّي!”

  1. الصوت القديم مازال يغنّي، ليطرب القلب قبل الأذن. كلمة حق في أهل الطرب والفن الأصيل. شكرًا جزيلا يا بندر ابدعت كعادتك 🙂

  2. العفو خلود .. جيزان إلهام وأهلها أكثر إلهاما. ما كتبته هو لمحة واحدة موجزة، لحال الغناء اليوم في جيزان

  3. الله يا بندر، حديثك جميل هنا. محمد ابراهيم عطيف كنت استمع لأشعاره ولقصص النابوش في كل قضية وكل مشكلة منذ زمن بعيد.. منذ الكاسيت، ولا زالت ذاكرتي تحفظ احدى تلك القصائد العجيبة ” عشية والدروب سيول وليلة برقها ساري ..”، وبعدين لما سمعت الفنان الصادق صالح خيري كما وصفته في اخر مقالتك بأنه غنى للناس لا للوجهاء وللمال، سمعته وهو يغني ” اشتقت للديرة” وكانت أيامي صعيبة وأنا بعيد عنها، احببت هذا التجانس بينهما. الفن يا صديقي كما ذكرت يختفي هناك بين الحقول المسدرة حبا وبساطة، في ساحل جيزان كما في جبلها المخضرّ. / كل ما وضعته من روابط هنا للأغاني جديد عليّ، لذا سأبحر معه. وشكرا لهذه النافذة.

    كل الحب يا محب الفن في بلادي.. ويا مُبديه

التعليق