في رحيل صالح الشهري

لو مرّة أيار تأتينا وفي شفتيك وعد أو بشارة ..
لو مرّة تحنو , تعانقنا .. لو تطفأ الأحزان في عينيك..
*الشاعر الفلسطيني محمد القيسي

صالح الشهري

في هذا اليوم، دخل أيار حزينا باكيا، يحمل في عينيه نبأ رحيل الملحن السعودي صالح الشهري من هذه الحياة هادئا صامتا، بعد صراع طال أمده مع المرض، تاركا لإحساسه وفنه أثرا بل آثارا في وجدان مجتمع عاش فيه، وذاكرة وطن نبت من أرضه، عبر اعدد لا يكاد يحصى من أعمال لا تهترئ وتبلى بمررو الوقت.

عاش الملحن الكبير متألقا وكبيرا. كان مدرسة حقيقية. لم يكن ملقنا لألحانه، بل كان يعطي اللحن والدرس معا.. ينقل الحسّ والتجربة معا ..

يقول في مذكراته المنشورة على موقعه الشخصي، إنه بدأ الحياة موظفا بسيطا في إحدى المطابع الخاصة بالعاصمة الرياض. خلال هذه الوظيفة تعرف الشهري على نخبة من المثقفين والصحفيين. يقول الشهري: كنت سعيدا حيث سنحت لي الفرصة بأن ألتقي بعلامة الجزيرة (حمد الجاسر) والشيخ (عبدالله بن خميس) والعديد من الشعراء والصحافيين والمذيعين فانبهرت بذلك الجو”.

غير أنه استقال من هذه الوظيفة متجها إلى معهد الدعوة في الرياض، ثم إلى المعهد العلمي في الطائف وهناك بدأ. فبعد عام من الدراسة في معهد الدعوة، شده الحنين لأخيه محمد فانتقل للدراسة بمعهد الطائف العلمي في المسيال كأقرب معهد من جدة, يقول: “هناك تعرفت إلى شعراء كثر منهم صالح القصير وطلال الطايفي وعلى بعض الفنانين منهم محمد السراج وداوود هاروف وعبدالله مدادين وبدأت موهبة التلحين تنمو لدي”.

وبعد عامين في الطائف، قرر عدم مواصلة دراسته مكتفيا بشهادة الكفاءة ودخول المعهد الفني لسلاح الطيران بالظهران وهناك استمرت حياته، وبدأ طورا آخر في تجربته مع الموسيقا والتلحين.

الشهري الذي ولد في القنفذة غرب السعودية، كانت أول أقداره هي أن يكتشف موهبته بل ونجوميته في الجهة المقابلة لمسقط رأسه، فاجتمعت المعطيات “جغرافيا واجتماعيا ومناخيا” لخروج هذا العملاق “صالح الشهري”.

ومن الأمثلة على هذه المعطيات، هو سهولة الوصول إلى دول الخليج، بما فيه من مناخ فني وبيئة تحتفي بالموسيقا والغناء نسبيا، إضافة إلى الأصوات الهامة والتي تتحكم ببورصة الأغنية الخليجية ذلك الحين.

فكانت فرصة ليتعرف على مطرب نجم مثل علي عبدالستار، غير أن التعاون لم يحدث إلا في اللقاء الثاني، إذ سنحت الفرصة للشهري أن يعرض لحنين جديدين لعلي عبدالستار خلال حضوره مؤتمر لإحدى قمم الخليج، للمشاركة في أوبريت أقيم بتلك المناسبة.

يقول الشهري “وهناك أردت أن أسمعه لحنا جديدا لي, ولارتفاع الأصوات داخل كواليس المسرح صعدنا إلى السطوح وأمسكت بالعود وجلست أسمعه أغنية (يا ناس أحبه) ..بعد عامين عندما اتصل بي علي عبدالستار وطلب مني التنازل عن الأغنية وكنت قد نسيتها وأخذت أسأله .. أي أغنية؟ وأي لحن؟ وبالفعل قدمت له التنازل وتقاضيت أول أجر لي عنه من بداياتي في التلحين, وكان 10 آلاف ريـال، وبتلك الأغنية انطلقت وبدأ الناس يعرفونني”.

غير أن الناس عرفته أكثر وأصبحت تميّز أعماله بالتقائه مع عبدالمجيد عبدالله، في فترة كان خلالها هذا العصفور شريكا في ظهور ثلاثي قوي ومخيف “محمد القرني، عبدالمجيد عبدالله، وصالح الشهري”.

حيث قدم الثلاثة معا أعمال تعد الأبرز في تاريخ الثلاثة معا. ومن تلك الأعمال، أو على رأسها أغنية روحي تحبك.

من ارشيف الشاعر محمد القرني

إلا أن ديوانا للشاعر (راشد بن جعيثن) استطاع إعادته إلى سياق النجاح من جديد، حين لفتت انتباه قصيدة تقول: ابشر من عيوني الثنتين مثلك نلبي مطاليبه والقلب ما يسكنه شخصين واحد ويكفيه تعذيبه.

يتابع الراحل حديثه “فاتصلت براشد الماجد وأسمعته الكلمات وامتدح اللحن واقتنع بالاغنية وحصلت على التنازل من الشاعر لأجمع الراشدين راشد الماجد وراشد بن جعيثن في عمل واحد, وكان لحن الاغنية جديدا على راشد الماجد الذي كان مهتما باللون الشعبي, وأحببت أن أقدمه باللون العاطفي الكلاسيك فقدمت له أيضا (مستغربة) , (الليل روح) , (قرة الأعيان) , (حجة الغايب) “.. وقال: “أعتبر نجاح أغنية إبشر من عيوني الثنتين هي القفزة الثانية لي”.

وفي الوقت الذي كان فيه العملاق صالح الشهري يذيع صيته، كان الشاعر محمد القرني يفتش عن نغمة توائم كلمته بصوت عذب ومحبوب لدى الناس. 

يقول هذا الشاعر الجميل ورفيق درب الفنان الراحل: “أول يوم تعرفت عليه في الرياض قبل كذا وعشرون سنة.. إنه فنان من رأسه حتى أخمص قدميه .. يتكلم بالألحان .. ويحلم بالألحان .. ويجاذبك الحديث بالألحان ..الكلمة البرّاقة تجذبه .. فنان محظوظ بمحبة الناس .. يحب النكتة ولو لم يروها لرواها عن نفسه .. لا يحب التصادم مع الآخرين .. مسالم .. إذا بحثت عنه لا تجده .. وإذا وجدته لا يتركك أبدا (من محبه)”.

يشير القرني انه في بداية تعرفه على صالح عرض عليه الكثير من الأعمال لم تكن تناسب إحساسه وتوقعاته، يقول “ولكني اكتشفت ذلك أخيرا.. حين صارحته وصارحني، واتفقنا على أسلوب تعاون خاص بيننا، فتوالت أعمال جميلة وجيدة بيني وبينه في تلك المرحلة منها (حبني بالحيل) لحسين قريش و(سمينا باسم الله) لراشد الماجد و(الليل روح) لصالح خيري”.

بعدها جاءت مرحلة النجاح العربي كما وصفها الشاعر محمد القرني في مذكرته المنشورة على موقعه الشخصي، وذلك مع أغنية (روحي تحبك)، التي جاءت ضمن أجمل خمسة اعمال على مستوى الوطن العربي في مهرجان الاغنية العربية بالقاهرة 1995م. ثم تتالت أبرز الاعمال التي جمعته بالراحل وصوت عبدالمجيد، منها (لله شوفي) و(المحبة في القلوب) و(هوّه والاّ مو هوه) و(تذكر).

وسوف نذكرك كثيرا يا صالح الشهري..رمزا وعلامة فارقة في جيله ومرحلته،

وليرحمك الله، يا من رحلت -ومثلك ليس يرحل- ، مثلما نذرت العمر لبهجة كنت تغزلها من روحك الطيبة مواساة للناس.. للذين يبحثون عن أغنية في كل مكان، لمواجهة الكآبة والحزن وقسوة الزمن.

                             
                                                     2012/05/01
 
 
مصادر:

التعليق