
يا له من شخص نذل، صاحب هذه الذهنية الوعظية الصدئة، حتى وجد من توزيع مثل هذا الكاسيت في مستشفى يغص بالمرضى والمهمومين فكرة ناجعة لهدايتهم!.
وماذا يمكن أن نقول حين ينتج (مستشفى) هذا النوع من الوعظيات لأسباب اقتصادية بحتة نظرا لاستهلاكه وحاجته الهائلتين لهذا المنتج العجيب إلى الدرجة التي دفعت إدارته للتوجه نحو صناعة الوعظ وإنتاجه لا توزيعه فحسب.
ورغم أني لم أسمع هذا الكاسيت -فأنا أعدم الجهاز الذي يشغله، لا لشيء آخر- إلا أننا اعتدنا تلقي هذه الحزمة الهائلة من الأحزان والمخاوف، بكافة أشكالها، في أماكن أخرى غير المستشفيات ، كالمساجد والمدارس وأماكن التنزه في الأجواء الجميلة، وأصبحنا نعرفها بالرائحة!
لكن موعظة حول اول ليلة في القبر، داخل مستشفى، أمر جدير بكل مشاعر الإشمئزاز المفرط الذي عادة ما يأخذ صاحبه نحو التندر والتخيلات الطريفة في أثر موعظة أول ليلة في القبر على نفوس المرضى وكبار السن خصوصا الذين لا أظنهم في حاجة إلى هذا الشؤم في المكان الذي لم يأخذهم إليه سوى بقايا تفاؤل وأمل.
هذه الفكرة عديمة المروءة أعادت إلى الذهن ما يتمتع به هذا النمط من عبقرية حقيقية تكمن في انتقاء الأماكن والمادة بنذالة لا تخطر ببال بشر. فرز عبقري لمادة الوعظ بحسب الزمان والمكان بل ونوع الإنسان.
فالواعظ في حفل الزفاف، يعظ الناس من شرور محدقة أدت إلى انحراف الجيل الجديد. وفي المدارس يوجه الوعظ نحو الكراهية.تعبئة هائلة لأذهان التلاميذ بكراهية الآخر. كراهية الماضي والمستقبل ، كراهية الحياة ومباهجها. كراهية الأصدقاء. كراهية الأعداء، كراهية المعرفة، كراهية الأسئلة كراهية التفكير، كراهية رائحة الصباح. كراهية صوت المذياع. كراهية الوجوه. كراهية الوجوه كراهية الوجوه.
وما أن تصل إلى المطار إلا وتجد مطويات الوعظ للترهيب من السفر إلى بلاد الكفر في انتظارك!
وفي مسجد لفندق شهير في أبها وجدت قبل سنوات الكثير من الملصقات والمطويات التي تحرم السفر إلى بلاد الكفر بغرض ما يدعى ب “السياحة” بفتاوى معتبرة لا تخرج عن ابن باز وابن عثيمين ولجنة الافتاء؟
ولا يمكن أن أنسى ما حدث في خطبتي عيدين بينهما سنين طوال.
الأولى في القرية، وكنت حينها طفلا يراقب ما يجري، خرج الشيخ علينا وعلى شباب القرية تحديدا بخطبة هجومية لاهبة أحرقت ثيابهنا.
حيث تحول بها فجأة للحديث عن حلق اللحية بعد أن لاحظ وجوه الشباب ساطعة وبشوشة، ومن كلامه أنه حينها لا يكاد يفرق بين وجوه بعضهم ووجوه الصبايا!
والثانية في الرياض بعد سنين طويلة وكانت خطبة عيد الفطر أيضا.
وتجلت النذالة الخارقة في الوعظ وأدواته، حين تحولت تلك الخطبة تحولا دراماتيكيا فظيعا نحو الحديث عن المرأة ناقصة العقل والدين، التي لا تصل في الابتهاج المفترض بهذا اليوم الى مستوى الرجل وقال ما معناه أن المرأة ناقصة دين لا تصوم رمضان كاملا وبالتالي فإن فرحها بالفطر لا تصل إلى فرح الرجل الذي صام رمضان كاملا!
وقتها كنت مجبر على مرافقة بعض أقاربي الذين فضلوا سماع الخطبة فيما فضلت الذهاب إلى السيارة وانتظارهم. لأشاهد النساء لحظة خروجهن من (مصلى الحريم) دفعة واحدة فيما يشبه الإخلاء.
النساء يقطعن الخطبة ويخرجن من الجامع يمشين في استعجال إلى بيوتهن أو ربما إلى بيت إحداهن والسخط يكاد ينطق في حركتهن، إثر ماجاء في خطبة العيد المبتزة.
هذه أمثلة على الوعظ السائد في مجتمعنا المريض بكآبات وأحزان ومخاوف لا وصف لها أو حدود. وعظ ينطلق من الفكرة النذلة، والخطاب المخاطي، وهو خطاب يختلف تماما عن الخطاب المطاطي.
وأخيرا يبقى الحل كالسحر ، في يد صاحب العقدة، حتى يشاء الله.