بندر خليل
“أتعرفين ما نحن فيِ مجتمعاتنا! إننا نحن المثقفين سلطة ظلّ شاغلها الأساسي أن تصبح سلطة فعلية، أو أن تنال فتاتاً في السلطة الفعلية . إننا قفا النظام، ولسنا نقيضه أو بديله، ولهذا ليست لدينا طروحات جذرية، ولا آفاق مختلفة، والمراوغة تطبع عملنا وتشكل جوهر سلوكنا، يا للخيبة! ويا للحزن!”…
هذا ما قاله المسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس (1941 – 1997) في إحدى رسائله الأليمة إلى رئيسة تحرير أخبار الأدب المصرية، الكاتبة والناقدة عبلة الرويني، والتي نشرتها المجلة مزامنة مع اندلاع الثورة السورية بدءا من درعا. ولقد كان ونوس، الذي كتب كلامه هذا قبل قرابة العقدين من الزمن، يتحدث عن المثقف العربي عموما.. وكان مسرحه الفكري الذي يعرض عليه هذه الرؤى الثقافية، أوسع وأبعد آفاقاً من قطره الذي يعيش في حدوده.
والسؤال هو ماذا لو عاش ونوس إلى هذه اللحظة التاريخية في العالم العربي، وفي وطنه سورية على وجه التحديد، هل كان سيغيّر رأيه؟ ويتخذ الموقف ذاته الذي اختاره أغلب رموز الثقافة والفن هذه الأيام؟ والذي يتراوح بين التزام الصمت حتى تستقر الأمور، وبين الوقوف في صف الأقوى والأقرب للانتصار؟
الأكيد في اعتقادي هو أنه كان سيجد الكثير من الأمثلة والنماذج التي تبرهن صدق ما قاله قبل نحو 20 سنة.
إن المثقف كما نشاهده على الساحة وتحت الأضواء، لا يخرج عن نوعين، وهميّ، وحقيقيّ. والواضح أن النوع الأول مازال هو السواد الأعظم في الساحة العربية.
إن المثقف الوهميّ هو ذلك الشخص المحسوب على صنّاع الثقافة بكل أجناسها، فهو لا يصنع إلا مجده الزائف. وهو ذلك الشخص الذي يفرض نفسه على الثقافة بأساليب غير مشروعة كاستغلال النفوذ واستخدام الواسطة والنفوذ، أو توظيف الصحافة الهابطة التي يمكن توظيفها لحساب الأشخاص.
والمثقف الوهمي هو ذلك المبدع بفلوسه، وهو ذلك الكاتب الصحفي الذي يمثل دور الصعلوك المرتزق في زمن الحسم. وهو من يسعى لكسب الجماهيرية على حساب مبادئ الإنسان وكرامته، والنجومية مقابل تعاطيه الهلامي مع قضايا الإنسان المصيرية وغير المصيرية أحيانا!.
وبالطبع هو ذلك “المكافآتي”، الذي يعيش كأي منشار مصنوع من الستانلستيل اللامع.. أو على سبيل المثال هو ذلك الموظف الذي تم تفريغه عن العمل ﻷداء أعمال أخرى لا تعمل شيئا في واقع الأمر!
وفي النهاية، هو ذلك الشخص الذي لا يمكن اعتباره مثقفا لعدة أسباب، أولها أنه شخص كذاب بكل بساطة، والكذاب نعرف أنه (لا يدخل الجنة) .. ولا يمكن الوثوق به أو الاعتماد عليه.