محمد فتحي يونس – الشرق الأوسط ، سعيد ياسين – الاتحاد الإماراتية
عمر من الفن عاشه العرب مع أنغام وكلمات الكبار، نحتت «ثومة» وشادية والعندليب والأطرش وفايزة جداريات الطرب، وأقام عبد الوهاب والسنباطي والموجي صروح النغم، في حين دشن مأمون الشناوي ومرسي جميل عزيز ومحمد حمزة وحسين السيد مهابة الكلمة.. خرجت أغاني الكبار لتحفر في الوجدان وتتحدى الزمن فلا تموت مع الموتى.. لكن هناك من رصد كواليس المخاض وكشف أسراره.
في كتابه «حكايات الأغاني»، يحكي الشاعر مصطفى الضمراني كشاهد عيان أسرار وكواليس الأغاني التي وصل معها العرب لثمالة الطرب.. يتكلم الضمراني عن تفاصيل كثيرة ظلت لسنوات مطمورة تحت غبار الزمن.
من بين حكايات الضمراني، ما كتبه عن «انت عمري» الأغنية التي عرفت بلقاء السحاب بين أم كلثوم وعبد الوهاب، كتبها أحمد شفيق كامل وحققت نجاحا ساحقا عقب غناء «ثومة» لها على مسرح الأزبكية. يروي المؤلف قصة اختيار عبد الوهاب شكل الأغنية التي جمعته لأول مرة مع كوكب الشرق، وأسباب تخوفه من خوض التجربة، وتفضيله أم كلثوم على نفسه ومنحها كلمات الأغنية واكتفائه بتلحينها، على الرغم من أنها كانت في الأصل مكتوبة ليغنيها هو، لم يخبر عبد الوهاب أحدا قط بهذا السر الذي ظل بينه وبين أحمد شفيق كامل، كاتب الأغنية، حرصا منه على مشاعر أم كلثوم، ولأنه كان على علم أنها لو عرفت بأن الأغنية مكتوبة في الأصل لغيرها سترفضها حيث يستحيل عليها أن تأخذ أغنية كانت مكتوبة لغيرها.
وأثناء البروفات اكتشف عبد الوهاب أم كلثوم الشاعرة، وذلك عندما طالبت بإجراء تعديلين على كلمات الأغنية، وبالفعل كان اختيارها موفقا جدا ومثار إعجاب من الجميع. وأذيعت الأغنية وحققت نجاحا كبيرا. وكانت آخر أغنية يتم تقديمها على مسرح الأزبكية في عام 1964.
يروي الضمراني قصة استماع أم كلثوم لبليغ حمدي في بيتها وهو يغني بصوته الجميل أغنية «حب إيه.. اللي انت جاي تقول عليه» لعبد الوهاب محمد، ليحفظها ابن شقيقتها، الصوت الجديد إبراهيم خالد، فتختارها أم كلثوم لنفسها وتفتح لبليغ، ولعبد الوهاب محمد كاتب الأغنية، باب الشهرة على مصراعيه ليكون أول ظهور لهما أمام الجمهور، وبليغ لم يتعد السادسة والعشرين بعد.
وبعد اقتناع أم كلثوم بموهبة عبد الوهاب محمد كشاعر ذهب إليها زائرا، ثم تصادف أن نسي أجندته الخاصة في البيت، فقلبت فيها «ثومة»، واكتشفت عشرات الأغنيات المدونة فيها فاختارت من بينها ثلاث أغنيات غنتها في ما بعد.
وأثناء تلحين عبد الوهاب لأغنية «فكروني» لأم كلثوم كشف عن أسلوب منفرد كان مثار إعجاب خبراء الموسيقى في الوطن العربي، خاصة استخدامه المتفرد للطبلة مع تغيير نمط استخدامها، ليبدع لها في الكوبليه الأخير لأغنية «فكروني» «صولو» مقننا ومدونا بالنوتة أمام عازف الطبلة «كتكوت الأمير».
ويروى لنا المؤلف إحدى الطرائف، التي كان شاهد عيان عليها، عندما طلب عبد الوهاب من كتكوت التوقف عن العزف، وجلس هو على الكرسي مع الفرقة الموسيقية وقال له: «شوف أنا باعمل إيه؟»، وأمسك بالطبلة وقام بعزف الصولو المنفرد عليها، وأعضاء الفرقة مبهورون بأداء عبد الوهاب على الطبلة، ويستمعون بشغف شديد إليه، وهو يعطي الدرس للعازف الشاب، مما أثار انتباه عازف الكمان الأول أحمد الحفناوي ليقول للأستاذ وهو في قمة سعادته وبابتسامته الحلوة: «صحيح يا أستاذ إنك موسيقار الأجيال، وها هو واحد من الجيل يتعلم منك»، وكيف أصبحت هذه الصورة لعبد الوهاب وهو يقوم بالعزف على الطبلة وأمامه كتكوت الأمير هي صورة الصفحة الأخيرة في صحيفة «الأهرام» في اليوم التالي، عندما تسلل المصور إميل كرم إلى استوديو التسجيل سرا والتقط الصورة على الرغم من تعليمات الست المتشددة بالسرية.
ويحكي المؤلف عن قطيعة استمرت لسنوات بين السنباطي وأم كلثوم على إثر اعتراضها على «قفلة» أغنية الأطلال، وهو الكوبليه الذي تقول فيه «لا تقل شئنا فإن الحظ شاء». عندما قالت للسنباطى: «الطبقة عالية يا رياض عايزاك تعدلها»، فاشتاط السنباطي غضبا وألقى بعوده على الأرض وخرج مسرعا من بيتها عائدا إلى بيته متعجبا من موقفها، وهى التي تربت على ألحانه ولم تعترض مرة على نغمة واحدة طوال نصف قرن. وخلال سنوات فشلت كل محاولات الصلح فاضطرت أم كلثوم للرضوخ لشروط السنباطي وغنت بلا تعديل للحن وحققت نجاحا منقطع النظير خاصة في الكوبليه الأخير.
ومن خصام السنباطي وثومة، إلى قطيعة الموجي وعبد الحليم حافظ لخمس سنوات.. فيحكي المؤلف قصة الخلاف، حتى جاءت قصيدة «رسالة من تحت الماء» للشاعر نزار قباني لتكون فاتحة الخير وحمامة السلام، ويتم الصلح في المغرب، وعند عودتهما إلى القاهرة يبدأ العمل، ولكن القدر لم يشأ أن تظهر القصيدة في موعدها المقرر، بسبب الوعكة التي ألمت بالعندليب، وسفره للعلاج في الخارج، لكن الموجي سجلها كاملة بصوته وتدرب على غنائها العندليب وهو على سرير المرض في مستشفى «لندن كلينيك»، وطلب حليم تعديل الجملة اللحنية في «إني أتنفس تحت الماء.. إني أغرق أغرق»، إضافة إلى تعديل كلمة «عاشقة» لتتناسب مع كون المغنى رجلا، وبالفعل عدل نزار الكلمة وبالمثل فعل الموجي، وبعد شهر عاد إلى أرض الوطن، لتبدأ بروفات الأغنية مع الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن ويغنيها عبد الحليم في حفل أضواء المدينة وتحقق نجاحا غير مسبوق.
ومن بين أسرار الكتاب، غضب عبد الوهاب الشديد من عدم إذاعة أغنيته «المركبة عدت» التي لحنها لعبد الحليم حافظ بمناسبة إعادة افتتاح قناة السويس لكن الأغنية انضمت لما عرف بأغاني اليوم الواحد، فاتصل بسامية صادق رئيسة التلفزيون، وقال لها ساخرا: «إذا كانت المراكب اللي قدامك بتعدي في النيل كل يوم ليل ونهار، طيب ليه مركبتي أنا ما بتعديش قدامك إلا يوم 5 يونيو (حزيران) فقط وتتعطل طول أيام السنة؟!».
من بين طرائف الكتاب اتصال بليغ حمدي بملحن أغنية شادية «اتعودت عليك» خالد الأمير لتهنئته على اللحن وهو جالس بجواره في منزلها، ولا يعلم أنه هو. كما رصد بشيء من التفصيل قصة تعاون ميادة الحناوي مع بليغ حمدي وغنائها من تأليفه وتلحينه، وأسرار عودة فايزة أحمد إلى محمد عبد الوهاب في «وقدرت تهجر»، وتفاصيل لقاء حلمي بكر بعلية التونسية، وكيف تمنى أن يتعاون سيد مكاوي مع «ثومة»، وجلس مكتئبا لأنه لم ينل شرف التلحين لها ثم فوجئ بهاتفه يرن حاملا رغبتها في إتمام التعاون.
__________
الضمراني يكشف أسرار «لقاء السحاب» ويروي خلافات الموجي والعندليب
كشف الشاعر الغنائي مصطفى الضمراني أسراراً فنية مهمة وحكايات دارت بين المطربين والمطربات والملحنين والمؤلفين من زمن الفن الجميل وروى باعتباره شاهد عيان على نهضة موسيقية غنائية مصرية انتشرت في كل أرجاء الوطن العربي، وشارك فيها نخبة من كبار الشعراء وأساطين التلحين ونجوم الغناء من المطربين والمطربات الذين قدموا أروع القصائد والأغنيات التي لا تزال تعيش في وجدان الشعب العربي حتى الآن. وجمع الضمراني هذه الأسرار بين ضفتي كتاب “حكايات وراء الأغاني” الصادر عن مركز الأهرام للنشر والتوزيع.
عبد الوهاب وأم كلثوم
توقف الضمراني عند أول لقاء لعبدالوهاب بأم كلثوم في رائعة أحمد شفيق كامل “انت عمري” التي أطلق عليها الصحفي الكبير جليل البنداري “لقاء السحاب”. ويروي قصة اختيار عبد الوهاب شكل الأغنية التي جمعته لأول مرة مع كوكب الشرق، وأسباب تخوفه من خوض التجربة، وتفضيله أم كلثوم على نفسه ومنحها كلمات الأغنية واكتفائه بتلحينها رغم أنها كانت في الأصل مكتوبة ليغنيها هو، واحترامه الشديد لزملائه بحيث لم يخبر أحداً قط بهذا السر الذي ظل بينه وبين أحمد شفيق كامل كاتب الأغنية، حرصاً منه على مشاعر أم كلثوم لعلمه بأنها لو عرفت بأن الأغنية مكتوبة في الأصل لغيرها فسترفضها، وأثناء البروفات اكتشف عبدالوهاب أم كلثوم الشاعرة عندما طالبت بإجراء تعديلين على كلمات الأغنية، وكان اختيارها موفقاً ومثار إعجاب من الجميع، وأذيعت الأغنية وحققت نجاحاً كبيراً وكانت آخر أغنية يتم تقديمها على مسرح الأزبكية بالقاهرة عام 1964.
اكتشاف بليغ حمدي
وتحدث الضمراني عن قصة اكتشاف بليغ حمدي ملحناً في سن السادسة والعشرين واستماع أم كلثوم إليه في فيلتها وهو يغني بصوته الجميل أغنية “حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه” لعبدالوهاب محمد ليحفظها ابن شقيقتها ـ إبراهيم خالد ـ فتختارها أم كلثوم لنفسها وتفتح بها لبليغ وعبدالوهاب محمد أبواب الشهرة.
ويشير إلى الصدفة التي جعلت عبدالوهاب محمد يقدم لأم كلثوم ثلاث أغنيات أخرى من كلماته عندما نسى الأجندة التي يدون فيها كلمات أغانيه في صالون فيلتها واختارت ثلاث أغنيات قدمتها في مواسم لاحقة.
ويوضح كيف استحدث محمد عبدالوهاب أثناء تلحينه لأغنية “فكروني” لأم كلثوم أسلوباً جديداً كان مثار إعجاب واهتمام خبراء الموسيقي في الوطن العربي، حيث استخدم الطبلة وانفرد بتغيير واستحداث نمط استخدامها، ويروي واقعة طلب عبدالوهاب من كتكوت الأمير التوقف عن العزف، وجلس هو على الكرسي مع الفرقة الموسيقية وقال له “شوف أنا باعمل إيه؟”، وأمسك بالطبلة وقام بعزف الصولو المنفرد عليها، وكيف أصبحت صورة عبدالوهاب وهو يقوم بالعزف على الطبلة وأمامه كتكوت الأمير هي صورة الصفحة الأخيرة بالأهرام في اليوم التالي.
خصام السنباطي وكوكب الشرق
ويكشف الضمراني قصة تعطل قصيدة “الأطلال” للشاعر إبراهيم ناجي لمدة أربع سنوات بسبب خصام وقطيعة بين رياض السنباطي وأم كلثوم التي كانت اعترضت على “قفلة” الأغنية في نهاية الكوبليه الأخير “لا تقل شئنا فإن الحظ شاء” وقالت للسنباطي: الطبقة عالية يا رياض عايزاك تعدلها، فاشتاط السنباطي غضباً وألقى بعوده على الأرض وخرج مسرعاً من فيلتها متعجباً من موقفها الذي لم يتعوده من قبل وهي التي تربت على ألحانه ولم تعترض مرة على نغمة واحدة من ألحانه طوال نصف قرن، كما كان له دلاله الخاص عند أم كلثوم، وهو المستثنى من قاعدة الطاعة الكاملة لكل ما تقوله أم كلثوم، وكيف فشلت محاولات الصلح بينهما طوال هذه المدة لتتم في النهاية بشروط السنباطى وتغنيها أم كلثوم بلا تعديل وتحقق نجاحاً منقطع النظير خاصة فى الكوبليه الأخير.
حلم مكاوي
كما يتوقف الضمراني عند أول تعاون يجمع بين أم كلثوم والشيخ سيد مكاوي وكيف أنه ذات ليلة وهو جالس يدندن على عوده واليأس يملأه متسائلاً عن عدم تعاونه معها حتى الآن باعتبارها المقياس الحقيقي لنجاح أي فنان، وفجأة دق جرس التليفون آتياً بصوت أم كلثوم، ليكون بمثابة الشمعة التي أعادت النور إلى ظلمات آماله،
وكيف أن هذه المكالمة جاءت بعد مطالب كثيرة من جانب كبار المفكرين والنقاد الفنيين لأم كلثوم بالتعاون مع الشيخ سيد وتأكيدهم لها أن تعاونهما لو تم سيعيد للمستمع أصالة سيد درويش وزكريا أحمد، وبالفعل تمت المقابلة في اليوم التالي وعرض عليها أغنية “ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى يا مسهرنى” وأعجبت بها كثيراً، وأحست بمجرد سماعها لها أنها من كلمات رفيق عمرها أحمد رامي، وكيف طالب سيد مكاوي عند بداية التسجيل باستبعاد جميع الآلات الغربية من الفرقة وأسعدت هذه المفاجأة أم كلثوم بشدة ليخرج اللحن شرقياً أصيلاً.
قطيعة بين الموجي والعندليب
ويرصد قصة الخلاف بين عبدالحليم حافظ ورفيق مشواره الموسيقار محمد الموجي والذي أدى إلى قطيعة بينهما لسنوات عدة حتى جاءت قصيدة “رسالة من تحت الماء” للشاعر نزار قباني لتكون فاتحة الخير وحمامة السلام التي يتم بسببها الصلح، ويتم الصلح في المغرب وعند عودتهما إلى القاهرة يبدآن العمل، ولكن لم تظهر القصيدة في موعدها المقرر، بسبب الوعكة الصحية التي ألمت بالعندليب، وسفره للعلاج في الخارج، ورغم اشتداد مرضه لم يتوقف عن التفكير في القصيدة وكان يتابع العمل بها وهو على سرير المرض في لندن، حيث سجل القصيدة على شريط كاسيت بصوت الموجي لحفظها، وكيف أعاده حليم ليطلب تعديل اللحن في مقطع “إني أتنفس تحت الماء إني أغرق أغرق” وبعد شهر عاد إلى مصر وبدأ البروفات مع الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن وغناها في حفل أضواء المدينة.
احتكار صوت نجاة
ويروي الضمراني المشاكل والصعاب التي واجهت أغنية “أيظن” بدايةً من مشكلة احتكار شركة محمد فوزي “مصرفون” لصوت نجاة، واحتكار ألحان محمد عبدالوهاب لشركة “كايروفون” فنجاة لا تستطيع تعبئة القصيدة على اسطوانة نتيجة عقد احتكار الشركة لصوتها، وعبد الوهاب لا يستطيع طبع القصيدة أيضا على أسطوانة مخالفاً للعقد المبرم بينه وبين الشركة، وتعطل تسجيل الأغنية، حتى اجتمع نزار قباني بنجاة وعبدالوهاب وقرروا تسجيل الأغنية للتلفزيون، وهناك مشكلة ظهور القصيدة بصوت عبد الوهاب في الأسواق مما أغضب نجاة ونزار وعبدالوهاب على السواء، وكيف أثيرت مشكلة أخرى تتعلق بكلمة “فساتيني” وانقسم النقاد إلى قسمين بسبب فَرنسة هذه الكلمة وأنها دخيلة على اللغة العربية، إلا أن هذا لم يغير في الكلمات ومرت الأغنية كما هي بلا أي تعديل عليها.
كما يروي حكاية القطيعة التي دامت أكثر من ثماني سنوات بين عبدالوهاب وفايزة أحمد، بعد أغنيتهما الشهيرة “بصراحة” التي أحدثت دوياً كبيراً في الأوساط الغنائية من كلمات حسين السيد. وجاء ذات يوم حسين السيد وعرض على عبدالوهاب كلمات أغنية “وقدرت تهجر” وأحس عبدالوهاب أن هذه الكلمات تصلح لتغنيها فايزة وبالفعل عرضها عليها وقامت بغنائها وحققت نجاحاً كبيراً.
بليغ شاعراً
وتناول الضمراني الأسباب التي دفعت بليغ حمدي للسفر خارج البلاد لمدة 5 سنوات، وكيف أن هذه السنوات المليئة بمرارة الغربة فجرت شاعريته عندما كتب كلمات أغنية “أنا بعشقك” لميادة الحناوي والتي حققت نجاحاً دفع ميادة لتطلب منه تلحين أغنية أخرى تفتتح بها موسمها الغنائي تكون من تأليفه أيضا، ويفاجئها بأغنية “الحب اللي كان” التي أكد كل من سمعها أن بليغ كان في أعلى قمته كشاعر مبدع عند كتابتها.