إلى التاريخ الذي خرج ولم يعد
(العلامة والمؤرخ محمود بن شاكر شاكر)
في صباح الجمعة قبل ثلاثة أيام
يقول ذووك إنك خرجت ولم تعد.
وقد أخبرني الرفاق الذين زاروك أنك تعيش في بيت بسيط بحي الملز في الرياض،
وآخر من زارك منهم قبل بضعة أشهر قال إنك فقدت جزءا رهيبا من رصانتك.
وقال إنك كنت خائفا ومرتابا ، وإنك لم تكن طبيعيا.
أيها التاريخ العريض المصاب بألزهايمر
إلى أين خرجت ولم تعد ؟؟
إني أراك تفتش عن ثورة قيل إنها اندلعت في بلدك الذي ولدت فيه،
وإني أراك حزينا ومكتئبا في بلدك الذي برعت فيه ، حتى أدركك الزهايمر على أرضه، ودفعك لتهيم في شوارعه على وجهك المضيء مثل البدر المكتمل،
أيها الزمن والأسماء الكثيرة التي صنعت التاريخ والواقع، الرسل والرسالات، الجهاد والألوية التي ترفرف عاليا ، ماذا تريد أن تقول بالضبط!؟
هل نحن من ضيعك؟ أم إن ضياعك بإرادتك؟
أم هل جاء الذين كنت تخافهم دوما وأخذوك؟
ترى
أين أنت الآن في هذه الليلة النجدية الباردة؟
لماذا الآن تضيع؟ لماذا لم يصحبك أحد لصلاة الجمعة مادمت معرض لهذه النوبة الطارئة؟ إني أراك الآن تغوص في الإسفلت؟ وإني أراك مستلق على غيمة بيضاء مثل أرواح الطيبين ونيّاتهم. وإني أراك ندبة في قلبي وفي وجه من ضيعوك. أرى سحنتك الدافئة والحبيبة وقد تحولت إلى سوط يجلد قوما أضاعوك!
كيف حالك يا شيخنا ؟
كيف حال شبه الجزيرة ؟
كيف حال الإسلام ؟
كيف حال المجلدات التي كتبت ؟
كيف حال التضحيات التي قدمت ؟
كيف حال العذابات التي عشت ؟
كيف حال قدميك ؟
الأرض الباردة ؟
الحياة بلا جدران ؟
وكيف حال الحياة بلا ذاكرة ؟
والذاكرة بلا حياة ؟
أعرف أنك رجل عظيم وأعظم من أن نستحقه
وأعرف أنك ذلك النسر الخائف الآن ، ومنذ سنين عددا ،
وأنك النسر الذي فقد طريقه إلى عشه ونفسه
ووجوده في هذه الحياة..
ولكني لا أعرف إن كنت مصاب حقا ب ألزهايمر الذي أفقدك ذاكرتك
ولكني أعرف تماما أن أحاسيسنا مصابة بنفس المرض.
ليحفظك الله يا شيخنا الجليل.