بعض ما جرى لرهين المحبسين

AFP
التقطت الصورة بتاريخ 13 يونيو 2013 ويظهر تمثال المعري مقطوع الرأس من قبل الدواعش (إ ف ب)


(النص من برنامج وثائقي قصير) إعداد رولا العبدالله 


عندما كانت أنامله الفنية تحوم حول الحجر لتطوعه وتؤنسنه ، وتحوله من بكم إلى ناطق يحاكي وجه الفيلسوف المعرّي ، ليعيد استحضاره بين أهله وناسه عبر أنسنة الحجر ، لم يكن يدري الفنان والنحات المبدع فتحي محمد قباوة ، أن عقلاً ظلامياً أحمقاً سيأتي ليقطع هذا الرأس الرمز ،.رمز لشيء لايملكه،،، وهو العقل والحكمة،فبأي وجه نقابلك أيها المعري ، وأي عذر نقدمه لك أيها النحّات المبدع فتحي محمد،،!؟ لكن غباء الأحمق الأرعن فتح لنا باب الذاكرة على مصراعيها كي نستذكرك في دوامة الحرب ولنحكي عنك لأجيال قادمة تريد أن تتذكر العباقرة وتمحو من تاريخها الظلاميين.

مسلح يجلس قرب تمثال للشاعر أبي العلاء المعري فخورا بصنيعهم في مدينة معرة النعمان محافظة إدلب.. 2013 (رويترز)
مسلح يجلس قرب تمثال للشاعر أبي العلاء المعري فخورا بصنيعهم.. (رويترز)

ولد الفنان فتحي محمد قباوة في حي الشماعين في مدينة حلب و هو حي شعبي من عريق في العام 1917م والذي شهد مربع طفولته ، وقد انتشرت في جنبات الحي بعض الفواخير التي كانت تُعنى بصناعة الآواني الفخارية والتي شكلت المسرح الأول لعبث فناننا بمادة الطين وتشكيلها وأيقظت لديه الرغبة في النحت والتشكيل حيث كان يقضي الساعات الطوال يحدق في هذا المشهد الغريب ثم يأخذ بعض الطين محاولاً أن يصنع منه دمى صغيرة يتسلى بها.
هذا اللهو الطفولي الشغوف بالطين والصلصال تحول إلى إبداع صقله الألم والعمل المبكر ، فقد توفي والده وهو في الأشهر الأولى من عمره ليربى يتيم الأب ،ولم ترض له الدنيا بيتم واحد بل فجعته بيتم الأم وهو في الثانية عشر من عمره ، لكن يبدو أن الألم هو موطن الإبداع ، وما كان من الشاب الصغير إلا أن يعمل كي ينفق على نفسه ودراسته فاختار مهنة حفر الخشب وبذلك تشكلت لديه الأدوات الأولى لفن النحت والحفر حيث أظهر براعة متميزة في ذلك، وسنحت له الفرصة في التعرّف على المبادئ الأولية لفن الرسم والتصوير، وولد أول تمثال نحتي له في العشرينات من العمر العام 1936.

وفي العام 1944 كان تكوين واستحضار شكل الفيلسوف الكبير أبو العلاء المعرّي هاجسه ، وبالفعل أنجز النحات الشاب تحفة فنيّة أهداها لمدينته التي يعشق ليعود نصب أبي العلاء المعري مذكراً الأجيال بعظمة هذا الفيلسوف. وفي نفس العام فاز فناننا بجائزة المجمع العلمي في دمشق عن تمثاله المعري ، فسافر للدراسة في مصر بتوصية من الأديب المعروف “طه حسين” الذي انبهر بهذا التمثال، وهناك انتسب إلى فرع التصوير في مدرسة الفنون الجميلة العليا بالقاهرة وعلى الرغم من فرحه بتحقيقه هدفه المنشود إلا أنه كان يعاني ظروفاً مادية صعبة لذا اضطر إلى بيع بعض كتبه وأدواته الضرورية كي يستمر في دراسته.

تذكارية للنحات مع تمثال المعري فخورا بصنيعه البديع .. وإنجاز العمل الأهم 1944

وبعيد عودته من مصر توفي الزعيم سعدالله الجابري ، فاستدعته بلدية حلب لنحت تمثال لهذا المناضل ، ولمّا ولد العمل ،ولأن أهل حلب يعرفون كيف يحتضنون مبدعيهم قرر الجابري الأخ أن يوفد النحات الشاب للدراسة في روما على نفقته وبذلك سافر “فتحي محمد” إلى إيطاليا محطته الخارجية الثانية بعد مصر، وفي ايطاليا دهشت لجنة القبول من إنجازه لامتحانه الأول في يوم واحد بدل من ثلاثة أيام ما أهّله لدخول السنة الثانية مباشرة وحين خضع للدراسة الأكاديمية كان يبدي قدرات متميزة جعلته يجتاز الفحص النهائي بجدارة .
وفي روما أنجز “فتحي محمد” تمثال /المفكرة/ بإشراف رئيس قسم النحت الأستاذ “غويريزي” الذي استحوذ على إعجابه الشديد، وفي مشروع التخرج صرف النحات الحلبي جل وقته واهتمامه لتقديم مشروعه في عمل تمثال يافع يظهر فتوته وخصائصه الجسدية والروحية فاستحق العلامة التامة ونال شهادة الدبلوم بدرجة شرف.
تابع فتحي محمد دراسته في روما، فانتسب إلى مدرسة فن الميداليات، كما انتسب إلى الأكاديمية؛ ليدرس في فرع التصوير الزيتي عام 1952. أنتج فتحي عدداً من الأعمال النحتية، كان أبرزها تمثالا «الموجة» و«الخريف» وشارك في عدة معارض ومهرجانات لخريجي الأكاديميات الفنية في إيطاليا.عاد فتحي بعد انتهاء دراسته إلى حلب عام 1954 ليعمل في بلديتها خبيراً فنياً، ثم أوفد إلى دمشق لينجز تمثال عدنان المالكي الشهير ، ولكن يبدو أن الموت يتربص بالمبدعين وأصحاب العقول النيره ، فغافلة ورم خبيث في المعدة وأدخل المستشفى في نفس العام وفارق الحياة باكراً.
وإن غاب فناننا المبدع جسداً ، إلا أنه لم يغب يوماً عن ساحات بلاده التي يحب ، ولاحتى لمساته التي تركها عبر منحوتات عرضت له في فلورنسا وميلانو ، حتى جاء أحمق مزهواً بحمقه ، معتقداً أنه سيعدم المعري أو من نحت المعري بفعلته ، إلا أنه لم يعرف أن فعلته هذه كانت مصدر يقظة فضحت كل ادعاءات الظلاميين، ودفعتنا بعد وضوح الرؤيا إلى البحث عن مخرج كما خرج الفيلسوف المعري إلى الكون على الرغم من أنه كان رهين محبسين ،وقد صرنا كاليوم كما أنت أيها المعري .. مرهونون كشعب لمحبسين في هذه الحرب الطاحنة …محبس الحمق ومحبس الطغيان…

التعليق