عقيدة القبح وجنودها..

إن العمل بقاعدة : تحريم الجمال، لهو الصورة العارية للمجتمع القبيح. ولم يكن للقبح ما يشرعن وجوده بشتى الصور، لو لم يفلح الكهنة في خلق مجتمع يحمل ثقافة القبح، والتي تكون هويته وسمة من سماته الأساسية.

بمعنى أن تحريم الجمال نابع من السنة الكونية التي جعلت البشر يرون الحياة بمعيار ما يسفر عنه الصراع الأكبر بين عقيدتي القبح والجمال، الذي ينطوي على باقي الصراعات فيما بين الخير والشر، الكراهية والحب، الحق والباطل .

وبقدر ما كان الاحتفاء بجماليات الحياة في أي مجتمع بشري، اتقدت فيهم نزعة الخير والمحبة والسلام.. والعكس صحيح.

وللقبح، الذي يتفرع إلى الكراهية والشر والباطل، جنود ومريدين وله شعبية بل وشرعية دولية! إنهم جنود نراهم كل يوم!! يكافحون كل أشكال الجمال. حتى جعلوا من القبح شرطا للفضيلة، وللشرف وللإيمان ذاته!

بل لا أبالغ إن قلت إن هذه الفرقة من البشر، قد جعلت من القبح عقيدة لها، تعيش من أجلها، وتذب عنها، وتناضل دونها، لا تحيد عنها قيد أنملة.

إن هؤلاء هم وحدهم، لا سواهم، من حرموا غريزة الانتماء إلى الوطن، كأحد أهم أبواب الجمال الإنساني في هذه الحياة، فتمخضت عن جاهليتهم ، أمة قبيحة كافرة بالأوطان وقداستها، وبالانتماء إلى الأرض، والقومية، والأهل والخلان..والذاكرة حتى! أمة كافرة بكل شيء سوى القبـح.

إن هؤلاء الجنود الذين هم حملة راية القبح في الأرض. تنبع كراهتهم للجمال من مبدأ أنه عدوهم الأصيل ، والذي حين يحدث لا يحدث إلا بالقضاء عليهم، ينبت كالعشب فوق أنقاضهم ورفاتهم ، فأي جمال في الدنيا هو بالضرورة يعمل ضدهم ، تحت شعار إذا لم تكن قبيحا فأنت ضدي..

لقد حرموا الحب فأنتجوا ثقافة التوحش. حرموا المرأة كفكرة حاضرة ، فأفرزوا بيئة وحشية تتكون من طارد وطريد، صائد وصيد، آكل ومأكول.. ذئاب ونعاج، لبؤات وخراف، غابة شبه مكتملة لا ينقصها إلا “القانون”!!

قالوا إن المغني فاسق، وإن الغناء سبب مصائب البشرية، وأصابوا الفرح في مقتل عندما قضوا على الرقص، وجعلوا البشر يعيشون في أجساد بكماء، وذلك بأن حرموا الغناء تحريما يفوق تحريم الفساد ونهب ثروات البلاد وحقوق العباد، جعلوه أشد حرمة من قتل النفس، وشنعوا على هذا الفن الجميل، وأهله، الذين هم على رأس معطيات الجمال في كل أمم الأرض، حتى جعلوا الغناء من خوارم المروءة العربية!

فتجاوزوا أقصى حدود التطرف في عداءهم للغناء والموسيقا، لينتهي بنا الأمر إلى ابتكار مسخ شديد القبح، يسمونه فن الشيلات، والفن من هذا المسخ براء ، براءة الذئب من دم يوسف. وذلك لأن محتوى هذا المسخ الصوتي النشاز، يتناقض مع كل أركان الفن التي يعبر عنها الحب والسلام والوفاء والخير والعطاء والانتماء الوطني ، والشيلات مكرسة لأن تكون حزمة من نواقض هذه القيم.

أما حينما حرموا الرسم والنحت، والفلسفة والمنطق، فقد أسفر ذلك عن أمة بلا خيال، تعيش بلا قدرة على الحلم، عاجزة تماما عن افتعال الفرح ، والابتسام .

بينما أدى عداءهم للفلسفة والمنطق والعقلانية، إلى ظهور شيخ يعظ الناس في الشارقة، ثم يجيب على سؤال أحدهم عن دوران الأرض واستدارتها، بأن هذا كله كذب وهراء. معللا أن دوران الأرض سيجعلنا نظل نطارد البلدان بالطائرات وهي تدور ونحن ندور خلفها دون أن نستطيع الوصول إليها.

إن امتعاضي تجاه هذه الحقيقة الماثلة أمامي، يحتد تجاه أن القبح لا يكتفي بأن يكون موجودا ومتسلطا وصاحب قرار .. بل إنه لا يحقق ذلك إلا عن طريق تجفيف منابع الجمال. فيتم اعتقال دعاة العدالة الجميلة والتضييق عليهم وعلى منابرهم ويتم قمعهم بضراوة وقسوة كي يخلوا المكان لنجوم التهريج والرخص، لدراويشٍ ووعاظ ومنشدين وشعراء القبيلة (الجاهليون الجدد).

وعندما منعوا جنود القبح كافة الآراء المنحازة إلى الجمال من كل أنواع الظهور، كان ذلك ليس بواسطة، بل بهدف، إغراق المشهد العام بهذا الانحطاط الذي لم يسبق أن بلغنا مستواه من قبل..

فغياب أهل الجمال لا يكون إلا لحسـاب ظهور أهل القبح وأتباعه، وطغيانهم في المشهد، أو بالأحرى: طغيانهم على المشهد ! .

أنحاء

التعليق