“أتعرفين ما نحن فيِ مجتمعاتنا! إننا نحن المثقفين سلطة ظلّ شاغلها الأساسي أن تصبح سلطة فعلية، أو أن تنال فتاتاً في السلطة الفعلية . إننا قفا النظام، ولسنا نقيضه أو بديله، ولهذا ليست لدينا طروحات جذرية، ولا آفاق مختلفة، والمراوغة تطبع عملنا وتشكل جوهر سلوكنا، يا للخيبة! ويا للحزن!”…
هذا ما قاله المسرحي والأديب السوري سعد الله ونوس (1941 – 1997) في إحدى رسائله الأليمة إلى رئيسة تحرير أخبار الأدب المصرية، الكاتبة والناقدة عبلة الرويني، والتي نشرتها المجلة مزامنة مع اندلاع الثورة السورية. وجاء فيها أيضًا :
وكنت أهيئ نفسي أيضاً لأن أشرح لك وقع ما سمته الثورة المضادة «ذات الأساس الموضوعي»: البيروسترويكا، على تفكيريِ، وعلى توازني الداخلي، فيِ الحالين كنت أفقد الجدار الذي أتكئ عليه سياسياً ووجودياً أيضاً، وفيِ الحالين كان عليّ أن أعود مع نفسيِ ووسط مرارة فظيعة، ويزيدها فظاعة تعاليِ الأصوات الشامتة، واحتفالات قوى اليمين والظلام بالنصر، أقول أن أعود مع نفسي إلى البدء، وإلى التساؤل: لماذا؟.. وأين الخطأ؟.. وكم كنت نزيهاً في مواجهة هذا الخطأ؟.. وإلى أي حد تواطأت؟.. وإلى أي حدٍّ بسّطت التاريخ؟.. وإلى أي حدٍّ كنت في اتقائي اليقيني المطمئن أستجيب إلى بقايا لاهوتية إيمانية مستقرة في نسيج لا وعي؟ ـ
وأنا أكتب إليك هذه الكلمات يتناهى إلى سمعي خطيب الجامع القريب وهو يصرخ بدعائية رخيصة، وفصاحة بائسة منادياً إلى العودة إلى الهدى، وإلى سيد الهدى، ومن عاد إلى الهدى وسيد الهدى نصره الله، ومن ينصره الله فلا غالب له ـ.. يا للبؤس! لا أريد بعد اليوم ذلك اليقين المطمئن. في الحالتين كان ثمة خطأ دفعنا ثمنه غالياً. ولأني أكثر نضجاً من الاعتقاد بأن الخطأ مؤامرة، أو سوء حظ، أو قدر غامض، فإن علي أن أتقصى هذا الخطأ في التاريخ، وليس في أي مجالٍ آخر.
إني أتشدق كثيراً بضرورة وأهمية الوعي التاريخي.. ولكن الوعي التاريخي ليس شعاراً، ولا تحيزاً أيديولوجياً، إنه ممارسة، إنه نقد، وإعادة نظر متواصلة، إنه باختصار فك ارتباط نهائي مع اللاهوت، والإيمان المطمئن. وبالتالي مع المقدس بكل أشكاله، هل يفضي ذلك إلى ضرب من العدمية؟.. الاحتمال وارد. لكنه لا يلغي الاحتمال الآخر. أن يعيش المرء مستقلاً، وأن يكون وعيه نقدياً، وأن يجد إمكانية منفذ أو إشارة إلى تاريخ أفضل تتحقق فيه حياة أفضل أو إخفاقات أقل. كنت أهيئ نفسي لهذا كله، ولكن يبدو أن مفاجآت عصرنا المهم لن تترك لنا فرصة لمواصلة أي حوار حتى نهايته اجتاحت العراق الكويت، وبدأت أسوأ أزمة تعيشها هذه المنطقة منذ حرب 76.. وعلينا أن ننفق وقتنا في اللهاث وراء مؤشر الراديو، والتخمين، والتمني، إنها وضعية مريعة أن تكوني في عربة تتدحرج، وأن تكوني داعية لهذا التدحرج، وأن تدركي فوق هذا أنك عاجزة عن فعل أي شيء، أو محرومة من إمكانية فعل أي شيء! منذ بدأت هذه الأزمة، وأنا قلق، وتقريباً لا أفعل شيئاً سوى ملاحقة الأخبار، والقراءة بين النشرات والتقارير الإخبارية، حتى حين سمعت بوفاة لويس عوض، وهو واحد من آخر النهضويين العرب، لم أجد القوة والصفاء لكتابة شيء عنه، وكنت أنوي كتابة دراسة طويلة عن سياقه النهضوي، وتناقضات هذا السياق تحت وطأة تاريخ عاصف ومثقل بالخيبات، منذ علمت أنه في المستشفى، وأن من الصعب تدارك مرضه، على كل، ستضاف هذه الدراسة إلى المشاريع المؤجلة وهي كثيرة.
إني متشائم جداً من أزمة الخليج، وأدرك أننا مقدمون على تغيرات بنيوية، وربما مأساوية، في وضعنا القومي والاقتصادي، والاجتماعي، والمستقبلي. ولأن أداة الفعل الممكنة هي أن نقول كلمتنا ونمشي، فقد قلت كلمة أولية ضمنتها البيان الذي أرسله لك مع هذه الرسالة، وقد وقع على هذا البيان عبدالرحمن منيف وفيصل وعدد لا بأس به من الكتاب السوريين.
