حين يصبح نجوم المجتمع وقياداته، وأولئك ”الرموز“ الذين يشكلون شخصيته، يمكن حصرهم في مجموعة مفحطين تائبين وبعض شعراء القبيلة ودراويشها السذج الأغبياء -وأحيانا تجد منهم المختل عقليا عافاهم الله- . ويتفوق حضور السفهاء والمجانين والمرضى العقليين، على رموز الفن والتنوير والمعرفة في مجتمع ما، فذلك ليس لفشل المثقف أو فشل حلول المعرفة، بل نتيجة إفشال المجتمع في الحصول على حالة مطلوبة من الوعي يتحقق معها احترام المعنى ورفض الخواء. احترام الحق ورفض الباطل. احترام العقل ورفض الغباء. فبروز السخف لا يكون إلا على حساب تغييب من يمثلون القيمة والمعنى ، الذين كانوا وقودا حقيقيا للحراك نحو عقلنة المجتمع. واستعادته إلى قانون التفكير الصحيح.
آلاف الكتب والمحاضرات والخطب العصماء، وقصص الافتراءات والاستعداء البذيء، التي سلطت على المجتمع، صبت، وما زالت تصب تجاه تشويه صورة المثقف، وازدراء صور المعرفة وقيمة ما توصل إليه الإنسان من علم.
في مطلع الثمانينيات قاد مجموعة مشايخ منبريين كان من أبرزهم على الإطلاق عايض القرني، هجوما شرسا على “غازي القصيبي”. ونشروا شريطا يحتوي على عدة محاضرات وخطب من إبداعهم، ألقوها على جماهيرهم في عدة مساجد ومناطق. وكان شريط (سهام في عين العاصفة) يحمل هجوما بذيئا وتحريضا للجماهير من مريدي هؤلاء المشايخ، ومن المجتمع عموما، على شخص رجل الدولة المثقف غازي القصيبي، والذي رحل تاركا خلفه سيرة خالدة للمسؤول الشريف والواعي ، المسؤول الوطني الذي كرس حياته للريادة الوطنية أيام التأسيس الأولى، وغرس بذور تنمية عادلة في كل أنحاء الوطن، وكان خير مسؤول يهتم لأمر توزيع الثروة بالعدل ما استطاع إلى ذلك سبيلا. لقد وصفوه بأخطر رجل على الأمة!.
وكان رده حينها رحمه الله على هذا الشريط الإرهابي المحرض، كتابه “حتى لا تكون فتنة”، الذي مازلنا بمرور الوقت نرى صدق الكثير من نبوءاته .
بل حتى بعد رحيل هذا الرمز الوطني غازي القصيبي 2010، خرج الشيخ يوسف الأحمد وقال في لقاء تلفزيوني إن من هاجموا القصيبي محقون في هجومهم ونفى أن يكون هجوما بل قال إن ما فعلوه ليس محرما في الشريعة ، لأنهم يعلمون عنه الشيء الكثير حسب وصفه ، بينما هاجم المدافعين عنه واتهمهم بالنفاق وأنهم هبوا من خلال أعمدتهم في الصحف للدفاع عن القصيبي لأنهم جزء من المشروع التغريبي الأمريكي في المملكة ، ومن ذلك محاولات الدكتور القصيبي وهو وزير العمل، إقرار عمل المرأة في محلات الحاجات النسائية الخاصة.
وفي هذا السياق لابد من ذكر كتاب أصدره أحد رموز التطرف السلفي وهو أستاذ جامعي! ، وهو كتاب يعد من أكثر الكتب مبيعا في السعودية خلال العقود الماضية، بغرض تشويه صورة الأدباء والشعراء الذين كانوا يجسدون طليعة الشعراء المعاصرين، ورواد الحداثة الأدبية في البلاد، فلا يكاد يمر نصا من نصوصهم التي تمت محاكمتها في ذلك الكتاب الشهير، إلا ويعقب عليه المؤلف بتخوين وتفسيق وزندقة وتغريب. ودخول في النيات وطعن في المعتقدات والإيمان!.
بل إن بعض زملاء هذا الأكاديمي المتطرف، وأعني زملاء التطرف المنظم، والذي عمل طوال تاريخية على تشويه صورة المثقف في أذهان الناس، لم يتوقفوا عند التخوين والتفسيق والتكفير، بل ذهبوا إلى الطعن في الشرف والمروءة ، خلال حملاتهم الشرسة والمتواصلة إلى اليوم، ضد كل ما يرمز إلى المعرفة، من مبدعين ومثقفين، وصحافيين، وفنانين، بل شمل الهجوم حتى المؤسسات التي ترعى هؤلاء الغرباء والمشوهين والذين لا ناصر لهم.
فبينما الليبرالية التي تعني الحرية والمساواة والخضوع إلى القانون، أصبحت تعني التحلل والانحطاط الأخلاقي والخيانة للوطن والمجتمع، وعمالة الغرب، واستهداف أعراض النساء، وإشاعة الفحشاء والمنكر في الذين آمنوا.. وصار التحرر تحررا من الأخلاق.. وذهبوا لتسمية صحيفة الوطن السعودية في بداياتها إلى الوثن، وكفروا الممثلين في مسلسلة “طاش ما طاش” لأنهم انتقدوا الإرهاب وفساد القضاء!
وهم الذين قبل ذلك حرموا الدش أو طبق استقبال الفضائيات. وقبله التليفون. وقبل التليفون الإسفلت. وقبله الراديو، والمدرسة والمستوصف وقبل هذه وتلك عارضوا قيام الدولة أصلاً بمفهومها الحديث.
وقد كان ومازال سلاحهم في هذه الحرب القذرة، التحريف والافتراء والتلفيق وتشويه صورة المخالف لنهجهم الفوضوي العابث. والنيل من شرفه وأخلاقه ودينه وعرضه! واستعداء السلطة عبر استفزاز القبضة الأمنية بالتخوين والعمالة وزيارة السفارات، وفي كثير من الأحيان بالأفكار الدستورية! . فضلا عن استعداء المجتمع واستغلال طريقة التدين الانقيادية التبعية المتطرفة السائدة في المجتمع، والتي لم تكن إلا نتاج ذلك التطرف الذي هيمن على كافة القنوات المفتوحة والمنابر العامة طوال كل العقود التي مضت منذ قيام هذه الدولة المباركة.
وليس من المبالغة القول بأن هؤلاء المحرفون المضللون ، الذين تجنوا على العلم والإنسان وعلى حقه في حياة سوية ومحترمة، قد أجرموا بحق المجتمع البريء إجراما فظيعا، فجعلوا الحرية للكفار ، وجعلوا الخضوع للمؤمنين. وربطوا التحرر بالانحلال والعهر، وصار عديم الغيرة والمروءة هو المتحرر والعلماني.
لقد صارت هذه التصنيفات الفكرية: علماني ، ليبرالي ، تنويري ، متفلسف، مثقف، منفتح! وغيرها من التصنيفات والأوصاف، تطلق من قبل التيار المتطرف وأتباعه الذين هم أغلبية في المجتمع السعودي، من باب الشتم والقذف والتحقير والإهانة.
بل إني رأيت أحد هؤلاء القوم في فيديو متداول ينكر فيه ذلك الشيخ الجليل دوران الأرض وشكلها الكروي. وضمن تفنيده العلمي لفتواه قال : لا عليكم من فلان الذي يستهزئ بفتوى العلماء بأن الأرض مسطحة ولا تدور، ففلان هذا معروف بأنه “عقلاني” لا يؤخذ منه!
ومن الحرب على المعرفة أذكر ما حصل في 2008 حين أراد نادي الجوف الأدبي استضافة شاعرة بمعية شاعر آخر ، في أمسية واحدة. فاستبق المتطرفون ذلك الحدث الشيطاني بالنسبة لهم، وأحرقوا في الظلام مكان الأمسية المخصص في مقر النادي، وتم إرجاء الأمسية من هول ما جرى.
وفي سياق هذه الحادثة لابد من ذكر غزوة اليمامة. حيث هجم مجموعة من المحتسبين على الممثلين في مسرح كلية اليمامة أثناء إزاحة الستار لعرض مسرحية بعنوان “وسطي بلا وسطية”. لتتحول المسرحية من عمل مجازي إلى واقع معيش.
وأسفر الهجوم المتطرف على الممثلين وفريق العمل عن إصابات عديدة ومختلفة جراء ضربهم بما تمكن المتطرفون من خلعه كالأثاث والأجهزة في معركة تاريخية حامية الوطيس!
وكذلك معارض الكتب. إنها صداعهم المزمن. إنها العدو اللدود بالنسبة لهم. في كل معرض تجدهم يجعلون المكان بكثرة أعدادهم وسحنتهم المتطابقة، أشبه بمخيم دعوي، لا معرض كتب. فهم يستعدون لمواصلة احتكار البطولة المطلقة في الدراما السنوية في معرض الكتاب، وغيره من الفعاليات التي تخص المعارف والفنون.
أما الذي يثبت أنهم يتحركون بدافع عداء المعرفة وكل ما ، ومن ينتمي إليها، أو يجسدها على أرض الواقع، فهو تلك التبريرات والذرائع المختلفة كل مرة، لما يفعلونه في كل معرض ومناسبة، من محاولات فضائحية لإفساد ما يحدث من معرفة والقضاء عليها كحالة جماهيرية، وهذا الهاجس الأكبر بالنسبة لهم.
فتجدهم مرة يتحججون بالاختلاط! ومرة بكتب الإلحاد! وثالثة يكون اعتراضهم على المحاضرات المصاحبة للمعرض، ورابعة على المحاضرين..وخامسة ضد الموقعين كتبهم، وسادسة ضد الموقعات كتبهن.. وهكذا.
إن التيار المتطرف في السعودية مسؤول عن الكثير من الأخطاء التي كاد بعضها أن يودي بنا في مهالك الحروب الدامية والمدمرة. بل مازال بعض تلك الأخطاء في الخطاب المتطرف مسؤول عن الخطر المحدق ببلادنا ومستقبلها، الماثل في التنظيمات المتطرفة التي تسعى لانتهاز الفاعل الديني والمذهبي لإذكاء الفتنة الطائفية والتكفيرية في مجتمعنا الذي غالبا ما يستجيب لمن يستغفله بشعارات الجهاد والتوحيد وحكم الشريعة ونصرة المسلمين، وعودة الخلافة.
لقد عمل رموز التطرف في بلادنا لعدة عقود من الزمن على تشويه صورة المثقف والقضاء عليه ، وعزله عن المجتمع، بوصفه أحد أفراده من جهة، ومن جهة أخرى، كناشط تنويري وسط مجتمع ليس أحوج إلى شيء مثل حاجته إلى التنوير.
وتمكن هؤلاء الذين يحملون عداء رهيبا للمعرفة ، من الانتصار الساحق على أعدائهم -كما يعتقدون- خلال عشرات بل مئات المعارك التي خاضوها ضد المعرفة كهدف استراتيجي أصيل.
في السنوات الأخيرة، نلحظ هذه الصورة المتحولة، من خلال التركيز على رمزين ، الأول عبدالله الغذامي والثاني سلمان العودة. كمثال فحسب بغرض المقاربة.
الغذامي كان في الثمانينيات التي شهدت صحوة التطرف والانغلاق بكل صوره، يكابد لأواء الصورة المشوهة في أوج تشويهها. وقد سرد في كتابه “حكاية الحداثة” شتى أنواع الأذى الشخصي والاجتماعي الذي ناله جراء تبنيه نظريات معروفة في الغرب بخصوص النقد الأدبي الذي يعمل في تدريسه بجامعة جدة ذلك الحين. لقد كانوا يلقبونه ب ”حاخام الحداثة“ و“حمارة الإلحاد“! ويقولون بكفره وهدر دمه.
لقد واجه الغذامي عداوة شنعاء من قبل طلاب وأساتذة الجامعة على حد سواء بسبب نظريات حديثه في النقد وتفكيك النص الأدبي. لكنه بعد ثلاثة عقود من مواجهة أحقاد الجهل والتطرف، صار خطاب الغذامي في تويتر يميل إلى مواءمة أو مواكبة الخطاب الطائفي السائد في السعودية، وحين أصبح لا يتكلم إلا في الشأن الطائفي -تقريبا-، ويرى الحياة بعين طائفية، ويؤمن بنظريات المؤامرة الشيعية ، ويكيل الاتهامات واللعنات لإيران و”أذنابها”، لم يعد الغذامي حمارة الإلحاد وحاخام الحداثة، بل أصبح المثقف السعودي المحترم والشريف الصادح بالحق الذي يحلفون به، خصوصا من كفروه ابتداءً .
أما سلمان العودة، فبمجرد أن تحول خطابه إلى التنوير، والتوعية بالحقوق والحريات والقيم الإنسانية والوطنية الكبرى، صار بقدرة قادر، من البطل القومي الذي سجن جراء تمسكه بكلمة الحق، جهادا في سبيل الله، إلى مجرد شخص حزبي انتهازي خائن لوطنه وأمته، وواحد من شياطين الإخوان المسلمين !.
إذن ، لا يحمل المتطرفون عداء تجاه الأشخاص، بل تجاه المعرفة عينها على وجه التحديد.
وإذ يعد التصنيف من أخطر أسلحتهم في حربهم على المعرفة ومن يمثلها من أشخاص ؛ فهو تصنيف يأخذ شكل الوصم بالعيب والعار وخوارم المروءة والرجولة. ومن ذلك استعمال المظهر الذي يبدو عليه خصومهم المثقفين والكتاب كوسيلة لانتقاصهم ووصمهم والإمعان في تشويه صورهم لدى المجتمع، فتجدهم يصفون هذا بعديم الغيرة والشرف لأن زوجته تعمل في الإعلام ولا تغطي وجهها. ويصفون ذاك بالتخنث والشذوذ لأنه بلا شوارب! بل حتى الحالة الاجتماعية لخصومهم استغلوها في حروبهم القذرة، فهناك من جعلوا يشككون في أخلاقه، وحتى في ميوله الجنسي فقط لأنه لم يتزوج أو فاته القطار!.
أما التكفير والتفسيق على الأفكار والنصوص الأدبية، فحدث ولا حرج. لقد ظل تركي الحمد ومازال في طليعة الذين كفروا وأخرجوا من الملة بسبب ما ورد على لسان شخصية في أحد أعماله الروائية من تلك التهمة المعتادة “الإساءة للذات الإلهية”. لقد وصموه بتلك الجملة العابرة في روايته، وكأنه قالها في مقالة صحفية أو من على أحد المنابر التي يحتكرونها. وهكذا تمت تصفية الرجل وإسقاطه بشكل نهائي، وإبطاله تماما كعنصر فاعل وصاحب رأي محترم ومعتبر في مجتمعه.
ولهذا. كان محمد العريفي الأجدر بنجوميته الكاسحة من أي مثقف حر، ومن أي أديب بارع ، أو شاعر ثائر، أو كاتب فذ. لهذا تجد الحضور في محاضرة لداعية سوبر ستار، يفوقون مئات أضعاف من يحضرون أمسية شعرية أو محاضرة علمية، أو مسرحية أو معرضا فنيا..
إنهم يحرمون الربا. ويرون تشريعه كنظام بنكي كفرا بواحا.. ومع ذلك نجد البنوك الربوية في كل مكان. فالبنوك حرام نعم لكن لا علاقة لها بالمعرفة ولا يخصها وعي الناس بل أموالهم فحسب. ولذلك لا بأس في افتتاح البنوك الربوية مادامت لا تدعوا للتغريب والانحلال! أما المسرحيات والأمسيات الشعرية ومحاولات تطبيع السينما وتعليم الموسيقا، فتلك هي المنكرات التي يجب إيقافها باليد وليس باللسان والقلب.. نعم هكذا يفكرون.
والحق أن العدالة صعبة بل مستحيلة الحصول في مجتمعات تغرق في الجهل والتخلف ، وتحفل بصورة مشوهة للثقافة والمثقف، وللمعرفة ومن اختاروا العمل في ميادينها وحقولها، تلك المجتمعات التي تستبعد المعرفة من خياراتها حتى لا تفكر في حقها بأن تعيش حياة البشر. لن أقول حياة أفضل مما هي عليه.
لأن أول خطوة لتحقيق العدل في أي مجتمع من الناس، هي الوعي. الوعي أولا ثم بقية الأسباب والمعطيات. فبدون الوعي يكون من السهل اقتياد المجتمع كقطيع من الأنعام، بل أضل سبيلا. وبدون نور الوعي والتجديد، لن تجد بين المجتمع من يعترض أو يتساءل أو يريد أن يفهم شيئا أو يعرف شيئا عن أي شيء، فالأمر عنده لا يتجاوز مواصلة الرعي، عبر الانقياد المطلق، كشرط لمواصلة الرعي. لأنه نشأ وهو يرى كل الذين خرجوا عن سياق القطيع ليحاولوا إيقاظه، كان مصيرهم التخوين والنبذ، والإقصاء، والحبس داخل الحظيرة. وبعضهم تمت إحالته إلى المسلخ للتخلص منه بشكل نهائي.
حتى أصبح القطيع يرى أن جميع الكائنات المختلفة التي تصادفه ، كائنات شريرة تتآمر عليه وترغب في تمزيق لحمه وشحمه، أو الاستيلاء على مرعاه، أو تسميم ذلك المرعى، أو الغدر بالراعي الذي يمنح القطيع شعوره الدائم بالأمان. هكذا هي حياة القطيع، يعيش بلا قدرة على التطلع نحو شيء مختلف !