حزامة حبايب – مجلة القافلة
من بين أعمال الانطباعيين التي يجمع معظم نقاد الفن على عبقريتها لوحة «المظلات» للفرنسي بيير – أوغست رينوار، الذي أسهم بصورة جوهرية في تطوير ما يعرف بـ «الستايل الإمبريشنستي»، مضفياً على الانطباعية خصوصيةً تحيطُ اللوحةَ بجمال وبهاء وحسيّة متدفقة.
رسم رينوار «المظلات» في ثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث تصوّر مشهداً لشارع مزدحم في باريس. يحمل معظم الناس في اللوحة النابضة بالحياة مظلات لحمايتهم من المطر. الشخصية الأبرز في اللوحة امرأة تسير بلا مظلة، وهي صاحبة الملامح الأوضح، الأكثر نُطقاً، لكأن نظراتها تخاطب الرائي. على أن المرأة، التي بوغتت ربّما بالمطر تبدو وكأنها ترفع حاشية فستانها كي لا يتلوث بالماء والطين.. كذلك ثمة طفلتان، في اللوحة، بلا مظلة. من الجليّ أن المطر هطل في اللوحة للتو، ذلك أن إحدى نساء اللوحة المتواريات تنظر إلى أعلى وتهمّ بفتح مظلتها، وهي لقطة لحظية «انطباعية» بامتياز، ذلك أنها تعزِّز من قيمة الاحتفاء بالحركة في فلسفة الانطباعيين. على الرغم من العفوية الجميلة والفاتنة التي يبدو عليها أناس اللوحة، إذ يتحركون ويسيرون في الشارع دون توقف، ويكادون يصطدمون بنا، إلا أنه يلاحظ أن رينوار حرص على أن يولي المظلات اهتماماً خاصاً، مرتباً إياها بعناية في زوايا معيَّنة، بحيث تتخذ أشكالاً هندسية تحافظ على توازن بصري جمالي. مكمن الفتنة في اللوحة هو ’المظلات‘ بلا شكّ، وفيها يتجلى إبداع رينوار. فاللوحة التي يطغى عليها، من النظرة الأولى، اللونان الرمادي والأزرق الداكن إنما تشعّ بجملة ألوان من «النظرات» التالية المعاينة الفاحصة، حيث تبدو مسحات الضوء التي تطوِّق أسطح المظلات بسلاسة امتداداً لضياء الطبيعة المنساب مع المطر أو المتخلل عبر الغيم المباغت؛ والمظلات التي تبدو ذات خامة لونية واحدة، إنما تنسج كلٌّ منها مع الضوء لونَها الخاص بها ما يجعل التماثل أو التطابق اللوني محض افتراء هنا!
