حمد الجاسر وحذائه الأجرب

لعل من أجمل ما كتب في أدب الرحلات، كتاب العلامة حمد الجاسر في “إطلالة على العالم الفسيح” الذي نشرته مجلة العرب في حلقات ثم صدر عنها في كتاب. يمتاز هذا الرجل الموسوعي بخفة ظل آسرة، ولغة رشيقة، وقدرة سردية تفوق في ظني ما لدى بعض من نعرفهم كرموز ونجوم في الرواية والقصة.

في رحلته إلى باريس 1973 لتلبية دعوة حضور ومشاركة بمؤتمر المستشرقين في جامعة السربون، كان قد اصطحب معه ابنته “مُنا” -هكذا يكتبها- ويشير الجاسر, إلى أن ابنته هذه قد ألحت عليه وهو يـتأهب للذهاب إلى المؤتمر، أن يلبس كرافته كانت قد اشترتها لهذه المناسبة.

ثم يقول: أما الحذاء فقد اشتريته من القاهرة ومكثت ألبسه خلال 9 أشهر ماضية حتى كلح لونه. وبدا كجلد الأجرب. ولم أحاول تغييره لارتياح قدمي فيه أثناء المشي. فبدا منظره بالنسبة للحلة الكاملة الجديدة بصورة في غاية التناقض. أو هكذا تصورت. وهو ما دفع ابنتي إلى أن تطلب مني شراء حذاء جديد وأيدها أخونا المغربي -مرافقهم في الرحلة- فخرجنا نذرع الشوارع فيما بين الثامنة والنصف والتاسعة والنصف ولكن محلات الأحذية لا تفتح قبل العاشرة. وقد أزف موعد افتتاح المؤتمر، فذهبنا إليه وكنت من تأثر ما أحسست من عدم تناسق في لباسي أن صرت أركز نظري في أحذية من أشاهده في الطريق لعلي أرى من يماثلني. وكنت أتصور أن كل إنسان يقابلني يفعل فعلي. بلغنا مكان الاجتماع ولحسن الحظ لم أجد واحدا ينظر إلى وجهي فضلا عن قدمي…. وكما قيل : (وش انت يا بعوضة) !!

إن هذا الأسلوب في الحديث عن الذات لهو أمر يستحق التوقف والتأمل بإمعان . رجل كان يدرك تماما قيمته المعرفية والثقافية ومنجزه العلمي والوطني ، ويعرف جيدا كم كان صالحا مخلصا ونزيها ، نظيف اليد واللسان . بمعنى أوضح يعرف كم هو عظيم ورغم ذلك ، لا تلمس في شخصه من خلال صوره القليلة ضعيفة الجودة ، وكتاباته الكثيرة عالية الجودة، أكثر من التواضع ورحابة النفس وسعة البال والبساطة .

كان  – رحمه الله – يخصص صفحة لأسئلة القراء ، لماذا كان يفضل القراء لصناعة عمل صحفي ؟ لأنه يعلم جيدا أن المعرفة هي السؤال البسيط الذي يتفتق عنه ذهن الإنسان بغض النظر عن شخصه واسمه ومنصبه. بل إني لاحظت أنه كان يكتب الكثير من الإجابات المطولة على أسئلة غير علمية أو غير موضوعية أحياناً ! فتراه يحاول في إجابته أن يحاول إعادة طرح سؤال القارئ بصيغة صحيحة ثم يسرد إجابته الثرية التي تنفع السائل والقراء بشكل عام .

ثم تأملوا – بالله عليكم – كيف يظهر الشيخ العلامة حمد الجاسر في حواره ذاك الذي أجراه الصحافي اللامع محمد رضا نصر الله (الكلمة تدق الساعة) كان يجلس أمام المذيع ، ويتحدث بأريحية كاملة ، واضعاً غترته (بعد أن ملَّ منها) في حِجره دون مبالاة أو انتباه لما سيوحي به شكله الخارجي للمتلقي ، فالرجل صاحب النفس الكبيرة لم تكن لتهمّه صغائر الأمور وقشورها . رحم الله علامة الجزيرة ، فهو مرحوم بالفعل حيث توفاه الله قبل أن يؤول الإعلام إلى ما آل إليه ، وقبل أن يتصدر مشهد الإعلام من نراهم اليوم ، وقبل أن يصبح النجم الإعلامي مجرد شخص نال شهرة عارض عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، وقبل أن تصير قيادة الرأي العام تتم عبر ثلة بلا أي تأهيل معرفي وبلا أي منجز بحثي وثقافي وعلمي ، وترى وجوههم قد امتلأت تعديلات وتحسينات دون أن ينتبهوا إلى ما في رؤوسهم ، ومدى حاجته إلى تعديلات وتحسينات.

رحم الله علامة الجزيرة، الذي قد رحمه الله حقاً ..

التعليق