اليمن الشارد.. هو أدق وصف لليمن اليوم. وقد ورد في مقال للإعلامي السعودي المعروف عبدالرحمن الراشد، في إحدى مقالاته بصحيفة الشرق الأوسط.
نعم هو كذلك حقاً، شارد، شارد وخطير جدا.
فاليمانون اليوم، بلغوا مرحلة من السأم بحيث لم تعد الأمور في حدود الخصام حول تقاسم السلطة السياسية، أو النفوذ التجاري في سوق ضئيلة محتكرة بسبب الفساد، بل إنهم كما يبدو للمتأمل في الواقع اليمني، باتوا يبحثون عن زمانهم الجديد.
ثمة يمن جديد يتشكل اليوم، وهذا يؤكد على وجوب التعامل مع الأوضاع والتحولات الجارية فيما يعرف بالأزمة اليمنية، بجدية أكبر، واعتبارها أضخم التحديات التي تواجه منطقة الخليج والشرق الأوسط برمته.
إنها طبخة معقدة وناضجة ويظهر أنه ليس بالإمكان سوى أكلها.
وفي حين مازالت الجماهير التي ضد الانقلاب في مواقع التواصل، وبعض الإعلاميين المحسوبين على تحالف دعم الشرعية، يرددون شعارات خطاب مثل: أنتم تحت تأثير القات، سوف نمسح مدنكم من على الخارطة، وغيرها من الأفكار التي تنم عن جهل كبير بما يحدث في اليمن وفي الحياة عموماً ؛ يستقبل الحوثي القبائل التي تبايعه وتعلن له السمع والطاعة ودعم الجهد الحربي بالمال والجهاد بالنفس والولد.
يتحدث البعض عن ميليشيات حوثية من الحفاة الجهال الذين يوجههم الحوثي بأيديولجيا الحكم السلالي والخرافات الدينية على طريقة حسن الصباح ؛ لكن في الواقع، يبسط أنصار الله نفوذهم الكامل على مفاصل الدولة وعاصمتها وأكثر من ثلثي مساحة اليمن بدعم من قوات الجيش الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح.
لا تقرأوا ما يجري في اليمن من خلال الإعلام المناهض أو الموالي للقوى المتصارعة هناك.
ولكن من خلال نظرة فاحصة لليمن السياسي عبر التاريخ. تحديدا عبر تتبع المسار الذي تشكل عبره اليمن الحديث، مملكةً وجمهورية ويمنا منقسم، ثم وحدة مشوهة على يد الرئيس السابق أو المخلوع كما يحلو للبعض تسميته، أو حتى الزعيم كما يحلو للبعض الآخر أن يسميه. وصولا إلى دخول الحوثيون صنعاء حاكمين لها بقوة السلاح، وشرعية التاريخ، تلك التي قد تخبو في اليمن ولكنها لا تنطفئ.
ولعل الاستحقاق التاريخي الذي تكونت في ضوئه البيوت والأسر التي تحظى بمكانة راسخة في الوجدان الشعبي، خصوصا في تلك المناطق المعروفة بشمال الشمال، حيث صعدة وما جاورها، والتي تعتبر عاصمة الزيدية في اليمن؛ لعل ذلك الاستحقاق، هو الفاعل الأهم فيما يجري داخل اليمن ليس اليوم فحسب، أو منذ عامين، بل منذ عقود.
إنني ولأسباب كثيرة كنت ومازلت أتابع ما تنشره الأخبار عن مخاضات اليمن في الستة أعوام الأخيرة، وما قبلها، فوجدت من اللافت في معظم التحليلات والتصريحات والقراءات المنشورة، تعاطيها مع أزمة اليمن وتحولاته المتسارعة، كأنها حالة سياسية معزولة عن السياق الاجتماعي، أو كأنها صراعات سياسية معقدة فحسب، أو اعتبارها أزمة طائفية تتعلق بالعمالة لإيران الطامعة في توسيع نفوذها بالمنطقة.
بينما أعتقد من وجهة نظري أن ما يجري في اليمن حالة تاريخية بكامل إرهاصاتها، وإفرازاتها. أكثر من أي شيء آخر.
فمن الحكمة أن ينتبه الجميع إلى أهمية فهم تحولات المشهد اليمني اليوم وحساب مآلاته، من خلال هذه الزاوية الخطيرة التي مازالت مظلمة في الأذهان، بدءا من أبناء اليمن أنفسهم، بل والنخبة المثقفة، الذين انخرط معظمهم في مفاقمة الصراع الحاصل في بلادهم اليوم بعيدا عن أبعاده التاريخية التي تلعب دورا أساسيا في خلق الصراعات التي استعر لهيبها في العامين الأخيرين، فشاهدنا كيف عصفت بالنخب اليمنية رياح الاصطفاف السياسي، وخوض رهاناته الخاسرة، بدل الاجتماع والاتحاد في العمل على تحليله وتفكيكه ومن ثم تجاوزه بسلام، بدلا من المشاركة في إشعال لهيبه الذي أتى على كل شيء في اليمن السعيد.
اليمن.. عالم مزدحم بكل شيء.. اليمن ليس بلدا كأي بلد، لكنه عالم من الأضداد المتزاحمة والمتراكمة..لقد ضاق اليمن بما يحمله على مر آلاف السنين، من تاريخ، وثورات، وأحلام، وظلام، وخيانات، وثارات، وذكريات، وزعامات، وولاءات، وعراقة، وفن، وتضحيات، وآمال، ورموز، وطموحات.. فحصل ما يحصل اليوم.
أبرز مشكلة في اليمن ازدحامه بالاستقطابات والمصالح والأفكار والصراعات والسلاح..زحمة كبيرة جدا، للحقوق.. للحقائق..للعقوق.. للإيمان.. للأساطير.. للعداوات.. والأحلاف..والتباينات.. والمشتركات؟!
اليمن.. البلاد التي لم تعد سعيدة..تشكله هذه الفسيفساء الرهيبة المدهشة، والمحيرة لكل من وقف قبالتها، أو تجرأ على فهمها ، وتفكيكها، والتدخل في صياغتها. منذ سيف ذي يزن، إلى اليوم، واليمن يحفظ أسراره التي طالما عمد إلى توريط الغرباء في سحرها القديم.. إذ يبدو عكس ما هو عليه، ويتصرف بخلاف المتوقع منه، ويمضي في وجهته العنيدة، والمخيفة، مواصلا رفضه.
منذ انطلاق “عاصفة الحزم” قبل عامين، مازلت على يقين أنه لا يمكن معالجة ما يحدث في اليمن من خلال التدخل العسكري المباشر من جهة خارجية أيا كانت شرعيتها.
في الحقيقة. كان الرئيس الشرعي عبدربه هادي، الحلقة الأضعف في اليمن . بل الأضعف والأغبى.
حيث لا يكفي أن تكون الحكومة شرعية لكي يتم التعويل عليها في فرض مزاج أو مسار سياسي معين على اليمن بكل أقطابه. ومن ثم فقد راهنت دول تحالف دعم الشرعية على رجل خاطيء في هذا الصراع المفصلي والتاريخي الخطير في اليمن.
عام 1934 ، دخل الإيطالي سلفادور أبونيتي إلى أرض اليمن.. وسجل مشاهداته في كتاب رائع بعنوان “مملكة الإمام يحيى رحلة في بلاد العربية السعيدة” تعريب أ.طه فوزي. والصادر عام 2009، عن مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.
هذا الكتاب مليء بالمتعة والعبرة، وبما هو أهم : أسرار اليمن!
أنظروا ماذا يقول ضمن انطباعاته عن يمن الإمام يحيى، ذلك اليمن المعقد والعميق، اليمن الذي يعد دخول عاصمته أعظم نجاح قد يحققه الغرباء طوال حياتهم!
وتحديدا -حول استشرافه مستقبل اليمن- يرمي الإيطالي ابونيتي برأي خطير للغاية: وليس من شك في أنه سوف يأتي يوم عاجلا أم آجلا، يقوم فيه صراع قوي جدا بين عوامل التقدم الحية والقوات الدينية القديمة، وعندئذ لا يعلم إلا الله وحده إن كان هذا الجزء من بلاد العرب سيطلق عليه اسم “العربية السعيدة”، أو أي اسم آخر.
وفي حديثه عن شخصية اليمن. وهو كثير، وفي مواضع شتى، يقول: الحاضر هنا، إنما هو صورة للماضي، فلا شيء يسيئ اليمني ويجرح عزته وكرامته أكثر من أن تتمنى له مستقبلا يخالف حاضره.
وعن العرب قال: العرب هنا يشبهون الأنهار التي تجري في بلادهم، والتي تبقى أجوافها جافة عدة سنين ثم تمتلئ غفلة بالمياه القوية الجارفة التي تأخذ مجراها بعنف وشدة، مكتسحة كل ما في طريقها!.
وعن صنعاء، يقول بدهشة وتحسر واضح: “صنعاء تعتبر في حالتها الراهنة، مدينة تعيش على هامش الزمن. شيدها شعب ذكي متفنن قدير. ترى كم من السنينالتي انقضت على تشييد تلك المباني الشامخة المدهشة؟.. لا أحد يعلم. ولا يعرف إنسان شيئا عن مدارس المعمار التي ازدهرت يوما ما في العربية السعيدة. والتي ابتدعت هذه الأشكال المعمارية الأنيقة البارعة الجمال! والزخارف التي تحير العقول! (…..) فهل من الممكن أن يكون سكان هذه العاصمة من البدو؟!”.
هذا الكتاب كما قلت آنفا، هو وغيره من المصادر والمراجع الكثيرة حول تاريخ اليمن السياسي والاجتماعي، يجب -و من الضروري- الاطلاع عليها لكل مهتم بالشأن اليمني، وتاريخه وتعقيداته، وشخصيته التي حارت وصدت عن قراءتها الألباب، وهي الشخصية العريقة ذات التراث الخصيب الثري، البالغ الثراء، والذي تمخض عن هذه الشخصية الأقوى تأثيرا في اليمن، وفي مساره التاريخي، تلك التي جعلت الكثير من الخصوم والطامعين، ينسحبون بهدوء ويذعنون لسلام الشجعان أو المهزومين.
إن تلك البلاد التي لم تعد سعيدة أبدا. رزحت لعقود طويلة من الزمن، منذ انتقالنا في المنطقة لمرحلة الدول الممثلة في الأمم المتحدة، في هامش قاسٍ وبعيد جدا، شيء أشبه بالعزلة الكاملة، التي لا يعرف معظمنا عن مجاهيلها قبل “الحوثيين” سوى بعض النكات العنصرية، والدونية، المجرمة بحق هذا المجتمع العربي الأصيل، والمحترم، في صورة بشعة من صور الاحتقار الممنهج إلى حد كبير.
إنني أقول بضرورة الاطلاع، والفهم، وإعادة استكشاف اليمن بعين حصيفة، ومستقصية، وعلمية، ليس من واقع أن مصير اليمن لا يتعلق باليمنيين فحسب، بل بالجزيرة العربية كلها وما حوت. فهذه نظرة رغم واقعيتها إلا أنها فاقعة الأنانية تجاه الإنسان اليمني، ذلك الذي يضرب به المثل في المروءة والشهامة والعفة وكل الصفات النبيلة والشريفة التي توارثها العرب أبا عن جد، منذ مئات السنين. ثم لارتباط النسيج الاجتماعي والثقافي بين السعودية وغيرها من دول الخليج، باليمن، لاعتباره قاعدة أصيلة لكل مجتمعات الجزيرة العربية.
ناهيك عن علاقات وطيدة وأزلية تربط قبائل مليونية عابرة للحدود السياسية بين البلدين، وهي علاقات تقوم على “أحلاف” شبه مقدسة، بل هي كذلك، ومثل هذه الحقائق التي يعلوها بعض الغبار، إلا أنه الواجب، والمنطقي، النظر إليها بجدية أكبر، وأخذها بعين الاعتبار والاهتمام البالغين.
لكني أقول هذا أيضا، بدافع أن اليمن ظل عقودا طويلة مواربا خلف الأسوار..لا نعرف منه سوى وجه علي عبدالله صالح. سرٌّ مُهمل، لا أحد ينجذب إليه، حتى كبر، و صار السرَّ عقدة ولغزا..وعقبة كأداء.
وأعاود القول، بضرورة التفات العقل إلى اليمن، لا البرمجة التي خضع إليها، لأن رؤية هذه البلاد معتمة، ومشوشة، وتسيطر عليها التوجيهات الطائفية من جهة، والإعلامية السياسية من جهة ثانية، في حالة أسفرت عن نظرة عامة قاصرة و عديمة الأفق تجاه اليمن، وحيال تحولاته الجارية في غليان مستمر منذ عقود، وليس منذ عامين أو حتى عشرة أعوام كما يخيل إلى الأغلبية الطاغية في المجتمع الخليجي، وأيضاً العربي، ولكن على نحو أخف وطأة منَّا في ممالكنا اللاهية، عالية الأسوار.
وفيما الطفل اليمني يكبر، وينشأ في المدرسة والبيت والمسجد والشارع، على أن حجر الزاوية في المملكة العربية السعودية، ممثلا في مناطق جيزان وعسير ونجران، ما هي إلا مناطق محتلة يجب استعادتها، كأولوية وطنية، يكبر أطفالنا في دول الخليج وفي السعودية، ومنها في هذه المناطق الثلاث المتاخمة لليمن، على أن مجد التاريخ مقسوم على فريقي الهلال والنصر، وأن الرموز في حياته لا تتجاوز “بنش” أو دكة احتياط يجلس عليها رئيس نادٍ فارغ، وتافه، أو مهاجم هداف ينتظرونه في المطارات لساعات طويلة بغرض التقاط سيلفي مع محبوب البشرية جمعاء، ورمزه الروحي، وأسطورته التي ينحبس خياله داخل حذائها .
وبينما الطفل اليمني يشكل أغلبية ساحقة في الكثير من جبهات الحرب التي مازالت مستعرة إلى هذه اللحظة، فتراه يحمل رشاشا روسيا بطول قامته، ويختبئ تحت صخرة كأنه ذئب صغير، ليتفوق على أبرع القناصين الكبار، حيث لا صغير في الحرب كما هو أصيل في العرف اليمني. تجد أطفالنا يعانون أمراض عصبية ونفسية وعضوية غريبة بسبب الشلل الروحي، نتيجة إدمان ألعاب الفديو، والوجبات السريعة، و مشروبات الطاقة تلك التي تعينهم وتساعدهم على فعل لا شيء في هذه الحياة..
أما الكبار..إنهم ينشرون صورهم في كل مكان على مواقع التواصل وهم في متاحف وقلاع وحول تماثيل ونصب في بلاد الترك، العثمانيين، وبعضهم يلبس أردية السلطان الذي أجلس أجدادهم على الخوازيق، والقاسم المشترك في جميع صورهم أنهم ينظرون إليك “بابتسامة حصان” – وهو تعبير لعبدالرحمن منيف -.
إنه واقع يستحق وقفة يا قوم. أليس غريبا أن يكون اليمن أبعد من مصر؟ وحلب؟ بل أبعد حتى من تركيا وهضبة الأناضول: بلاد الترك التي بات يعرفها البعض أكثر من بلاده ووطنه؟.
فكيف باليمن..؟
#اليمن طيبة الماء والهواء.. لكن أهلها في اضطراب دائم.. حاربنا الأتراك وحاربنا القبائل وحاربنا الإدريسي ونحارب دائما بعضنا لنكون مستقلين .. نحن أهل اليمن لا نخضع لأحد! دائما نحب الحرية ونحارب من أجلها. (من حديث مواطن يمني لأمين الريحاني في نيويوك 1921).
في “رياح الجنوب” – رياض الريس، وردَ أنه في السادس من حزيران/ يونيو 1994 وفي الجلسة الختامية لاجتماع مجلس التعاون الخليجي الذي عقد قرب الحدود اليمنية، أكدت كريستين شيلي مساعدة الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، على أن دور مجلس التعاون الخليجي ينبغي أن يكون إيجابياً، وأن مشاكل اليمن لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية.
وضمن حوارات الكتاب المهمة والممتعة لأهم قيادات اليمن، ومنهم عبدالله الأحمر وعلي عبدالله صالح، رئيس الجمهوية حينذاك ، استهل الرئيس حديثه بقوله : “عندما اجتمعت بالملك فهد للمرة الأولى بعد انتهاء حرب الانفصال وهدوء المناوشات الحدودية بين البلدين، قلت له: الفارق بيننا وبينكم، أنكم في السعودية تملكون وتحكمون، بينما نحن في اليمن لا نملك ولا نحكم. إنما نحن ندير. وأضاف : لطالما أكدنا للسعوديين بأن أي قطعة سلاح تدخل اليمن، من أي مصدر جاءت، تصبح سلاحاً يمنياً فنحن لا نستورد أفكاراً ومعتقدات من البلاد المنتجة أو المصدرة للسلاح.
ويشير الكاتب : هذا لم يمنع من أن يقول لي زميل يمني: “غيرنا يقرر مصيرنا. ومستقبل اليمن يُقرر خارج اليمن. أما نحن اليمنيين فمهمتنا أن نقف مع فريق ضد آخر”.
أما التحالف العربي الذي تقوده السعودية، فليس من اهدافه أن ينتصر لنفسه من أحد، لكي نسأل هل انتصر أم انهزم، ولذلك لا غالب ولا مغلوب في حالة تدخله التي ما تزال جارية إلى هذه اللحظة. فالجميع ما يزال خاسراً هناك…لكن السؤال الحقيقي هو ماذا فعلنا ونفعل في اليمن؟