ما بين لثم الضباب وصوت الوشيل، وما بين لهيب الشموس القريبة جداً وصرير الرياح العتية في ليالي الشتاء العسيري القارس، ما بين قطر الندى وبأس الصخور، ما بين قمة جبل وأخرى؛ تنهال المسافات الخطيرة، وتنمو حكاية إنسان مختلف ومغامر بطبعه، يصادق النجمات، ويعقد التحالفات مع الأساطير التي يحتاجها لينأى بنفسه عن الوقوع في الحيرة المفضية إلى العبث. لا وقت لدى الفلاح ليعبث، إنه منذور لابتكار جماليات البقاء، والعروج في آفاق الكون، والطبيعة البكر آخذة مخياله نحو التفنن في كل شيء ابتهاجاً بهبة الإله العظيمة الممثلة في معجزات أرضه الطيبة.
كل هذه المعطيات التي كونت شخصية المجتمع العسيري نراها جلية في انعكاسها على رؤى هذه الشخصية، وفي نتاجها الإبداعي بشتى ألوانه وفروعه، وفي هويتها الفنية، التي تبدو تارة متفردة في الجمال، وتارة متورطة به!
هنا بعض أوراق (حراس السنابل)، ولعلها ترسم شيئاً من ملامح ذاك السحر القديم الساكن في ذرات تلك البلاد الحبيبة (عسير). بندر خليل – المجلة العربية