تيري موجيه وتوثيق التراث العمراني العسيري

بندر خليل – المجلة العربية

يربط بين البروفيسور الفرنسي تيري موجيه Thierry Mauger، بمنطقة عسير، وجنوب المملكة، علاقة آسرة، وصلاة ملهمة، غيرت مجرى حياته، ووثقت مرحلة وجانباً بارزاً من التراث في عسير، تحديداً التراث العمراني والفني الذي تفرد به المجتمع العسيري ووجد فيه الباحث الفرنسي ضالته، تلك التي أخذته من تخصصه الفني في تشغيل الرادارات العسكرية، إلى إنثروبولوجي هائم في جماليات العمران في تلك الجبال، ومأخوذ بأسرارها التي لم تكتشف.


ظل موجيه يجول بكاميرته البلاد، ولكن حلّ في عسير، في بيوتها القديمة التي باتت اليوم خربة مهجورة، حيث وجد موجيه حينها، أن كل بيت في عسير هو متحف في حقيقته، لما يحتوي عليه من نقوش وألوان وتفنن بديع في أدق التفاصيل.
لقد وصل كثيرون إلى هذه المنطقة الصعبة، الوعرة، المجهولة، من الأجانب والباحثين، ومن تم استقطابهم للعمل في مجال صناعة النفط أو الصحة والتعليم، وحاولوا فعل شيء حيال توثيق ما كان واضحاً أنه معرض للاندثار في مواجهة موجة التحول الهائلة وغير الطبيعية.
لكن موجيه لم يكن كغيره من العاشقين أبداً، حيث امتازت تجربته بالثراء والحس المرهف، الذي جمع براعة الفنان وحصافة الباحث المخلص للمعرفة إخلاصاً للجمال وإيماناً به.
غير أن الميزة الأهم في رأيي، كانت في الفترة التي وثقها وجاء فيها موجيه، وهي الحقبة ما بين (1979-1991)، أو بمعنى آخر في الفترة ما بين محاولة احتلال الحرم المكي الشريف، واحتلال الكويت. الحدثان الأهم في هذا العقد المعقّد في تاريخنا، شيء من سنوات الضياع ، تحت سطوة تفكير متطرف، كانت ماكينته تعمل بطاقة كاملة ورهيبة على تدمير كل جميل في هذه الحياة، ومن ذلك: التصوير والفن والمرأة والحرية والموسيقى والجمال بكل صوره.
وفي أثناء ذلك كان موجيه، يتجول في البلاد، لينقذ ما هو سائر إلى الاندثار، ويحدّث الصورة النادرة والوحيدة التي قد أنجزها ويلفرد ثيسيجر Welfred Patrick Thesiger بعد مرور نحو نصف قرن تغير فيه كل شيء.
إنه رجل جدير بالوفاء، فقد ظل وفياً لبلادنا سنين امتدت لعقود من حياته، كرّسها لتوثيق التراث، وخصوصاً التراث في جنوب غربي المملكة، مركزاً جهده العلمي على التراث العمراني في عسير، حتى كان السبب في إظهار بعض الفنون التي اختص بها المكان إلى العالم بأسره، مثل فن تزيين البيوت، وتلوينها – القط العسيري، حيث أيقظ الباحث الفنان، أو على الأقل ساهم في إيقاظ حس الذين التقاهم خلال زياراته وجولاته، وحس المشتغلين في صناعة التراث من الحرفيين، نحو ما يملكونه من كنوز ليس لها مثيل في العالم كله.
رحل موجيه العام المنصرم، شهر يوليو، تاركاً لنا نحو 20 ألف صورة لمنطقة عسير ولأهاليها، وأبحاثاً كثيرة ودراسات، ومؤلفاته التي من أبرزها: عسير التي لم تكتشف، حديقة الرسامين، وغيرها.