بندر خليل
من المدرسة ذاتها التي درس فيها اثنان من فريق منفذي ضربة الحادي عشر من سبتمبر، درس وتخرج الفنان السعودي عبدالناصر غارم، حاملاً ذات الحمولة المعرفية وتحديداً الدينية التي كان يحملها الشقيقان المنتحران في تلك الضربة التي غيرت مسار التاريخ بحسب كثير من المفكرين والباحثين في شأن تحولات تاريخ عالمنا شديد التسارع.
ينطلق غارم من مفاهيم تراثية، بل ينطلق تجاهها وبالأحرى هو يهجم على تلك المفاهيم هجوماً مركّزاً وعميقاً.
عبدالناصر غارم بدأ تكوين تجربته الفنية على شيء من ورطة أو عقدة المقدَّس، وأعني المقدس في الإسلام تحديداً، وفي الأديان عموماً، وفي الأذهان أكثر عمومية.
تجسد ذلك القلق عند غارم في أعمال بدايات الاحتراف والتفرغ للفن أبرزها «الأخدود» و«الصراط» و«الختم»، ثم خرج عن هذا السياق في أعمال «تحويلة» و«لا دموع بعد اليوم» وما لبث حتى عاد إلى المقدس وصوره ومفاهيمه عودة قوية، من خلال عمله الأشهر «رسالة رسول» في حالة تشير إلى أحد أمرين، إما أن غارم قد استهوته المساحات الخطيرة، أو لعل ذلك ناجم عن استجابة لرغبة السوق العالمي للفن التشكيلي أو ما صار يعرف انطلاقاً بالفن المعاصر.
فمراكز هذه الفنون في العالم، أو من يتحكمون في بورصتها العالمية، أكثر ما يلفت انتباههم «تسويقياً»، في نتاج منطقتنا هذه الأعمال التي تشتغل بشكل مركز على التراث الديني، واللعب في المساحات الخطيرة في قداستها وقيمتها الدينية، وهي المواضيع التي تجذب الآخرين إلى عالمنا المليء بالألغاز الثقافية والدينية تحديداً بالنسبة إليهم.
لقد تفوق عبدالناصر على رفاقه في ابتكاره طريقة خاصة تميزه حتى إن تشابهت الموضوعات التي يطرقها أو تقاطعت مع فنانين آخرين بعضهم متأثر بالفنان غارم، حتى وإن حدث ذلك يظل عبدالناصر غارم صاحب بصمة فنية لا يمكن تقليدها.
إن الهاجس الديني المتمثل في التراث الإسلامي خيم لفترة على شريحة عريضة من فناني منطقة عسير المعاصرين، والمنشغلين بأعمال تناقش المفاهيم البشرية، المنعكسة على سلوكهم واليوميات، كما هو غالب على أعمال فن العالم الحديث.
لكن انشغالهم المركز بالمفاهيم الدينية دون سواها لفترة طويلة من عمر تجاربهم، لهو أمر يستحق الدراسة والبحث من قبل المختصين. فانظر أعمال: أحمد ماطر، حيث تحضر الكعبة مرتين في مشروعين مستقلين وبينهما نحو عشر سنوات، انظر «إكس ري» و«المغناطيس» لأحمد ماطر، وانظر كذلك إلى عمل «القفل» لإبراهيم أبو مسمار، فضلاً عن عبدالناصر غارم وأخيه عجلان الذي عندما رأيت عمله «المسجد» قلت قبل أن أعرف اسم صاحب العمل: هذا لعبدالناصر، لكني اكتشفت أنه لأخيه عجلان، الذي بدأ مشواره الفني منذ وقت قريب، في حالة تعرف في النقد الفني بـ «قلق التأثر».
تجول بنظرك في تلك الأعمال، لترى بوضوح فاقع، كيف أن التراث الديني ومفهوم «المقدس» كان قاسماً مشتركاً في معظم أعمالهم وأشهرها في الوسط الفني التشكيلي.
أعود إلى القول إنها ظاهرة تستحق الدراسة وهي على كل حال ليست بالضرورة عاملاً سلبياً فنياً في تجارب الفنانين الذين ذكرتهم أو غيرهم، بل مجرد ظاهرة فنية – كما قلت – تستحق الدراسة.
عن نفسي، ما أراه حقيقياً في عالم الفنون البصرية – الذي بات بلا حدود – تؤطره اليوم، هو فقط ما كان غير مؤسس على أن يكون استجابة لمتطلبات سوق الفن العالمي، أو بشكل آخر: ما ليس فكرة تجارية واستثمارية، صحيح أن الفن بات اقتصاداً قائماً بذاته تدور فيه مليارات الدولارات، غير أن ذلك لا يعني أن احتراف هذا الفن يجيز تحول الفنان إلى تاجر «بزنس مان» أو مسوق تجاري حصيف يعرف ويعمل على حسابات العرض والطلب هنا أو هناك، فتلك أعمال تتناقض مع عمله كفنان، ومن جهة ثانية تتناقض مع الفن نفسه كقيمة إنسانية سامية.
