قرية رجال.. ضرورة نزع الملكية

​​

في التسعينيات الميلادية ، ومع هجرة الأهالي للمدن بحثا عن الفرص والحياة المدنية، تعرضت قرية رجال التراثية برجال المع في منطقة عسير لإهمال محزن، وبدأت بعض بيوتها وممراتها في الانهيار والتهدم وتعرضت أجزاء منها لتجريف الأمطار والسيول.

​​كان العم طرشي “يقاتل وحده تقريبا” في معركة الوجود تلك، فقد رأيته بعيني مرارا اولها قبل نحو عقدين وهو يرمم اجزاء تهدمت في ​​قريته الجميلة.

بدأ الاهتمام المؤسساتي (البسيط) بقرية رجال ١٤٢٠ه حين تم تأسيس صندوق عام يشارك فيه أبناء القرية (نحو ١٠٠٠ شخص) بواقع ١٠٠ ریال سنوياً ، أي ما مجموعه مئة ألف ريال سنويا.

عام ١٤٢١ اجتمع أهالي (قرية رُجال) بناءً على خطاب من سمو أمير منطقة عسير (خالد الفيصل) لمحافظة رجال ألمع، وأسفر الاجتماع عن تشكيل لجنة تطوير قرية رُجال التراثية.

على ضوء ذلك، تأسست شركة (رُجال للتجارة والخدمات العقارية المحدودة) عام ١٤٢٣هـ يملكها أهل القرية بالمساهمة وذلك بهدف صيانتها واستثمارها وتفعيلها ثقافيا وسياحيا. ولكي تمكنهم هذه الشركة من الحصول على قروض حكومية وتسهيلات تختصر الوقت.

في مارس 2010 تم توقيع اتفاقية تمويل البنك السعودي للتسليف والادخار لشركة رجال للتجارة والخدمات العقارية المحدودة لتطوير قرية رجال المع التراثية بمبلغ 7 ملايين ريال .

ومثل بنك التسليف في توقيع الاتفاقية مدير عام بنك التسليف المساعد للشؤون الإدارية والمالية ظافر بن محمد القرني فيما مثل شركة رجال في التوقيع رئيس مجلس إدارتها هادي بن مريع إبراهيم .

في مارس 2011 ضمن برنامج “ثمين” الذي أطلقته هيئة السياحة بالشراكة مع إمارات المناطق وعدة جهات خدمية، تم توقيع عقود تقدر ب50 مليون ريال بدء الأعمال التنفيذية لمشروع تأهيل البلدة التراثية برجال ألمع شاملة (إنشاء فندق تراثي بتوظيف مجموعة من مباني القرية و فرشها و تزويدها بأرقى التجهيزات الفندقية، إضافة إلى تأهيل مجموعة قصور القرية) .وما حصل -بحسب الأخبار الرسمية- هو كالتالي:

  1. وكيل إمارة منطقة عسير (سابقا) المهندس عبد الكريم الحنيني يوقع عقد الإشراف الهندسي مع مدير (دار صالح  للاستشارات الهندسية) المهندس صالح قدح .
  2. رئيس شركة رجال هادي آل شريم يوقع عقد إنشاء الفندق وتأهيل القرية مع مدير (دار صالح  للاستشارات الهندسية) المهندس صالح قدح.
  3. رئيس شركة رجال هادي آل شريم يوقع عقد إدارة النزل الفندقية وتشغيلها مع مدير (الشركة الوطنية للسياحة والتشغيل) ـ أيضا المهندس صالح قدح ، نفسه .

في يونيو 2016، يقول الخبر: أطلقت هيئة السياحة والآثار مشروع «إعمار الديار» بتكلفة 80 مليون ريال. ويتضمن إعادة ترميم وتأهيل وتشغيل تسع قرى، هي: رجال ألمع، وطن امسودة، تراثية محايل، غية المجاردة، تراثية أبها، قرية وادي الفية شمال عسير، آل عامر في الواديين وميادي ببحر أبو سكينة. وقالت: سينفذ المشروع على مدى خمسة أعوام بالتعاون مع أمانة منطقة عسير والهيئة العامة للسياحة والمجتمع المحلي ومشغل المشروع. وأن أمانة المنطقة بدورها أنهت دراسة إعادة تأهيل وترميم 62 قرية تراثية.

وبالنسبة لقرية رجال فيتكون المشروع من الآتي: مشاريع البلدية (المسرح، صالة كبار الزوار، رصف وإنارة الممرات، تأهيل وادي الخليس) جميعها بتكلفة تجاوزت 15 مليوناً.

أما المشاريع الأخرى فتوزعت كالتالي: هيئة السياحة والتراث العمراني (مركز الزوار بتكلفة 6 ملايين)، الكهرباء (تحويل الشبكات من هوائية إلى أرضية)، الشؤون الإسلامية (إعادة بناء مسجد القرية على الطراز العمراني للقرية)، الطرق (إعادة تأهيل الطريق الرئيسي للقرية وعمل المصدات اللازمة للسيول)، شركة رجال (إعادة ترميم وتأهيل القصور التراثية بما فيها متحف رجال + إنشاء النزل الفندقي).

بمعنى أن نصيب قرية رجال من ال80 مليون هو 21 مليون ريال .

إذن ، فقد تلقت هذه القرية التراثية ممثلة في شركة رجال للتجارة والخدمات العقارية المحدودة دعما وتمويلا حكوميا يقدر بنحو 78 مليون ريال .

أين ذهبت ؟

سؤال كبير وجدير بالطرح، خاصة وأن مجموعة من المناهضين لتنظيم القرية التراثية من قبل الجهات المسؤولة، يتحدثون عنها كمنجز تم بأموالهم .

وهذا يجعل طرح السؤال “أين ذهبت الملايين ال78” أكثر إلحاحا..

لا شك أن النشاط الثقافي الذي تم في هذه القرية من خلال مجلس ألمع الثقافي كان فاعلا وممتازا ، ويشار إليه بالبنان ..

ولا شك أيضا أن القرية نهضت وأصبحت نقطة جذب سياحي وثقافي مميزة في المنطقة والمملكة بالعموم. ولكن هذا لا يعني أن تكون هذه القرية التراثية رهينة الارتجال والفوضى.

وكذلك لابد من الإشارة إلى أهمية تعاون الأهالي ، الذين يعانون مشكلة كبيرة في مفهوم التراث الوطني، فهم يريدون الاهتمام بالقرية وتشغيلها وفي الوقت ذاته لا يتنازلون عن كون هذه القرية يملكها أشخاص ، وهنا يقع الخلل ، حيث لا تملك البلدية منح تصاريح لتشغيل القرية وهي أملاك عامة للأهالي، والدولة ممثلة بأجهزتها المعنية بالسياحة والتراث والثقافة ، فشلت تماما خلال عقدين من الزمن في تنفيذ ما وعدت به ، واكتفت بمقاسمة “شركة رجال” الميزانية والمخصصات التي مولتها الحكومة من خلال عدة برامج، ثم اختفت عن المشهد .

الاقتراح الممكن الان هو أن تكون القرية تحت جناح الصندوق السيادي للدولة، وأن تملك الدولة حق تشغيلها واستثمارها مع ضمان حفظ الحق المعنوي لأهالي القرية مع وجود عوائد مادية لهم .

إن المثقفين في رجال المع اكتفوا باكتساب هذه القرية كواجهة ثقافية لهم ، غير أنهم أهملوا جوانب كثيرة شديدة الأهمية بخصوص هذه القرية ، منها تدوين وتوثيق تاريخ بنائها ، ومن قاموا ببنائها، وهندستها بهذا الشكل البديع ، والظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي ساهمت في نشوء هذه القرية ، التي تعد مجهولة علميا إلى هذه اللحظة .

كما إن المطالبين بإحياء قرية رُجال التراثية ، تدفعهم العقلية القبائلية وحمياها لتلك المطالبات ، رغم أنها عقلية تتضاد مع الدور الحضاري المرجو من هذه القرية ، وهذه الازدواجية هي أكبر عقبة تواجهها السياحة التراثية والثقافية في بلادنا .