أحياه السلام وأماتته الحرب

التقطتُ هذه الصورة في اغسطس ٢٠٠٩ من سوق الخوبة بجيزان على الحدود مع اليمن، وهو سوق شعبي وتاريخي ومعروف يقام كل يوم خميس، ويعتبر حلقة وصل عريقة جدا بين أهل شمال وتهامة اليمن مع اهل جيزان والسراة، وهناك يبيعون كل العطور والملابس والبن والزبيب والبهارات والطيور والدواجن عموما بل وجدت شخصا يبيع عقارب وثعابين ! انه معرض فكرته تكمن في مدى احتفاظه باسراره وغموضه. معرض حر، وبعيد، ومحايد، تجد فيه دائما كل السلع غير المتوقعة.
رأيت الذين يعرضون بضائعهم مثل المتسوقين ، لا تستطيع تحديد جنسيتهم سعودية ام يمنية، فالقوم في تلك المناطق السعودية اليمنية على صبغة واحدة تقريبا تميزها البساطة واللامبالاة بشيء، وكأنهم يمتثلون للشريط الحدودي بين البلدين/الشعبين، الذي يمتاز – كما في كل مناطق العالم تقريبا – بانكسار التباين بين الناس وحياتهم اليومية وكل الأشياء. وما أجمل تلك المساحات النادرة في عالمنا والتي تمتاز بهوية ثرة ، مجنونة، لا يمكن تحديدها..
ولكن قبل الذهاب الى سوق قال احد الاصدقاء يجب ان نغير هذه الملابس لتخفيف حدة ظهورنا كغرباء، فالقادم عليه اثار التمدن والتحضر يعتبر صيدا سهلا في. مثل هذا النوع من الاسواق وتوقفنا في الطريق واشترينا الوزرة وتأزرناها.
وصلنا، ونزلنا نجوب السوق ونتفرج في البضائع والوجوه، وذهب كل واحد منا في درب مختلف، مستمتعين برحلة تسوق مختلفة، اشبه بالانتقال الى حياة قديمة منطلقة، كنا ظنناها قد بادت ، وانتهت في عالمنا الراهن حتى وصلت الخوبة..
ثم بعد اسابيع وأيام قليلة، عقب زيارتنا تلك، اندلعت حرب الخوبة- جبل دخان، وأخليت على اثرها مئات القرى، في مأساة نزوح غير مسبوقة في تاريخ المنطقة ومجتمعاتها، وعلى إثر ذلك توقف سوق الخوبة بطبيعة الحال، وماتت رائحة الحياة والنَّاس، والسلع المدهشة، فيما انتشرت بدلا منهارائحة الثأر والكراهية والخيانات والدمار . لم يعد هنالك من جلبة للأسواق الشعبية من نوع سوق الخوبة تحديدا، صمتت المحبة وثارت المدافع ، وساد تبادل الجثث والاسرى من خلف لمفاجآت سوق الخوبة الذي ذهبت ايامه..
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.