انطلقت أعمال ترميم البلدة القديمة في العلا منذ ثلاثة أعوام ، ومازالت قائمة إلى هذه اللحظة، واستطاعت التعامل ببراعة مع أطلال تلك القرية وممراتها المسقوفة، كما أنجزت معظم أعمالها في وقت وجيز.
يبدأ دخول البلدة القديمة عبر ممر مكشوف ، تصطف على جانبيه دكاكين ومطاعم ومقاه ، تحمل طابع العلا المعماري وعناصره الأساسية التي تحفظ هويتها الثقافية المتطورة على مر العصور والحضارات والمجتمعات والأزمنة.
“أين كنت عن هذا كله”، هذا ما رددته في نفسي، طوال تجوالي بالبلدة القديمة بعد ان أصبحت تشع عراقة وجمالا.
في قلب البلدة القديمة ثمة “طنطورة” التي تشير إلى حالة التطور المدهشة، لتقاليد الري عند أهل العلا ، ومجتمعها الرزاعي، الناتجة عن ارتباط الإنسان الوثيق والأزلي بعلوم الفلك والمناخ الذي انعكس على تراث العلا وقصة مجتمعها المتفنن في كل أساليب الحياة..
بعد شرح مفصل لآلية عمل “طنطورة” يقدمه أحد أبناء العلا الشباب، المستفيدين من برامج الشراكة المجتمعية التي تقدمها الهيئة الملكية لمحافظة العلا، ننتقل بشغف كبير صوب قلعة العلا، التي هي في الأصل جبل ذو طبيعة وتكوين مميز بفعل عوامل التعرية، تم تحويله إلى قلعة تؤمّن بلدة العلا وأهلها وتجارتها ، وأيضا طريق القوافل العابر من عندها..
في قلعة العلا الأثرية، وجدت كل حجر ينطق بتاريخه الخاص ، وكلما صعدَت بك سلالمها العجيبة ، فاض بك الانبهار وأسكتك ، فلا تسمع إلا نبض آلاف السنين التي انطوت لتمنحنا هذه التركة الحضارية الثمينة، بكل ما تحمله من قيمة وعراقة، وفرص ومسؤوليات جسام.
تصعد بك سلالم تلتف بالجبل، نحو قمة القلعة البالغة مساحتها 180 م2 ، وبسلاسة لافتة تحملك إلى ارتفاع 45 متراً دون أن تشعر بالتعب أبداً، فما يجعلك تعيش تجربة مع واحدة مستحيلات الأرض، تلك الهندسة الباهرة التي شيدت وخططت قلعة العلا، لتكون برج مراقبة ، ورماة ، وحراسة دائمة لبلدة العلا القديمة وسوقها، وعمقها الاجتماعي والاقتصادي، الذي يقع تحت حماية مباشرة من هذه القلعة العظيمة.
إنها تؤدي دور الجهة “الأمنية” والدفاعية للعلا بالمعايير القديمة. وهي موقع استطلاع يكشف طريق القوافل القديم ، ويؤمّنه . ويفرض عليه سيطرة كاملة .
تم توزيع شرفات طوال طريق الصعود للقلعة، تبلغ مساحتها نحو 8 م2 تقريباً، يمكن الدخول إليها بسهولة عبر مدخلين للنازل والصاعد ، بحيث يهيأ لك حين تخرج منها أن السلم باتجاه النزول فقط ، بينما لو خرجت منها باتجاه الصعود فسترى أن السلم مخصص للصعود فقط، حتما هذا ما يجربه كل من صعد قلعة العلا، فقد اتفق جميع من كانوا في الرحلة على هذه السمة العجيبة لهندسة القلعة وسلالمها .
يعود تاريخ قلعة العلا إلى القرن السادس قبل الميلاد ، وقد شيدت بأحجار مطابقة لخامة الصخرة الحمراء الضخمة التي تتكئ عليها القلعة ، ولعلها مجترحة منه ، ويقال إن القائد العربي الشهير موسى بن نصير أقام فيها، لذلك سميت باسمه.
اللون القرمزي يمزج القلعة بالجبل تحت شعاع الشمس الصافية، ويشكل حالة فنية بديعة جداً وآسرة للألباب، لا تملك أمامها إلا الحسرة على زمن مضى دون أن يأخذك الفضول نحو #العلا وأسرارها وعجائبها التي لا يوجد مثيلها على وجه الأرض بل لا يوجد مثلها حتى في الخيال.






























يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.