صناعة الدراما #السعودية (من خارجها)

لابد أن نتفق، أن الأعمال التي تتم صناعتها وتصويرها خارج السعودية، ويشرف عليها عرب بالتعاون مع سماسرة سعوديين يقيمون بشكل دائم خارج السعودية، لا يمكن تسميتها بأعمال سعودية، أو أعمال محلية، فهي تنظر للمجتمع السعودي من خارجه، وتتصنع من الألف إلى الياء خارج السعودية، وتجري في مساق غير مساق السعودية، والسعوديين، وتقدم دراما مفرغة من جوهرها وروحها.

فمنذ خرجت صناعة الدراما من البلاد -بمبررات لم تعد مستساغة!- فهي بذلك قد فقدت أثمن ما في الأعمال الفنية وهو روحها.

إنها أعمال فاقدة للروح السعودية، فاقدة لطابعها المحلي، ولذلك، فهي تنظر إلى السعوديين بعين وثقافة غير سعودية، الأمر الذي نتج عنه (بحسن أو سوء نية) : أعمال تركز على تقديم السعودي المتخلف، الكذاب، الإرهابي، زير النساء، الموظف الفاسد، الشاب الفاشل البنت التافهة.

ما هي الروح التي أتحدث عنها في هذا السياق؟ والتي تفقدها أعمال تقدم من سنوات طويلة على أنها سعودية محلية، وهي غير ذلك تماماً؟ إنها السحر الذي يميز كل عمل درامي عن غيره.

سحر المشهد الحقيقي ، الذي أنت على يقين تام حين تراه في الشاشة، أنه موجود في الواقع ، ويمكنك الذهاب إليه في أي وقت. وليس مجرد خداع رقمي !.

إن ظاهرة هذه الأعمال الانتهازية، تعود في جانب كبير منها إلى ما تحققه من مكاسب مادية عالية جدا ودعما كبيرا، فقط لأنها تُقدم باسم المجتمع السعودي، وحكايات السعوديين، وسردية حياتهم الاجتماعية، والثقافية، وتفاصيل نمو هذا المجتمع وتحولاته ، فكريا، وتديّنيّاً ، يحدث ذلك ، رغم أنها تمثل وجهة نظر غير سعودية، وتتم صناعتها خارج السعودية، من طواقم غير سعودية بكاملها ما عدا ثلة من كوادر تمثيل وإدارة إنتاج يتم وضعهم في واجهات الأعمال بغرض تسويقها في السعودية وعلى السعوديين.

إن أهم الأسماء في صناعة هذه الأعمال غير السعودية في جوهرها، يقيمون بشكل دائم خارج البلاد، في إحدى دول الخليج، و بشكل دائم. يعملون من هناك منذ سنوات، مع مخرجين عرب من سوريا والعراق يقيمان في الدولة نفسها، يشتغلون مع جماعتنا بالمقاولة. بينما مكان الإنتاج مازال منذ سنوات، خارج السعودية، بل وفي أفقر المدن بصرياً في الشرق الأوسط أو ربما العالم.  

يصعب أو يستحيل تماما على هذه التركيبة أن تصنع عملا محلياً سعودياً ، فهي بساطة غير مرتبطة بالمجتمع السعودي ، إلا بما يصل إليها من السعوديين على مواقع التواصل الاجتماعي ، وهذا هو السبب الحقيقي وراء تأثر هذه الأعمال لدرجة الاستنساخ والتكرار بما يحدث بين السعوديين في مواقع التواصل، ومن يذيع صيت نزوة من نزواته فيها، وكثيرا ما نرى أعمالهم خاصة الكوميدية تتكئ في بنائها على الحالات والمقاطع التي ظهرت من حياتنا لأولئك الأشقاء صناع الدراما السعودية المقيمين في أبوظبي، من خلال زياراتهم اليومية للترند السعودي.  

لكن ما يحدث في داخل المجتمع السعودي، ليس تقليعات مشاهير السوشل ميديا ، بكل تأكيد . وما يُضحك السعوديين باعتبار ان الكوميديا إضحاك فحسب، ليس تكرار تصوير تلك المقاطع عن طريق الممثلين وصناع الدراما .

وعندما أتحدث عن التركيز على الشخصية السعودية السلبية ، من قبل تلك الأعمال المصنعة في الخارج، وعلى أيدي أشخاص غير سعوديين وبعضهم لم يزر السعودية في حياته. فإنني أعني ما أقول.

نعم ليس المطلوب من الدراما تقديم النماذج الإيجابية من أفراد المجتمع، هذا أمر بدهي يعرفه الجميع. لكن. في المقابل ليس المطلوب منها تقديم النماذج الغبية والسلبية وغير الملهمة، فقط .

لإيضاح الفكرة، واختصار الكلام، يمكن استعمال مسلسل رشاش، كمثال جيد يساعدني على ذلك.

مسلسل رشاش، عمل محلي، يتمتع بالروح السعودية الكاملة، المتوهجة، التي أزعم أنها مفقودة في أعمال تسمى سعودية بينما تتم صناعتها في أستوديوهات في خارج البلاد.

هو عمل محلي أكثر من “العاصوف” واستديو 22 وسكة سفر وغيرها من الأعمال التي تنتجها وتعرضها الmbc  خلال موسم رمضان  منذ سنوات كثيرة..

 ومسلسل رشاش محلي سعودي أكثر من تلك الأعمال، رغم أنه لمخرج “بريطاني”، لكنه من نوعية تختلف عن مخرجي الإقامات الدائمة في دول الخليج ، الذي يملؤون جيوبهم فقط من قوة الشراء السعودية دون أن يفكروا يوماً في تصوير عملي سعودي داخل السعودية.

إن هذا المسلسل سعودي بعكس الأعمال السالفة ، فقد تم تصويره في السعودية، بلادنا التي نعرف، وتم تصوير مشاهده الخارجية ما بين الجبال الشاهقة والأودية السحيقة في عسير، والمدن والضواحي والهجر السعودية، ولكن أجمل تلك المشاهد على الإطلاق ، كانت في صحراء الربع الخالي بكثبانها الرملية الآسرة، وتشكيلاتها التي تأتي على شكل عروق وأمواج من الرمال!.

لم يكن هناك مشكلة مع الظروف الصعبة وعدم وجود فنادق خمس نجوم في الصحراء ، لإنتاج مسلسل له بلد منشأ ولقصته مجتمع تنتمي له.

لأن صناع هذا العمل على وعي كامل بأهمية ومعنى أن يكون لمنجزهم الإبداعي “بلد” ينتمي لها، ومجتمع ينتسب إليه، ويشبهه، ويعيش في نفس المدن والشوارع التي يعرفها.

ونلاحظ أيضا أن مسلسل رشاش سعودي، أكثر من أعمال خلف الحربي وناصر القصبي، رغم أن كاتبة من البحرين تولت أمر كتابته، وظهر بالحال التي ظهر عليها . فعلى أقل تقدير مسلسل رشاش، يتحرك في مساحة خارج عن اطار الانماط المحدودة للشخصية السعودية التي تظهر دائما وبشكل ملازم في أعمال صناع الدراما السعودية المصنوعة في خارجها، لأن مسلسل رشاش يظهرها عنيدة قوية ، وذكية ، وفي غاية الجرأة والتحدي وإن كانت إجرامية في جانب، لكن يقابلها حضور شخصية من الأمن ، بنفس الصفات ، ولكنها ضد الإجرام والعدوان.

هذا ما يحدث عندما تكون الصناعة خارج الأفكار النمطية للشخصية السعودية .

وهو واحد من الفوارق الجوهرية بين العمل المحلي الحقيقي والمزيف. العمل المحلي الحي الذي يتمتع بالروح وتدب في جسده الحياة ، والعمل المحلي المولود ميتاً .

إن العمل المصنوع خارج مكانه حكايته الأصلي، وفي مواقع مصطنعة من الخشب والالمنيوم ليبدو أن تصويره في مدينة أو بلد آخر، حتماً سوف يولد ميتا .

مسلسل مثل العاصوف مثلاً ، حيث لا توجد عناصر صادقة أبداً، نشاهد اليوم الجزء الموسم الثالث منه، وهو عاجز عن مواربة الفقر البصريّ الذي يعانيه العمل، حيث تنحسر الرؤية في مشاهده الداخلية، والخارجية التي لاتزيد في مجملها على أصابع اليدين.

 فضلا عن معضلته الكامنة في عدم توفر العناصر الصادقة في عرض العوامل الحقيقية المؤثرة في سردية الحقبة التاريخية التي يزعم العمل تجسيدها.

وهي معضلة نتجت عن جذر المشكلة وهو الانتاج الخارجي للأعمال المحلية الخالصة، والنظر إلى المجتمع السعودي، بعيون من يراها من الخارج، وبعقول من لديهم أسباب ليختاروا الإقامة خارج السعودية، على العيش داخلها وبين أهلها.

هناك انعكاس للمسألة على الأعمال، لابد منه.

من يقيم خارج السعودية، حتى السعوديين منهم، سيكون لديه موقفا سطحيا صامدا ومبدئياً، في كل المسائل التي تخص حقيقة المجتمع السعودي داخل السعودية.

عند الرغبة في تصوير الشخصية المتشددة، سوف نرى أشخاصا غير حقيقيين. يلبسون ملابس أفغانية في قلب الرياض. وآخرون من جنسيات مختلفة جاءوا في السبعينات لا يُعرف كيف، لكي يأسسوا قاعدة للفكر الجهادي في أوساط السعوديين.

هل هذا صحيح؟ هل هذا حقا هو ما حصل؟ .

أما حين يتعلق المشهد الدرامي المصنوع في الخارج، بحكاية الحداثة في السعودية أو الليبراليين السعوديين، فإن أول ما يتصدر مشهدية العقل النمطي الذي يتمتعون به على نفس القدر الذي يتمتع به المتشددون، التالي: شخص داشر وسكران ويهذي بكلام وأفكار تافهة ولغة مفككة ، مجرد ثلة معزولة ومنحطة، تسكر وتهذي ، وما ان يطلع النهار إلا ويسحقها المتطرفون الإرهابيون المنافقون الذين جميعهم يسرقون التبرعات والصدقات. ويتلقون التطرف من أطراف دخيلة و وافدة. وويتلقون التطرف بوضع استثنائي من السذاجة وانعدام المنطق.

هل هذا صحيح ؟

هل كان الشعراء والأدباء الذين تعرضوا لحرب التشدد في السعودية

على هذا القدر من التفاهة والسخف وضيق الأفق ، والزيف؟؟

هل كان الصراع بين عناصر مزيفة في كلا الطرفين ؟

ألم يكن ثمة من عناصر حقيقية صادقة في المشهد ؟.

هل هذا حقا هو ما حصل؟ .

لعل هذه الحال التي تعيشها “صناعة الدراما السعودية من خارجها”، ومن غير أهلها، وفي مواقع خارج البلاد، ومواقع مصطنعة في الخلاء، أو داخل أستوديوهات مغلقة، في مدينة خليجية، تأتي في سياق الإفراط الحاصل في التعامل مع السعوديين من واقع انهم حالة استهلاكية كُبرى في هذا العالم، تبتلع ما تلقفه، دون تمييز، لايفرق عندهم من أين يأتي المنتج وما هي مكوناته، بقدر ما يعنيهم الاستهلاك ذاته، بالدرجة النهائية.

ولا نستغرب أن القائمين على “العاصوف” يكذبون ويكتبون في معلومات مسلسل العاصوف أن موقعه “الرياض”، وفي النفس الصفحة نقرأ أن المنتج شركة O3 للإنتاج والتوزيع الدرامي والسينمائي، بالتعاون مع twofour54 أبوظبي وفي أبوظبي.

ليس مبررا أن مسلسل العاصوف يجسد فترة السبعينات ، لأن تتم صناعته خارج البلاد. فهناك أعمال كثيرة غيرها لست بصدد إحصائها ، قُدمت لنا كأعمال سعودية، وتتم صناعتها خارج السعودية ، في أستوديوهات وبنايات وشقق غريبة ، ومواقع غير مألوفة لذاكرتنا البصرية ، رغم انها اعمال تحاكي اللحظة الراهنة وغير مرتبطة بتاريخ معين له شروط محددة.

ولعل أقرب محافظة من الرياض ، لديها كل ما يحتاجه تصوير مسلسل مثل العاصوف أو غيره ، كما حصل مع أعمال ناقشت نفس الحقبة أو قبلها، وتم تصويرها في الخرج و وادي الدواسر والقصيم وكانت مواقع التصوير غنية وثرية جدا بعكس ما هو حاصل في أعمال أستوديوهات أبوظبي. التي تتميز بفقرها البصري الشديد ، وندرة مساحات الإبداع أمام المخرجين.

لا أبالغ أن قلت، يمكننا ومن خلال المعيار الفني البحت ، ان نضع مسلسلا محليا مثل شباب البومب في درجة أعلى من “العاصوف” رغم فوارق الخبرات والإمكانيات.

فالمسلسل الأول يقدمه شباب سعوديين من قلب الرياض ، وفيه خلاصة تجربتهم الفنية التي رغم تواضعها الفني الشديد إلا أنها جديرة بكامل الاحترام ، نظرا لأن عملهم ينمو معهم، وتنمو مشاهداته وجماهيره، من وسط بيئتنا السعودية ومن خلال عناصر صادقة جدا، و وجوه وأماكن نعرفها ونعيش فيها .

بينما “العاصوف” هو عكس ذلك تماما ، في حين أنه يُعامل كأحسن الموجود في الأعمال المحلية ، وينفق عليه الميزانية الأعلى بين كل الأعمال المماثلة والمشابهة في المنطقة العربية كلها . وربما العالم!.

إن استطاع أي فريق أو تحالفات تجارية، أن تنتج أعمالا باسم السعوديين والمجتمع السعودي، وهي ليست كذلك على الإطلاق، فإن من غير الممكن إنتاج الروح المفقودة في تلك الأعمال التي تسمى محلية، و تتم صناعتها في الخارج، وعلى أيدي غرباء لا يعرفونا ولا نعرفهم .

صناعة الدراما من أهم وأخطر الصناعات في العالم، فهي تخاطب الأذهان وتصنع التصورات والأفكار ، وتنشأ على مبادئها العقول، وهي بالنسبة لأي أمة ، فتعيش فوق هذه الأرض، أهم صنعة ثقافية اليوم .

لتتخيل فقط أي عمل أجنبي ، أو مسلسلة أمريكية ، أو أيا كانت، كيف سيكون حالها لو صورت في بلد آخر غير بلدها الذي صورت فيه ؟ كم سينقص من تلك الأعمال ؟ وكيف ستظهر نتائجها النهائية يا ترى؟

فكيف إن كان الحديث عن أعمال تزعم تجسيدها لتاريخ مجتمع بعينه ،  وسردياته التي في غاية الخصوصية والدقة ، والإمعان في التعقيد ، مثال “العاصوف”.

ثم إنها الحياة ، ونواميس الكون، لابد أنك بقدر ما أخذت، أن تعطِ ، وأنتم أيها المقيمون في الخارج من أبناء بلدنا الكرام، تسيئون في التعامل معنا . وفي النظر الى علاقتنا المفترضة بالفن، والدراما على وجه التحديد، وذلك من خلال عملكم ومقاولاتكم مع هذه الشركات التي بطبيعتها هي في غاية الجشع في علاقتها معنا، كسعوديين، فنحن من نعطيهم القيمة السوقية لأعمالهم، من واقع القوة الشرائية والتأثير والكثافة السكانية، وحسابات المعلنين.

أخيرا، أليس من الجور ، المبالغ فيه، ضدنا، كسعوديين، بعد ذلك كله، أن لا يعود علينا ولا على بلادنا والحركة الفنية والثقافية والإعلامية والسياحية، من هذه الأعمال سوى أنها اختزلت الشخصية السعودية في أنماط محدودة، كلها سيئة وفاشلة حتى في الشر!. وكلها بالمجمل المطلق متخلفة ورجعية!، وهو ما تم ترسيخه بإصرار من قبل هذه الأعمال في ذهن المشاهد العربي طوال كل سنوات عديدة مضت.

التعليق