ليس أجدر بمدخل للحديث عن ظاهرة يمكن تسميتها بصراع #هوية_الحجاز والجدل المتزايد حولها في السنوات الأخيرة، من مدخل الأستاذ الباحث الفذ، أمين معلوف، في كتابه الهويات القاتلة. حيث يقول :
“ولا يبدو لي أن تسمية الهويات القاتلة مبالغ فيها، ذلك لأن المفهوم الذي أفضحه، والذي يختزل الهوية إلى انتماء واحد، يضع الرجال في موقف متحيز ومذهبي ومتعصب ومتسلط، وأحياناً انتحاري، ويحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة.
إن رؤيتهم للعالم مواربة ومشوهة. فالذين ينتمون إلى جماعتنا ذاتها هم أهلنا الذين نتضامن مع مصيرهم، ولكننا لا نسمح لأنفسنا في الوقت ذاته بأن نكون طغاة تجاههم، وإذا بدوا لنا فاترين نتنكر لهم ونرهبهم ونعاقبهم بوصفهم خونة ومارقين.
أما بالنسبة للآخرين، الموجودين على الضفة الأخرى، فلا نسعى أبدا لأن نضع أنفسنا مكانهم، نمتنع عن التساؤل عما إذا كانوا غير مخطئين تماماً حول هذه المسألة أو تلك، ولا نسمح لأنفسنا أن تهدأ بشكاواهم وآلامهم والمظالم التي كانوا ضحيتها. ما يهم هو وجهة نظر جماعتنا فقط، التي غالبا ما تكون وجهة نظر أكثر الناس تشدداً في الجماعة وأكثرهم ديماغوجية وسخطاً”.
حتى قال : “الهوية لا تحدد نهائيا، بل تتكون وتتحول طيلة حياة الإنسان”.
وهذه النظرية تحديدا تنطبق بشكل أكثر وضوحا في الحجاز، من أي مكان آخر في الدنيا.
في البدء ، أبدي كامل تحفظي على مصطلحات متداولة أخيرا مثل ” هوية الحجاز” المجتمع الحجازي ، الحجازيين ، نظراً إلى أنها تختزل في مفهومها الشائع اليوم، على مناطق ضئيلة وشرائح محددة من المجتمع الحجازي التاريخي الكبير، والممتد من معان إلى عسير.
كما أؤكد اعتراضي على مفاهيم مثل: اعتبار جدة حجازية فضلا عن اعتبارها مركزا من مراكزه. بناءً على ان حقيقة جدة أنها ميناء على البحر، ومدينة تهامية جغرافيا وليست في نطاق الحجاز، وهي مدينة تهامية متنوعة وغنية اجتماعيا نظراً لانفتاحها على العالم الإسلامي، ولأنها بوابة الدخول إلى مكة والحرمين الشريفين وشعائر العمرة والحج الأعظم. فهي مدينة مثل القنفذة وينبع ، مدن على ساحل البحر، في تهامة الجزيرة العربية ، أما الحجاز الحقيقي فهو في موضعه الذي حدده الحموي والهمداني وغيرهما ، حيث لا موضع لتهامة في مجتمع الحجاز بصورته الأصيلة.
ثم ، سأضع تلك الاختلافات المبدئية جانبا. وأشير بشكل واضح إلى ما أريد قوله عن هذا الموضوع. وذلك بعد ملاحظة ارتفاع نبرة صراع الهوية القاتلة، من واقع شعور عميق بالخوف من تحولات مجهولة قد تصاحب سعار هذه الهائجة المطرد، إذا لم يتم كبحها عن طريق الوعي ولا غيره.
يقع أطراف الصراع المحتدم على ما يسمونه #هوية_الحجاز في ورطة الإصرار على تحديد هوية مكان “لا تُحدد هويته بل تنمو وتكبر وتتغير مع الوقت” كما سلف في اقتباسنا من أقوال أمين معلوف، فالحجاز المعني في صراع “هوية الحجاز” هو مكة المكرمة والمدينة المنورة ومدن الحجاز التي تحصرها ذهنية هذا الصراع في إطار التقسيم الإداري المشار اليه اليوم بالمنطقة الغربية .
ولا يحضر في صراع هوية الحجاز على الإطلاق أنه مكان استثنائي له خصوصيته لما يحتويه من مقدسات دينية تخص المسلمين، مئات الملايين من البشر، من أمم كثيرة في العالم يرتبط وجدانها بهذه البقعة الطاهرة ، وقد توارثت ذلك الارتباط توارثها للدين نفسه، لأجيال وأجيال على مدى 14 قرنا من الزمان.
الحجاز كما هو معروف اليوم يتكون من مجتمع متعدد الهويات من جهة ثقافية وعرقية. فهوية مجتمع الحجاز هي التعددية ذاتها، وأن نكون أهل هذه الديار المقدسة فتلك خاصية عظيمة حبانا الله إياها ، ثم يتدخل الجهل فيقلب كل نعمة إلى نقمة ، وكل نافذة خير إلى أبواب للشر!
بالنظر إلى الصراع القائم والذي يتخذ من مواقع التواصل منصة له واضحة له ، سوف نلحظ التالي :
أولا، الصراع يسيطر عليه شعور الاضطهاد والنقص عند الطرفين.
وبشكل عام، الصراع بين فريق ينتمي إلى قبائل الحجاز، الحجاز بمفهومه المختزل في مكة والطائف ويضيف المدينة وجدة، يواجه فريق الحضر وأبناء الأسر المهاجرة الى مدن الحجاز، الذين تعود أصولهم إلى أعراق وأقطار بعيدة وقريبة ، وكان لمجيئهم سياقه التاريخي وأسبابه الموضوعية. فوجدوا أنفسهم جزءا من المكان الذي عاشوا فيه.
هؤلاء، يرى فريقهم المتطرف أن أبناء القبائل والبادية الحجازية دخلاء على الحجاز من مبدأ أنهم يرون حدود الحجاز وملكيته داخل بيوت محددة في مكة وجدة والمدينة. وفي حواريها القديمة وأحيائها البرجوازية على حد سواء. وأنه تراث الحجاز هو الحال التي هو عليها الآن، ولا يجب القول بغير ذلك ، سواء في الماضي أو المستقبل.
ومن ثم، يريدون تحديد هوية الحجاز في إطار عنصري، بطبيعته طارد للعناصر المختلفة عنه، ويشعر تجاهها بالحنق خصوصا تلك التي تزعم أحقيتها التاريخية بالحجاز.
يقابلهم فريق، يمثل بادية وقبائل الحجاز. هؤلاء لديهم مشكلة كبيرة تجاه المزمار والغبانه/العمامة الصفراء، ويرفضون نسبتها إلى الحجاز وتراث الحجاز، يقولون: إن المزمار تراث افريقي ، بينما أكد باحثون منهم أن الغبانة هندية ، والسمسمية مصرية والمنتو واليغمش من اوزباكستان، أما السيرية فمؤكد بما لا شك فيه أنها مستدعاة من مائدة إفريقية.
حسنا هذا صحيح ولكن لماذا لديكم مشكلة تجاه هذه الحالة؟
إنها ميزة فريدة لا تتحقق في أي بلد في العالم!. هذه مزية رائعة جدا، وليست معضلة أو عيبا. ما لم يكن حصولها واقع بإزاحة ما هو موجود من قبل.
لكن ما حصل هو ان القوم مازالوا يتنازعون الأمر على اعتبار الهوية إرث قبيلة، أو شجرة عائلة، أو ملك من أملاك فئة اجتماعية معينة تعطي منها على قدر، وكيفما تشاء.
وبمثل ما تجد الشاب أو الشابة التي تنتمي لقبيلة حجازية يرون أبناء مدن الحجاز الذين من أصول غير عربية مجرد دخلاء و”أوباش” يحرّفون هوية الحجاز ويسرقونها منهم. تجد في مقابلهم آخرون يحملون نفس اللائحة، ولكن بصيغة معاكسة.
إن مدن الحجاز ليست مثل أي مكان في العالم ، فهي ذات طابع استثنائي ، ثريّ جدا، بسبب قيمة المكان الدينية، وطبيعة تشكل المجتمعات فيه ، والتي تتغير وتتأثر بحسب الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية ، وغيرها من الأسباب الكثيرة الفاعلة في تشكيل مجتمعات مدن الحجاز ، وبالتالي فإن هوية الحجاز تستوعب المجرور والحدري والمزمار والعرضة والقلطة والخطوة وكل ما هو موجود من فنون شعبية في مدن الحجاز الثرية جدا، التي ليس لأحد حق احتكار انتماءات أهلها، سواء لمجموعة ينتقيها بحسب اصطفافه في صراع “هوية الحجاز” العبثي.
ولعل الواجب بدل الدعوات الى التكتل والتمترس! هو أن نحافظ على طبيعة هذا المكان تنمو بشكل صحي، وأن نحفظ لهذه المدن مشرعة على 1.8 مليار مليون من البشر مزاياها، وخصائصها الاستثنائية الفريدة، بقاع طاهرة معظمة، تتجه إليها الأفئدة من كل بقاع الأرض، مدن محبوبة لدى مئات الملايين من البشر، ولا يمكن السيطرة على هويتها او استحواذها، أو إلباسها الثوب الذي يعجبنا، وذلك ليس لأي شيء آخر سوى أن واقع هوية الحجاز التعددية، التي تعد حضاريا، أثمن ما قد تملكه أمة من الأمم .
هي ليست غنيمة يجب حراستها للشروع في الاستيلاء عليها، بل هوية الحجاز حالة متفردة في المعاني السامية لوجود الإنسان، حالة أكبر من أن يستوعبها من امتلأت قلوبهم غلا وكراهية ورفضا للآخرين، الذين ينظرون إلى الأمر، بسطحية جمهور رياضي متعصب لفريقه! أو حشد قبلي متعصب لقبيلته! بينما هو أبعد من ذلك بكثير. وبلوغ الجدل إلى هذا المستوى الغوغائي من التطورات الخطيرة فيه.
عموما،
هوية الحجاز الحقيقية تكونت في واحة مفتوحة للعالم منذ مئات السنين، وبعد توحيد البلاد “السعودية” ألغيت الشروط القديمة التي كانت تفرز السكان على أسس طبقية، أو عرقية أو عنصرية جاهلية. فكثير من الرحالة والمستشرقين والمؤرخين قد اتفقوا على أن مجتمع جدة كان ينقسم إلى قسمين “عمال-خدم / وأثريـاء -ذوات”. وقد صار هذا الواقع مرفوعا، وملغيا بحسب قوانين عصرنا الحالي. رغم أنه مازال موجودا بأشكال متخفية ومتنكرة تظهر في حالات هنا وهناك. ومثال ذلك هذا الصراع العبثي الحاصل تحت عنوان “هوية الحجاز”.
ولعله صراع خطير رغم عبثيته، خطير في نتائجه وما قد يفضي إليه، فمن المعتاد أن مثل هذه الفتن والعداوات، لا تثار الا لأغراض خبيثة جدا، ويمكن توظيفها بسهولة توظيفا معاديا ومؤذيا لنا كمجتمع ووطن، بل ويهدد وجودنا.
لا يمكن ان يكون لشحن المجتمع بالبغضاء أي نوايا طيبة أو حسنة. لأن التجارب عبر التاريخ، تخبرنا دائما بأن نتيجة أي تدافع عنصري في أي مجتمع بشري، حتماً “أن تعود جذعة” بما يعني -لا قدر الله – خسارة كل شيء، لمصلحة أطراف تتربص كالضباع للظفر بأي شيء نحن مستعدون لخسارته أو التنازل عنه. مهما كان قدره. عظيما أم تافها.
ختاماً “إذا كان المتعصّبون من أي جنس قادرين بهذه السهولة على فرض أنفسهم بوصفهم المدافعين عن الهوية، فذلك لأنّ مفهوم الهوية القبائلي الذي ما زال سائدًا في العالم كلّه هو الذي يهيّء لمثل هذا الانحراف”..أمين معلوف ، الهويات القاتلة ص15.