“بوكر العربية” أنموذجا لإرهاصات الفقر الثقافي والندرة السكانية في مدن الخليج

كسبت جائزة بوكر Booker Prize ، والتي تأسست في بريطانيا 1968، ثقة كبيرة لدى المهتمين بالروايات في عمر وجيز، وهي دوما ما تتبرأ وتنفي وجود أي علاقة لها بما يسمى البوكر العربية، وهي مع نفيها نفيا قاطعا وجود أي صلة تربطها بهذه الجائزة، فإنها عمدت الى إلزام موقعهم بتسمية (الجائزة العالمية للرواية العربية ipaf )، مع التأكيد في التعريف بالجائزة في موقعها بعدم وجود أي علاقة من أي نوع تربطهم بجائزة بوكر العالمية.

في التعريف بجائزة اي باف الاماراتية سنجد التنويه القانوني التالي:

وترعى الجائزة حاليا مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما تحظى الجائزة بدعم من مؤسسة جائزة بوكر في لندن. وبالرغم من أن كثيراً ما يتم الإشارة إلى الجائزة العالمية للرواية العربية بوصفها “جائزة البوكر العربية ” إلا أن هذا ليس بتشجيع أو تأييد من الجائزة العالمية للرواية العربية أو من مؤسسة جائزة البوكر وهما مؤسستان منفصلتان ومستقلتان تماماً.  والجائزة العالمية للرواية العربية ليست لها أي علاقة بجائزة بوكر.

جائزة بوكر (بالإنجليزية: Booker Prize)‏ كانت تُسمّى بين عامي (2002–2019) باسم: جائزة مان بوكر (بالإنجليزية: Man Booker Prize)‏ وعُرِفت بين عامي (1969–2001) باسم: جائزة بوكر ماكونيل (بالإنجليزية: Booker–McConnell Prize)‏؛ هي من أهم الجوائز الأدبية المخصصة للأعمال الروائية باللغة الإنكليزية، وذلك منذ تأسيسها عام 1968. تُمنح لأفضل رواية كتبها مواطن من المملكة المتحدة أو من دول الكومنولث أو من جمهورية أيرلندا. أعضاء لجنة التحكيم في جائزة “بوكر” هم من نخبة النقّاد والكتّاب والأكاديميين، ويتغيّرون كل سنة بغية الحفاظ على مصداقية الجائزة ومستواها.

الجائزة خاصة بالرواية حصرًا، وتُمنح سنويا لعمل واحد مترجم إلى الإنجليزية ومنشور في بريطانيا أو أيرلندا، ويتقاسم المؤلف الأصلي والمترجم القيمة المالية للجائزة وقدرها 50 ألف جنيه إسترليني، والجائزة لها تأثير على الكاتب الذي يفوز بها، إن كان معنويًا (ترجمات وشهرة عالمية)، أو ماديًا (قيمة الجائزة وانعكاسها على مبيعات الكتب).

تفرعت من الـ”بوكر” جائزتان عالميتان للرواية هما: جائزة بوكر الروسية التي تأسست عام 1992، وجائزة كاين للأدب الأفريقي عام 2000.

أما جائزة أبوظبي (الجائزة العالمية للرواية العربية) فقد اطلقتها حكومة ابوظبي في لندن عام 2007 كجائزة غير مستقلة، أي بتمويل حكومي عبر دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي ، ولديها مقر في لندن. وعند اطلاقها طلبت المساعدة من القائمين على جائزة بوكر المحترمة، في تأسيس وتنظيم عمل هذه الجائزة وكتابة آلياتها ، وتخطيط هياكلها الوظيفية والمهنية والفنية والأكاديمية وغيرها من الخدمات، بمقابل مادي مغر، وكبير.

 وكان الهدف استغلال وجود فريق الخبراء هذا ، لإظهار الجائزة وكأنما هي نسخة عربية منتمية إلى الجائزة العالمية، ومن ثم صاروا يوقعون بياناتهم الصحفية باسم “جائزة البوكر العربية” متعمدين طمس الاسم والتعريف الحقيقي للجائزة وهو “الجائزة العالمية للرواية العربية (إباف)” وأنها كأي جائزة تطلقها الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث، التي تتخذ من الثقافة والفنون واجهة مزيفة لها ، تغطي على وجه حقيقي لا تريد أن يراه احد. وفي ذات الوقت، فإن مثل هذه الجوائز تمنح فرصة كبيرة للسيطرة على نخب محددة ومؤثرة من كل الأقطار في العالم، وخصوصا العرب، فكم من مثقف وأديب ، تلقى مثل هذه الجوائز، فوجد نفسه متورطاً في تبعاتٍ سياسية.

فإذن ، جائزة حكومة ابوظبي للرواية العربية التي يسميها أصحابها البوكر العربية العالمية زورا وبهتانا ، إنما هي جائزة لا تعلو قدرا من الناحية الفنية والأخلاقية، عن جائزة الزعيم القذافي العالمية للآداب أو أي جائزة يطلقها زعيم أو نظام سياسي ليوجهها نحو مصالحه، عبر التحكم في نتائجها.

فكيف يمكن للمرء أن ينظر إلى جائزة متورطة في سرقة اسم وكيان وسمعة جائزة عالمية، لعراقة وأهمية هذه الجائزة، ثم تعمل على تسويق نفسها بكثافة شديدة وعلى أوسع نطاق، باعتبارها تابعة للجائزة العالمية أو نسخة منها ، أو فرع رسمي لها في العالم العربي؟!

إن مثل هذه الجوائز لا تُخلقُ جزافا بدافع رغبة مفاجئة ، أو اشباعا لنزعة تقليد الآخرين، أو السطو على منجزاتهم، بأي طريقة كانت.

فلا بد أن تنطلق جائزة عالمية للرواية من بيئة موضوعية تحمل سمات فنية خاصة، وقد ألهمت تفاصيلها المبدعين لكتابة أعمال خالدة، وباقي التفصيلات التي تجعل الأمر يبدو طبيعيا.

بمعنى، أن إطلاق جائزة للرواية من مدينة أو ريف في دول المغرب العربي، أمر معقول، ولو أطلقت جيزان جائزة للشعر، من أي قرية أو محافظة فيها، لكان أمرا طبيعيا، بل وصحيحا.

لكن من غير الموضوعي، أو ، من غير العادي، أن تطلق أبوظبي أو لنقل الإمارات جوائز للكتابة والرواية والشعر ، وخصوصا هذه المسماة “جائزة عالمية للرواية العربية” ، الجائزة المسروقة الهوية ، والتي يصرون على تسميتها وتسويقها تحت عنوان بوكر العربية العالمية!!، بينما بلغ عدد كتاب الرواية من الاماراتيين منذ تأسيس الدولة 1971: لم يتجاوز 13 كاتبا وكاتبة، صدر لكل واحد منهم رواية واحدة، بحسب جريدة البيان الإماراتية.

يوضع شعار الممول الحكومي مقابل شعار جائز بوكر العالمية تحت عنوان “بدعم من” في محاولة بائسة للخداع

إن الخلل في أهداف إطلاق مثل هذه المبادرات، وانحراف أهدافها التي يفترض ان تكون بعيدة عن أي توجيهات أو توجهات خارج إطار المعايير والمواثيق الغليظة، يترتب عليه بالضرورة، عدم إمكانية تنفيذ الشروط المطلوبة لنجاحها، واستمرارها، نظرا لاستحالة الالتزام بالمعايير، والحياد، من واقع العجز عن تحقيق استقلالية قراراتها، واختياراتها. عندها لن يكون هناك ما يمنع نشوء بؤرة جديدة للفساد الثقافي والمعرفي.

ما الذي يدفع الإمارات لإطلاق هذه الجوائز، في الرواية والكتاب والشعر الشعبي أيضا؟ رغم الشح الشديد الذي تعانيه في حركة التأليف والنشر، وندرة من يمارس مثل هذه الفنون بين مواطنيها ؟ إنه الفكر الصحيح لمن يقع في هذه الورطة، ورطة العدم.

ليس عندك صحافة؟ بادر بجائزة للصحافة وادعمها بالأموال الطائلة، واستقطب الصحفيين العرب من كل الأقطار، كل عام، ووزع عليهم الدراهم، واظهر على منصة الختام بعد توزيع العطايا، لإلقاء بعض النظريات والمبادئ الصحفية، وتحولاتها العالمية، ثم أغدق عليهم الهدايا واعرض عليهم الإقامة، وحاول شراءهم، وفي أقل تقدير إسكاتهم.

مثلاً ـ في حال لم يكن عندك كرة قدم في بلدك، شحيح المواهب والسكان؟ منتخب بلادك يقبع في ذيل تصنيف المنتخبات حول العالم؟ المشكلة بسيطة وحلولها كثيرة جدا. جرب استقطاب محترفين وتجنيسهم واضافتهم للمنتخب الوطني، وإن لم ينفع الأمر، إذن عليك ان تشتري فريقا قويا وجاهزا ، بتاريخه وجماهيريته. ولا بأس أن تحتكر بث مباريات كرة القدم في أوروبا، والمونديال . فإن لم ينفع ذلك كله، فعليك باستضافة كأس العالم ، حتى ترى ماهي النهاية مع هذه الرياضة اللعينة التي لم تجن منها إلا الهزائم المهينة.

هذا ما فعلته قطر.

أما الإمارات فقد اكتفت رياضيا، وفي مجال كرة القدم تحديدا، بمحاولات سابقة كلها باءت بالفشل.

فما كان منها إلا أن توجهت لمشاركة السعوديين في كرة القدم السعودية. اتجهوا إلى التشجيع والى مجالات الوصف والتعليق على المباريات في الدوري السعودي وتحليلها . فعندما لعب الهلال قبل أشهر مع نادي الجزيرة الاماراتي في ملعب في ابوظبي، كان90 % من مشجعي الهلال السعودي اماراتيون. ولم يكن في الملعب أي شخص يحمل شعار فريق الجزيرة الذي كان في تلك الليلة يلعب على أرضه ولكن بين جمهور الفريق الضيف. النهاية كانت نصف درزينة من الأهداف لزعيم آسيا الهلال السعودي .

بالعودة إلى جوائز الإبداع الفني والثقافي ، فإن حضور مؤسسة الفكر العربي في دبي 2002، والذي كان لافتا جدا، محققا أصداء إيجابية واسعة، أدى أو دفع إلى إطلاق جائزة الشيخ الزايد للكتاب، بتمويل نفس الجهة الحكومية في دائرة السياحة والثقافة في ابوظبي التي هي نفسها التي مولت فيما بعد جائزة الرواية العربية التي يسمونها زورا وبهتانا بالبوكر العربية العالمية!. فضلاً عن شاعر المليون برنامج مسابقة الشعر الشعبي ، في أبوظبي، وغيرها من الجوائز التي لا يملك القائمين عليها إلى أن تكون جائزة فاقدة للمعايير وغير واضحة الأهداف.

وفي ظل ما أثارته قضية سعدي يوسف في الأوساط العربية بعد أن تم سحب جائزة العويس الثقافية المدارة حكوميا من ابوظبي ، بسبب قصيدة سياسية نشرها في 2004، أي بعد 14 عاما من حصوله على الجائزة في 1990. فإن الثقة بلغت أدنى المستويات في الوسط الثقافي العربي بجوائز الإمارات الثقافية .

الحالة، التي تشكلت سريعا، إلى أن أصبحت جناية بالغة على جوائز الشارقة ونشاطها الثقافي والأدبي، وفي مجال التأليف والنشر ودعم المشاريع الثقافية. فلقد كانت سباقة في هذا المجال ، وملتزمة بكل ما يجب ان تلتزم به مبادرات سامية من هذا النوع.

وفي حين جائزة زايد للكتاب، لم تلق نجاحا في دورتها الأولى 2007، بعد ان تقدم لها 1220 عملا من مؤلفين ينتمون لخمس دول فقط. (بحسب موقع الجائزة). وربما يعود ذلك لتاريخ اسم الشيخ زايد يرحمه الله ، باعتبار الرجل شخصية سياسية، فضلا عن كونه يحمل وعيَ البدوي البسيط، الذي عاش نائيا  بنفسه عن هذا المجال جملة وتفصيلا.

وأخيرا اكتشف المسؤولون في الامارات، أن استقلالية الجوائز عن الحكومة، ولو صورياً، ستجعلها محترمة وموثوق بها.

ومن هنا جاءت فكرة السطو الثقافي على جائزة بوكر العالمية. بمعنى أنها جاءت كضرورة ماسة لحل معضلة لم يتمكن المال بمفرده من حلها.

ونظرا لارتفاع قيمة الجائزة المادية، وانتشار المؤلفات الفائزة بهذه الجائزة، بوكر أبوظبي، بسبب ترجمتها ، فقد أصبحت محط أنظار المبدعين العرب، بخاصة من هم خارج محيط الخليج والمملكة. إلا أن هناك شبه إجماع بين الأدباء على ابتعاد الجائزة عن المعايير النزيهة المحايدة.

الروائية السورية ابتسام تريسي المشاركة برواية “عين الشمس” في نسخة الجائزة لعام 2010م قالت إن الجائزة، “مثلها مثل الجوائز العربية، تحتاج لمراجعة شاملة لجميع معاييرها”.

وأكدت تريسي أنه: “من دون إجراء هذه المراجعة ستكون هذه الجوائز وبالاً على الأدب والثقافة العربيين بدلاً من أن تمثل محفزاً وباعثاً على النهوض بهما، في زمن تتمزّق فيها الأوطان ويخيّم الغموض على مصائر العرب المعاصرين”.

معايير الروليت

في دورة سابقة من جائزة الرواية العربي الأكاديمية المصرية شيرين أبو النجا، تنسحب من لجنة تحكيم الجائزة

قائلة “انسحابي يعود في الأساس لـغياب المعايير النقدية الواضحة في التقييم وإحجام اللجنة عن إقامة حوار نقدي موسع حول كل رواية واعتماد آلية التصويت الرقمي للروايات وشبهت أبو النجا عملية الاختيار والترشيح بلعبة (الروليت) لما شهدته القائمة من تغييرات قبل الإعلان عنها رسميا “.

وقالت أبو النجا: “رئيس لجنة التحكيم وضع استمارة ليقوم أعضاء اللجنة بالتصويت من خلالها للأعمال المرشحة، ولكن لم يتم الاعتماد إطلاقاً على هذه الاستمارة”.

فيما كان الكاتب والناشر السوري الأصل رياض نجيب الريس قد استقال من مجلس أمناء جوائز البوكر العربية اعتراضا على الطريقة التي تدار بها.

هذه وغيرها الكثير من النماذج والقصص المأساوية عن هذا النوع من الجوائز تثبت قطعياً أنها تعمل بفاعلية قصوى إلى إفساد فكرة الكتابة ذاتها، والثقافة بشكل عام ولا يتوقف الأمر عند كارثة أن تستعمل الدعاية السياسية مجالات الأدب والثقافة والفنون، ثم يكون أهلها وروادها من الأدباء والمثقفين هم الأدوات في هذه العملية. في حين يعول عليهم أن يكونوا طليعة من يناهض هذه الجرائم التي تهتك شرف المعرفة كل عام !.

المال وحده، قد يمنح عناوين صحفية ومشاريع لا تنتج شيئا أكثر مما تفعله الحملات الإعلامية. لكنه لا يبني مجدا. المال قد يشتري كاتباً عربياً ، وقد يشتري شاعراً صعلوكاً، لكن، يعجز المال عن شراء الحالة الشعرية ذاتها أو الوعي الذي ينتج الشعر والكتابة.

المال وحده قد يجلب آثار منهوبة من كل الحضارات بل ومن كل العصور على مر التاريخ، لكن المال وحده لا يبني حضارة ولا يوجدها من العدم.

التعليق