
كان يجب أن تمتد القصيدة قدر آفاقها البعيدة الحالمة الفتية ، صدقاً ـ شعرت كما لو كان يجب ان يأخذنا إلى مكان ما ،قبل أن يرحل، مكان لم يبلغه شاعرٌ غيره ، وكلمة ما تجاسرها سواه، إنسان ، ووعي ، وقلب مليئ بوجوه الناس ، وتعب الناس ، وبأحزانه الشخصية هو ، فلا يدل دروبه الصعبة إلا ندرة من الناس قد ذهبوا ، وشحت وجوههم في حياتنا وطرقاتنا وكل فضاءاتنا .
وكلما طاح نجم ، وتقاسمنا فضته ، ومآثره ، اجتمعت النجوم على أن تترك ظلاما هائلا ، ظلام يأخذنا إلى أماكن موحشة ، لم تعد فيها شعلة من ضوء ، وجميع اهل القرية الطيبة ، ماتوا ، وبادوا ، ظلام ينزل في الجوف كالدم .
الدميني … في طليعة الراحلين ، الذين حين غادرونا فطلبنا الرحمة من الله لنا قبلهم ـ وسألناه العفو والعافية ـ بعد أن أهال علينا التراب – أولئك الكبار، الثقال بالنبل والعطاء والصدق. ثم ، يتولى أصحاب تلك الوجوه المضيئة دون سواها- وعلى هذا النحو،….. “كلهم غادرونا”، “والطفلِ، ذاك الكبير الذي بلّل البيتَ بالفَـقْـدِ” ، بلل بالفقد أوقاتنا وقلوب شعب كامل من المحبين والأصدقاء والناس الذين يشعرون دوما بامتنان صاف للغاية حين يمر من أمامهم، أو تمر كلماته ، ومواقفه.
قلت له ، انني فوق تقديري العظيم لشخصك الكريم، احبك في الله ، ولكن يجب ان أوضح لك ان الله الذي احبك في اعني به الحرية والكرامة والوطن والإنسانية ، والرحمة والنبل ، والإبداع والجمال ، فقد اتخذت من الحق فلكا تجري فيه ، وكانت الكلمة ذريعتك العظيمة ، التي ذهبت بنا معك ، إلى تلك الآفاق العالية في الخلق الراقي، والوعي ، والمسؤولية التي تحلق مثل صقر يتجول بسماء وطنه وقفاره وغاباته وجباله ، وحتى بحاره ، فله مع كل بحر شؤون وعلاقات فنانة من طراز رفيع.
لقد رحل “الشاعر الذي لم يسع إلى امتلاك المادة ولكنه عمل بخياله الخصب وضميره الحي وثقافته النوعية لتحريرها من عطالتها، وسوء استخدام الكائن البشري لها لتغدو أغنيةً وفضاءً للتأمل، وحقولا تفيض بالدهشة والمتعة والجمال”. (هكذا عرّف الدميني من هو الشاعر من قبل).
رحل علي الدميني ، الوطني المناضل من أجل دفع المظالم ، واستحصال الحقوق ، الأديب الفذ ، الإنسان الجميل الذي لم أسمع بمن يختلف عليه كصاحب رأي وتجربة أدبية خلاقة وعالية المعايير وسبّاقة في اجتراح سحر الفن ودهشته من الحجر والحديد.
الإغماط الذي ظل صامدا مستمرا يتربص، طوال حياة الدميني ، ومسيرته بكل ما فيها من شعاع محرج للضفة الثانية… ظل يلازمه شعور خيبة الأمل ، دون ان ينل منه ، أو يثنيه عن فعل الأمل.. أو حتى يدفعه للحديث عن الأمر وكأنه معاناة شخصية لديه ، وليست حالة نذر عمره كله ليناهضها بالكلمة الحرة ، والموقف الملتزم ، والمبادئ التي تهاوت من على المتون ، وصدت عنها نظرات العيون ، وداستها الأقدام، وأجمع الكثير من الساهرين على استعمالها لإطفاء السجائر ، أو لإضفاء لمحة ساخرة خلال الحديث عن الضياع الذي يجره التمسك بتلك المبادئ ، والغنائم التي يجلبها العكس .
رحل “قرين الحرية والعدالة والجمال”… كعادتهم ، الشعراء الذين يشعلون شموع الحرية والأمل والمحبة ، يرحلون ويتركون مكانهم لحساب الشعراء الذي يشعلون الحرب والفتن بين الأمم والشعوب ، الذين فقط، يستنطقون في الناس الأحقاد المقدسة. والنعرات. والتسول والبؤس منقطع النظير.
رحل الشاعر الذي يعبر عن نزعة الإبداع بوصفه انعتاقا من كل شروط وأغلال التسلط والجهل وعقائد القبح التي تعبد التسلط العالمي المتسع بمرور كل لحظة ، وبقي الشاعر الذي يعبر عن متلازمات مرضية غريبة ييصعب عليه فهمها، تجاه كل شؤون الحياة،
ذهب الشاعر الذي ينهمر الصباح من جبينه ، وبقي الشاعر الذي يسعى جاهدا لسرقة الصباح أو حجب شمسه بغربال.
رحم الله استاذنا المحترم علي الدميني ، وأكرم نزله . وصبّر أهله ومحبيه وكل من عرفه .
ديسمبر الماضي2021، كان اخر حديث لي معه، وكان محض صدفة، حيث طلبت من مدير صفحة في الفيس تهتم بالرواية والسرد عملا للروائي عبدالعزيز مشري، بعد أن يئست عن ايجاده في أي مكان!. وفي نفس الليلة وصلتني نسخة الكترونية على ايميلي ، لم يكن المرسل يعرف طالب العمل ، ولكنه أرسله وهو على فراش المرض ، يصارع أسوأ أزماته الصحية التي مر بها على الإطلاق، الايميل باسم علي الغامدي ، ولكني سبق ان راسلته قبل سنوات طويلة ، واحتفظت بعنوانه ، فكان متخفيا ، بصراحة لم أصدق أنه هو بنفسه من أرسل الملف وليس شخصا يدير صفحاته ومراسلاته . حتى اعترف لي أنه هو ، وأنه في غاية السعادة والفرح بسبب اسدائه تلك الخدمة المجانية ، وارسال العمل الذي عجزت عن إيجاده منذ سنوات.
هذا الموقف باختصار ، يحكي الكثير عن قصة عنوانها علي الدميني، ذاك الإنسان المتوج بالفضائل ، والخير ، والحب الذي لا نهاية له أبدا….
ذاك الأديب المرهف الذكي ، والذي قدم طليعة الأعمال الأدبية الرصينة ، والتي أرخت لمرحلة من فكرنا وثقثافتنا، وكان في طليعة المؤثرين على أجيال من الشباب الذين كان الدميني من دوافعهم لخوض هذا المجال الفني الذي اكتشفوا أن له جانبا صادقا وصالحاً قد تمثل في تجربة الأستاذ علي الدميني.
“جبنتم عن القول ان الظلام من الظلم
وليس الظلام من الليل .. يا أيها الشعراء الغـبـار”..
*علي الدميني… (يرحمنا الله)