ردود الشيخ يوسف ياسين على مقولة “الحجاز للحجازيين” عندما أطلقها “محمد حسن عوَّاد” قبل 95 عاماً !

مقدمة

كتب محمد حسن عواد، في كتابه خواطر مصرحة، مقالات عدة، تضم في جزء منها، المطالبة بما معناه (الحجاز للحجازيين) ، يزايد فيها عواد على هوية الحجاز الوطنية السعودية، ويطالب ب “حجزنة” الوظائف والمناصب في مكة المكرمة وجدة، وكأنما يريدها أن تبقى جذعة!

إن هذه الدعاوى فضلا عن كونها تكشفت عن أفق سياسي وفكري ضيق ومستوى وعي متواضع لدى أصحابها، فهي كذلك تشير بوضوح إلى شرارة البدايات لما يجري اليوم من جدليات واقصاءات تحت عنوان هوية الحجاز ، وما تنطوي عليه من جهل وعنصرية وفهم خطير جدا على لحمة المجتمع السعودي، لدى كل الأطراف المتخاصمة على ملكية هوية مكان لا يمكن امتلاكها أو إلباسها ثوبا محددا .

ولقد تتابعت ردود الشيخ يوسف ياسين على هذه الدعاوى الباطلة الجاهلة التخريبية والعبثية، في جريدة ام القرى، ضمن سجال ملحمي ، فند فيه الشيخ يوسف ياسين -في ذلك الوقت- بطلان هذه الدعاوى، والأسس الواهية التي تقوم عليها .

ولقد نقلت المقالات الثلاث الخاصة بهذا الموضوع “هوية الحجاز” وإشكالية فهم طبيعة المزيج الاجتماعي الذي يتركّب في مثل تلك البقاع المقدسة، وما تختص به من دون بقاع الأرض كلها ، من ميزات ، وتعددية، وتنوعات، لا تخرج عن الإطار الوطني للأمة السعودية جمعاء.

إنني لم أورد أصل المقالات التي يرد عليها الشيخ يوسف ياسين على محمد حسن عواد، غير أن قراءة الردود تشف عن أفكار ومقالات محمد حسن عواد التي وردت في كتابه خواطر مصرحة بخصوص أن “الحجاز للحجازيين”.. وهي لا تختلف كثيرا عن الذين يقولون إن الحجاز للحجازيين وهم يقصدون بذلك فئة اجتماعية محددة من سكان الحجاز وليس جميع من يسكنه ، بل إنه يوازيه ويواجهه في الجهة المقابلة.

الحجاز للحجازيين

…. وإن مما ورد في كتاب محمد حسن عواد (خواطر مصرحة)، ويتداول على السنة بعض الناشئة ويتكرر في أقوالهم مسألة وكلمة ذائعة وهي (سوريا للسوريين والحجاز للحجازيين والعراق للعراقيين، امة سورية وامة حجازية وامة يمانية وامة نجدية وو .. الخ) هذه الكلمات التي تحمل وراءها معنى مقصودا معينا قد كثر الخطأ في وضعها واساء الناس فهمها كما جهل كثير منهم أين تستعمل هذه الكلمات ومتى لا تصلح ومتى تكون سببا لحياة الأمة وسعادتها ومتى تكون سببا لبوارها. لا أريد أن أورد ما قاله الكاتب في هذا الصدد في مقاله (أمـة مهملة) لأبين خطأه من صوابه ولكن حسبي أن ابين رأيي في هذه القضية في غير رد او نقد.

الشيخ يوسف ياسين

أول من وضع اساس هـذه الكلمة رئيس جمهورية الولايات المتحدة الاميركية (مونرو) وعرفت بقاعدة (مونرو) وهي (اميركا للأميركيين) وأراد بذلك إن قارة اميركا الشمالية والجنوبية يجب ان تكون للأميركيين من حيث السلطة والحكم ولا يجوز لدولة غير اميركية التدخل في اراضي اميركية وانه ينبغي لأهالي أميركا إذا أراد أحد من خارجها ان يتعرض لبلادهم أن يكونوا يدا واحدة في دفعه وقتاله حتى يخرج من بلادهم . قد يجوز أن تعتدى دولة اميركية على دولة أميركية ولكن لا يجوز ان تعتدي دولة غير اميركية على بلاد اميركية وقد وضعت هذه القاعدة بعد حروب دامية كانت بين سكان اميركا والدول الأوربية مثل الإسبان والبرتغال والإنجليز وقد كانت بلاد اميركا خاضعة للاستعمار الاوربي ولكن بعد تلك الحروب المتطاولة التي أفنت كثير من السكان ثم قطع دابر الاستعمار الاوربي من تلك القارة العظيمة تقريبا وفي اواخر ذلك وضعت تلك القاعدة (اميركا للأميركيين) وهذه القاعدة قاعدة غالية وثمينة .

 افادت أميركا فائدة عظيمة ولم تزه الديار الاميركية وتخرج للناس من بدائع المخترعات الا بعد ان استراحت من تلك الحروب الدامية ووضعت هذه القاعدة الواسعة التي شملت قارة عظيمة من قارات الدنيا.

سمع الناس هذه القاعدة واخذوا يتجوزون في استعمالها ويضعونها حيث تشاء لهم الاهواء من غير تفكير ولا درس وهذه القاعدة من القواعد الاجتماعية الكبيرة ولا يجوز أن يضعها غير اهل الرأي ومن أوتوا حظا كبيراً من علم الاجتماع فمونرو حينها قال ( اميركا للاميركيين ) و لم يقل واشنطن للواشنطنيين ولا شيلى للشيلين، لان البلد الواحد لا يمكن ان تنشأ فيه امـة كاملة مستقلة بخصائصها الاجتماعية من دينية واخلاقية لذلك كان استعمال مونرو  للكلمة صحيحا ومفيدا ولكن استعمال الناس لها ليس صحيحا على الدوام وإنما تصلح هذه الكلمة في محيط تكونت فيه امـة كاملة لها عن باقي الامم خصائص ومزايا لا يشاركها فيها غيرها ومتى  وجدت بلاد وفيها امة واحدة منفردة بخصائصها الاجتماعية جاز اطلاق هذا اللفظ في البلاد التي تسكنها أما اذا وجد أناس يقطنون بلداً من البلدان ولهم خصائص ومزايا يشاركهم فيها اخوانهم من سكان بلد آخر وكانت تجمعهم الخصائص المشتركة مع وحدة التاريخ فمن العسر على اولئك النفر أن يدعو في أرضهم دعوى ( مونرو ) في اميركا.

 فاللفظة المبحوث عنها كما قلت تصلح ان توضع في بلد تكاملت فيه أمة واحدة لها حاضرها ومستقبلها ولها ماضيها الذي تكونت منـه فمتى وجدت هذه الامة المستقلة جاز إطلاق هذا اللفظ في مجموع الاراضي التي تقطنها تلك الامـة لا في قطعة واحدة منهـا او بلد واحد (او جهة او اقليم) . ويعد من باب الخيانة على الامة الواحدة أن ينشأ فيها من لا يعرفون كيف تتكون الأمم وتتوحد فيصدرون أحكامهم الخاطئة في بيان ماهية الأمة وكيفيـة تكونها، حتى ينتشر خطأهم ويصير عقيدة للعامة فاذا تقرر ذلك في الأذهان ضاعت الأمة ولم يبق لها أثر في الوجود.

الأمة وتكوينها

وعدنا القراء في المقال الاخير ان نوجز نظريات علماء الاجتماع في الامة وتكوينها لنعرف بعد ذلك الامة التي تنتسب اليها حقا ونعلم من ذلك في اي مكان يجوز أن نستعمل كلمة ( مونرو ) وتكون مفيدة لنا. وها نحن اولاء نوفي بوعدنا فنقول : للعلماء في منشأ تشكل الامة آراء متعددة نوردها على الترتيب الاتي :

1- قالوا ( إن الأمة تتشكل من افراد تابعين لإدارة حكومة واحدة ) وهـذا قول بديهي البطلان فقد كان في جسم الدولة العثمانية امم متعددة ولم يتكون من المجموع أمة واحدة وكذلك بلاد الحكومة البريطانية تتشكل من أمم شتى، لا تربطهم رابطة اجتماعية واحدة.

2- قالوا ( بأن الأمة تتكون من الجماعات الذين يتكلمون لغة واحدة) وهذا قد يظهر صحيحا لأول وهلة لأن للغة تأثيرا عظيما في تكوين الامم ولكن اللغة لا يمكن ان تكون اساسا في تكوين أمة واحدة وهذه انكلترا وامريكا وكلا البلدين يتكلمون اللغة الانجليزية ولكن اللغة لم تستطع ان تكون من الفريقين أمة واحدة بل إن لكل من الفريقين مزايا وخصائص اجتماعية لا علاقة للفريق الآخر بها.

3- قالوا ( ان الامة تتشكل من الافراد التابعين لدين واحد ) واسكن هذه القاعدة قد يطرأ عليها شذوذ في كثير من الاحيان فهذا الدين المسيحي المنتشر في القارة الاوربية وكلها شعوبا وامما مختلفة تتنافر طباعها وخلائقها .

4- قالوا ( إن الأمة تتشكل من الأفراد الذين يقيمون ضمن حدود طبيعية واحدة ) وهـذه القاعدة أيضا لا تصلح أن تكون منشأ لتشكل الأمة، فسكان الجزر مثلا لا يمكن لكل جزيرة أن تشكل أمـة مستقلة، وسكان البلقان ربما كانت مناطقهم واحدة ولكنهم أمم مختلفة الطباع والأخلاق.

هذا خلاصة ما أوردوه في منشأ تشكيل الأمة.

وأنت ترى أن كل واحدة مما ذكروا لا تصلح ان تكون سببا في منشأ الأمة وإن كان مجموع ما ذكروا يصلح أن يكون سببا في تشكيل الأمة وعاملا كبيرا من عوامل تشكيلها، ولكن المنشأ الحقيقي الذي أوردوه ( ان الامة تتكون في الأدوار التـاريخية التي تمر على الافراد وهم مشتركون في السراء والضراء فمتى وجد افرادا اتحدت خصائصهم واشتركوا بالحس والمنفعة والتعاون الاجتماعي أمكن تشكيل أمة منهم.

خذ لك مثلا الأمة الفرنسية فإنها تألفت من ثلاث فرق كانت كل فرقة منها غير الأخرى ولكنهم لما وجدوا في المكان واحد واضطروا للدفاع عن أنفسهم أمام الطوارئ الخارجية مكونة منهم على مر الأيام أمة واحدة ذات وحدة تاريخية وحس مشترك.

توسع المؤلفون في تحديد الامـة كما توسعوا في البحث في منشأ تشكيلها ولكنا نحن اذا جئنا لأبحاثهم ودرسنا اوضاعهم وأردنا تطبيقها علينـا بصفتنا امـة عربية وجدنا ان نتائج درسهم وابحاثهم تنطبق علينا تمام الانطباق و تجعلنـا في عرفهم امة واحدة لا شذوذ في فرع من فروع اوضاعها فالعربي في سائر الاقطار التي يسكنها من بلاده تجمعه وحدة اللغة ووحدة المرمى والغاية وتجمعه وحدة الموطن والحدود الطبيعية، وتجمعه وحدة التاريخ، ذلك التاريخ المملوء بعظائم الامور وذكره يذهب الحسرات ويسيل العبرات في ان واحد وما ينقص العربي اليوم غير وحدة واحدة…

فالأمة العربية أمة واحدة في عرف جميع علماء الاجتماع، لها كما قلنا حاضرها ومستقبلها وماضيها الجميل وبلاد واحدة ليس باستطاعة فريق من أن يدعي الاستقلال لخصائصه ومزاياه وما نشأت فكرة الخطأ في دعوى استقلال قطر عن قطر إلا لوجود بعض دعاة التفريق في بعض البلدان حتى نشأت فكره الاستقلال الموضعي، ولذلك فقول سوريا للسوريين وفلسطين للفلسطينيين وما يتبع هذه الألفاظ من بلدان الأمة العربية هو قول خاطئ خاسر لا تؤيده قاعدة من قواعد العلم الاجتماعي ولا تنهض به حجة ولا تنصره مصلحة وطنية.

واعتقد ان منشأ هذه الفكرة في تقسيم الأمة العربية لمناطق، كان في المدارس الأجنبية في سوريا على الأغلب ولذلك نلقى بعض الشبان سوريا يلهجون بهذه اللفظة وهم لا يدرون ما وراءها وتوسعوا فيها حتى غدا الأمر كما قيل (في كل قرية امير المؤمنين ومنبر). أهل الساحل والداخل حلبيـون وشاميون بيروتيون وطرابلسيون، الى آخر هذه الجرائم والاخطاء .

بعد هذه المقدمة، نرجع إلى الحجاز لنرى موقعه من هذه المقولة، وأعني بها قاعدة ( مونرو ) لنرى إن كان بالإمكان تطبيق هذه القاعدة بالمعنى المفهوم من وضعها الاول في محيط الحجاز وحده ام لا . وقد سبق أن قلنـا بأن المكان الذي يصلح أن تطلق فيه هذه القاعدة هو المكان الذي تسكنه امة مستقلة كاملة بخصائصها ومميزاتها ، وقلنا أن دعاة التفريق في مدارس الاستعمار السوري هي التي اكثرت من ترديد هذه اللفظة في كل دائرة من دوائر البلاد ، وكان من أشياع هذه الفكرة بعض شبان الموارنة من مسيحيي لبنان وان كان الجمهور الاعظم من أهل الرأي في تلك الديار يقاومون اطلاق هذه القاعدة في تلك المناطق الضيقة ، فاذا وجد في الحجاز أمة مستقلة وتشكلت تشكلا اجتماعيا مستقلا عن باقي الافراد ، وكانت خصائصها تتميز عن خصائص جيرانها وتاريخها منفرد عن تاريخهم ولا علاقة لها بهم كما انه لا علاقة لهم بها فحينئذ يجب وضع هذه القاعدة واتخاذها اساسا للسير عليها لأنها تكون اذ ذاك قاعدة صحيحة لحفظ كيان الحجاز وبنائه.

لذلك كان علينــا ـ ولو كنا نورد ما هو معروف للعامة والخاصة في الحجاز ـ ان نبحث عن سكان الحجاز وتاريخهم لنعلم ما إن كان هناك أمة تسمى أمة حجازية بمعنى الأمة المستقلة الصحيحة أم لا توجد؟

ينقسم سكان الحجـاز الى قسمين سكان البادية والقرى والمزارع وسكان حواضر المدن . أما سكان البادية والقرى والمزارع فإنهم عرب اقحاح، يتصلون بتاريخ الامة العربية من اول نشأتها الى يومنا هذا ، ولا يمكن أن يطلق عليهم اسم امة من الأمم غير الأمة العربية ، فلغتهم عربية ودينهم عربي و بلدهم عربي وتاريخهم عربي وآباؤهم واجدادهم هم الذين قاموا بالإسلام وسالت دماؤهم في البطاح والشعاب وفي المرتفعات والسهول في سبيل اعلاء كلمة الله فهم جزء لا يتجزأ من الامـة العربية وهم من العرب وللعرب و بلادهم بلاد العرب كما أن غيرهم من قبائل نجد وسوريا والعراق واليمن لهم نفس الحكم الذي لهؤلاء ، فكلهم ابناء امـة واحدة وعصبة لقبيل واحد رضوا أم أبوا .

أما حواضر مدن الحجاز فقد اختلفت اجناس سكانها نظر لما ارتادها من اجناس البشر الذين اعتنقوا الاسلام، وأصبح الكثير من سكان تلك الحواضر من اخلاط شتى منهم من اضاع مزاياه وخصائصه التي ورثها من آبائه واجداده ودخل ضمن الامة العربية وعد عربيا . ومنهم من لم تمض على اقامته مدة طويلة فلا يزال يتكلم بلغة آبائه وبلاده التي قدم منها، ولم تتمكن الايام من جعل امة مستقلة ذات شعور واحد من هذا المزيج المختلط فالتركي المقيم في الحجاز مثلا والذي لم يندمج في العروبة لا يزال يشعر شعوره التركي ويعد نفسه من الترك والهنـدي كذلك والجاوي، كذلك وباقي الأجناس كذلك وهؤلاء الذين لم يندمجوا الاندماج الكلي في امة البلاد لا يمكن ان يعتبروا من أهلها الا بالطرق القانونية حسب نظام التابعية ونظام التابعية لا يكون سببا في تشكيل الامم.

وقد كان سكان المملكة العثمانية يحملون رعوية واحدة وهم مختلفو الأجناس والامم والملل والنحل . ولذلك يمكننا أن نقسم سكان الحجاز بعد هذا الى قسمين حقيقيين لا ثالث لهما البتة فتقول يسكن الحجاز : العرب ويقيم بينهم بعض من العجم ( غير العرب ) فالعربي في الحجاز هو ابن البلاد وغير العربي ـ أي الذي لم يتخلق بالخصائص والمميزات العربية – فهو من المجاورين الذين يقضون في الحجاز أما عملا دينيا او عملا دينيا وتجاريا . وعلى هذا فيمكننا أن نقول ( سكان الحجاز واهل الحجاز ) ولكن لا يمكننا أن نقول أمة حجازية وشعب حجازي، كما انه لا يمكننا ان نقول امة نجدية وشعب نجدى بل نقول أهل نجد وسكان نجد أما الامة فعربية والشعب شعب عربي اذ لا يوجد لكل واحدة منهما مزايا الامة من لغة وتاريخ، فلا توجد لغة حجازية ولا دين حجازي ولا أمثال هذه الخصائص والمميزات وكذلك الأمر في سوريا واليمن وباقي البلدان العربية .

قلنا إن الذي نشر هذه الكلمة بيتنا ودعانا للتمسك بها لم يرد لنا خيرا ولا جمع كلمتنا بل اراد تفريقنا فجاءنا بلفظ قد يظن سامعه لأول وهلة أنه من عناوين الاستقلال المحبوب للشعوب والأمم وافتتن الجهـلاء بهذا اللفظ لأنه أصبح قرينا للوظائف فإذا قيل بأن الحجاز الحجازيين استفاد منها ان الوظائف يجب أن تكون للحجازيين وأنه إذا لم يدر الوظيفة رجل من المقيمين في الحجاز ولو كان مولود من اب جاوي وأم شركسية، فتكون الحجاز قد أخذت من الحجازيين وسلب استقلال الحجاز وضاع أمره.

ولو وضعوا قاعدة أن الوظائف في الحجاز ينبغي أن تكون للحجازيين وأنه يجب أن يتمرن أهل البلاد على – الوظائف ليديروا شـؤون بلدهـم بأنفسهم ولتصرف واردات بلادهم لهم ، أقول لو فسرت كلمة الحجاز للحجازيين بهذا المعنى واقتصر عليها لهان الأمر وقلنا آمنا و صدقنا وأنه ينبغي للمقيمين في قطعة من بلاد العرب أن تكون وظائف الحكومة بها بيد اهلها لأنهم أعلم بمحيطهم من غيرهم، فمطلب الوظائف ومنافعها ليست في تلك المنزلة التي توضع لها اسس خاصة يكون تشكيل الامة مبنيا عليها فالموظف ليس غير خادم للمجموع يقوم على حراسة منافعهم، فليقال في سوريا مثلا أن الوظائف فيها السوريين وفي الحجاز للحجازيين ومتى وجد الحجازي الكفوء في بلده فهو احق بالوظيفة من كل من ماثله و كذلك قل في سوريا والعراق واليمن ونجد مثلا، أما أن يقال هنا أمة مستقلة بخصائصها وتاريخها ، وهناك أمة مستقلة، فلا ثم لا ثم لا، بلاد العرب للعرب والامة العربية أمة واحدة لا تتجزأ. تجمعها لغة لكتاب المنزل وذكر تاريخ آباء صدق دافعوا عن بيضة الاسلام بدمائهم وأرواحهم، أما الوظائف والمناصب، فدون هذا الطلب الأسمى. لهذا نقول ( وظائف الحجاز للحجازيين) أما غير هذا فلا يوجد في عرف علماء الاجتماع – فيما وصل اليه علمي القاصر- اساس يدل على أن الامة تتشكل بغير خصائص ومزايا مستقلة عن غيرها ومن كان لديه علم بغير هذا فليخبرنا لنستفيد (وفوق كل ذي علم عليم).

(الشيخ يوسف ياسين باسم مستعار (قارئ)، أم القرى الأعداد 117، 118، 119. مارس 1927)

التعليق