إن الدواعي الأمنية العسكرية من أهم العوامل التي أثرت في هندسة وطابع التراث العمراني في #عسير أو بالأحرى، ما بقي منه، فمعظم مابقي إلى الآن، تم تشييده على أنقاض سابقة، بسبب حملات الإبادة التي كانت شغوفة بهدم القرى ومساواتها بالأرض، فبعض تلك الأنقاض يزيد عمرها عن ٨٠٠ عام وأكثر.
أما الأثر والأطلال الباقية إلى اليوم، فلقد شيدت في مرحلة ساخنة من تاريخ المنطقة، والعالم.
مرحلة شهدت زخما رهيبا من التحولات المتشابكة، والمركبة. العنيف منها وغير العنيف.
ما أدى إلى انكشاف الوداعة عن هذه القرى، وحلول الصخب والخوف والأسى.
جمع العسيريون الأموال، والذهب، وقدموها إلى المندوب التركي صبيحة دخوله أبها وكان على رأس حملة من ١٨ ألف مقاتل، و٨ مدافع، وغطرسة وحقد بما يكفي لحرق كل شيء.
لكنه الباشة رفض تلك الفدية، وقال (ماجئت إلى هنا من أجل المال، جئت لأكون سيدا عليكم) .
عندها، توقفت تماما رائحة الريحان والحبق والجاوي، وطغت روائح الكراهية والخيانة، والبارود والجثث. توقفت (الخطوة) وبدأت (الدمة).
ثم. سالت الكثير الكثير من الدماء الطاهرة فوق الربى وفي السهول وارتوت الأرض منها شرفا وخلودا، كما لطخت ثوب التاريخ.
لقد كان يوما هائلا، عندما وضع الفلاحون معاولهم وحملوا البنادق، وضعو المناجل، وسنّوا الجنابي والسنان، وعصبوا الرؤوس، وتمنطقوا المعيّرات الرهيفة، واستخرج كل رجل مخزونه من الذخائر، والاسلحة والحنطة والمال.
كل رجل كتب وصيته، ودفنوها في حظيرة سفلية خالية، وغير ملفتة للانتباه.
حصل ذلك، بعد ان تم اخلاء القرية، من النساء والشيوخ والاطفال، بعيدا عن الفوضى القادمة، إلى حيث ديار الحلفاء الآمنة في الأصدار، او الاقل خطورة. فلا مكان آمن مازال العدو يتربص.
ولأن الحرب دائما ما تأتي بالشرور العظيمة. تحولت حياة البشر في تلك القرى النضرة، السعيدة، تماما من مزاج السلم الى مزاج الحرب، ونقلتهم من منتهى السذاجة الى منتهى البطولية. ومن وجه المعشوقة إلى وجه المدفع.
لذا غالبا، مااستبدلت النوافذ بفتحات صغيرة للرصد والتعامل مع العدو في حال حدوث هجوم او حصار، فليس للمعتدي في نهاية الامر، سوى خشم البندق.
وكلما كانت القرية مهمة عند الغزاة، زاد استهدافهم لها، ومن ثم زادت حصانتها وابتكاراتها الدفاعية.
ان حملات الغزاة المصرية والتركية والشريفية، على عسير، كانت بطبيعتها انتقامية، يدفعها وقود الثأر والتنكيل، نتيجة التمرد الجريء والمتواصل على المتغطرسين الذين اعتقدوا انهم سيظلون يحكمون الناس بالإرهاب والروح الفاشية الإجرامية.
ظنوا انها بلاد ستظل خاضعة بواسطة متصرفيهم الفاشلين وعساكرهم المرتزقة الجبناء، وزعامات قبلية منافقة، اشتروها بثمن بخس، مناصب ورواتب، وألقاب ليس لها معنى.
ظنوا انهم بهذه الاجراءات الفاشلة، قد أمنوا جانب الشعب في عسير. ولكن ما حدث هو العكس تماما.
ارسل الامير العسيري الى قائد الحملة التركية وهو متجه إلى عسير بجيش مجيش، “يا جناب الباشة أنت سيء الحظ، وجئت الى حتفك، وجيشك أهون من أن ينتصر”..
ثم وصلت الحملة اطراف عسير وهي مهزومة بالكلمات، فبدروا بها أعظم البدار، وفتكوا بها شر فتكا، وقتلوهم تقتيلا، وقضي الأمر في وقت وجيز، وهرب قوادهم وفلولهم ومن معهم من مرتزقة عرب، فراراً في جميع الجهات، بينما الزغاريد والأغاني ظلت تزف المنتصرين الى أن وصلوا أبها، وقد حباهم الله نصرا مؤزرا.
وبينما كانوا في انتظار الحملة القادمة، التي ستكون اضعافا مضاعفة في العدة والعتاد والعدد، عما كان في الحملة المهزومة شر هزيمة،
جعلوا نوافذ البيوت، في الأدوار الأرضية والعليّات، متارس ومنافذ للرماة. يضع البناء الفنان حجرين مسطحين، ينرفجان قليلا باتجاه الاسفل في شكل مثلث، فوقه مروة بيضاء، في شكل فني آسر يهدف إلى هزيمة العدو بقوة إبداع الجمال.
ومن ثم، يمنح الله الرجال القوة والسداد، لقتل اكبر عدد من الأعداء الأنذال، والذين بدورهم يحاولون الرد، واطلاق النار تجاه مصدرها شديد الصعوبة، فتترك كل طلقة للغزاة، أثرا في الحجر، ليكون دليلا على الجهة التي كان الله نصيرها، والجهة التي كان يقودها الشيطان.
أبها، من قرية العكاس ١٢ نوفمبر 2022.







