لقاء مع الفائزة بجائزة مجلة القافلة للرسم عام 1981
السيدة داليا أبواليزيد
مثل كثيرين غيري، أحب رسوم الأطفال. وأتذوق فنها الخاص، الكبير، وأتتبعها، وأرى فيها مصدرا هاما من مصادر تاريخنا الاجتماعي والفني. وهكذا هو الحال، فقد نشرت مجموعة رسوم للأطفال، عبر مدونتي ووسائل التواصل. رأيتها من أبرع الرسوم وأجملها، وكان من ضمنها ما وجدته من رسوم آسرة جدا في أعداد قديمة من مجلة القافلة. على رأسها لوحة داليا أبواليزيد “مدرسة البنات في تثليث” 1981.
حاولت الوصول إلى صاحبة رسمة “مدرسة البنات في تثليث”. انتابني فضول شديد تجاه معرفة أخبارها وأين ذهبت بها الأيام.
علمت في البداية أنها من مصر من خلال لقب الأسرة، وكذلك كان تعبير الرؤية الفنية في لوحتها البديعة. أنها لخيال طفلة من خارج المكان. وتواصلت مع زميل في القاهرة، الصحفي “أكرم محمد”، فحاول مشكورا، مساعدتي، ولكن دون جدوى.
كنا وقتها في 2015. ونشرت الرسمة في مدونتي لتعثر عليها عن طريق الصدفة، صاحبتها السيدة داليا أبواليزيد، بينما كانت تفتش عن اخبار مدرستها القديمة، وزميلاتها، وعن طريق عظمة التقنية وتطوراتها، وجدت أخيرا عنوانا يوصلني إلى هذه الفنانة ويتيح لي التواصل معها عبر حسابها في تويتر.
إن هذا الأمر معناه كبير جدا، يفهمه من يدرك الشغف في تقصّي مثل هذه الحكايات. إن كنت منهم، فلقد حققت بذلك نجاحا لا تنساه طوال حياتك.
هذه الطفلة، التي أعلق لوحتها في منزلي منذ سنين، ها أنا أجدها من بين مئات الملايين من البشر فوق هذه الأرض، وأستطيع أن أتواصل معها بكل سهولة.
تقول السيدة داليا أبواليزيد، عن الصدفة التي قادتها إلى هذه الرسمة، التي رسمتها قبل أكثر من أربعة عقود، إنها كانت تبحث في وسائل التواصل عن أي شيء من ذكريات مدرسة تثليث للبنات، “أردت أن أرى كيف أصبح شكل المدرسة بعد السنين الطويلة من التطور في السعودية، فوجدت بالصدفه الرسمة اللتي رسمتها ، ورسمة أخي إيهاب، والتي شاركنا بها في مسابقة مجلة القافلة، فأعادتني إلى أيام الطفولة الجميلة ببلدة تثليث” .
كان الهدف من نشر هذه اللوحة وغيرها عبر المدونة الشخصية وحسابي في تويتر، هو الوصول إلى أصحابها بعد مضي عشرات السنين. فضول شديد يسيطر على مخيلتي عندما أشاهد أثرا جميلا لشخص في طفولته، أو شبابه، فأندفع نحو البحث والتقصي للوصول إليه ومعرفة أخباره وكيف مضت به الأيام.
داليا محمد أبواليزيد خلف. العمر 9 سنوات. الصف الثالث الابتدائي. مدرسة تثليث للبنات. التاريخ: 1981.
تخبرني بعد مرور كل هذه السنين أنها لا يمكن أن تنسى حلاوة أيام الطفولة في تثليث. حيث قضت مع أسرتها 15 عاما في السعودية. عاشت خلالها ما بين بيشة وخميس مشيط وأبها، مستقرة في تثليث.
كان والدها يرحمه الله يعمل في فرع الضمان الاجتماعي بمحافظة تثليث، أخصائي اجتماعي.
بينما تعمل والدتها معلمة في مدرسة البنات.
أعلنت مجلة القافلة عن مسابقة للرسم مخصصة للأطفال.
تفوز داليا بالمركز الأول. بهذه اللوحة الرائعة، ويتم تكريمها واستقبالها من قبل ممثل شركة أرامكو، أو مجلة القافلة، حيث تسلمت منه جائزتها التي كانت “كاميرا تصوير”.
هل هناك أنسب أو أذكى من هذه الجائزة؟؟
في مثل هذه التفاصيل تكمن قوة التأثير والأثر الاجتماعي العميق لشركة أرامكو. وفي مثل هذه الأعمال المتقنة في رعاية المجتمع ودعم مواهبه في شتى المجالات، تكمن الاستثنائية الخاصة بهذا الكيان المرموق، في خدمة المجتمع والمعارف والفنون.
تقول السيدة داليا أبو اليزيد تعليقا على أيام طفولتها في الثمانينات الميلادية، والتي قضتها بين تثليث وبيشة وأبها وخميس مشيط :
والله كانت أجمل ذكريات..
“درست في السعودية كل مراحل تعليمي الأولي من الابتدائية حتى الثانوية العامة. في الثانوية درست نظام المنازل في بيشة حيث لم تكن في تثليث ثانوية للبنات بعد، وكنا نذهب إليها في أول سنة من خلال الطريق الصحراوي المختصر، ثم عبر الطريق المسفلت بين تثليث وبيشة”.
عن رسمتها الفائزة بجائزة القافلة، تقول السيدة أبواليزيد “لقد كانت فكرة والدي يرحمه الله.. المعلمات ونحن خارج المدرسة.”
وتشرح باختصار “أعيش الآن في بلدي مصر، الإسكندرية. زوجي يعمل قبطان في النقل البحري الضخم، “ربّان أعالي البحار” . لدي ابن عمره 25 عاما ، يدرس في الأكاديمية البحرية وابنة واحدة، تخرجت من كلية التربية الفنية وتعمل معلمة وهي أم لابنتين”.
تشير السيدة داليا أنها لم تتوقف عن الرسم “ولكن لم يعد لدي وقت، لانشغالي بمذاكرة القران الكريم فذلك هو هدفي الأساسي الآن”.
درست السيدة أبواليزيد في كلية الخدمة الاجتماعية وتخرجت من أخصائية اجتماعية، وقد اتبعت والدها في تخصصه المهني. بينما درس شقيقها إيهاب الهندسة الزراعية وعمل في مجال تخصصه بالقطاع العام.
اليوم هما متقاعدان. وأصبح لدى الطفلة داليا أبناء وأحفاد.

تقول إنها شهدت تطوير بلدة تثليث في مرحلته الأولى، مطلع الثمانينات.
وتشير إلى معلومة مهمة “كان والدي رحمة الله عليه قد تطوع وقام بتصميم مجسم فني لـ”دلة وجنبية” وضعته البلدية في ميدان بتثليث ولا اعلم اذا كان مازال موجود ام لا”.
إنها تتحدث عن واحد من أشهر معالم تثليث عند جيل الثمانينات، ويعرفه جيدا كل من عاش في تثليث أو زارها، خلال العقود الثلاثة الماضية.
لقد كان حضور الأشقاء العرب من مصر والسودان والشام واليمن، وغيرها من البلدان، قد أضفى إلينا وإليهم على حد سواء تجارب وخبرات ومعارف كثيرة واطلاع على أمزجة جديدة وثقافة جديدة وتقاليد تختلف عما عرفناه جميعا في حياتنا.
إنني شديد الشغف بمثل لهذه النماذج المشعة. نماذج الناس العاديين البسطاء، الذين يحملون في أرواحهم أعظم ما يكون من صور العطاء، ورقي الإنسانية، وطيبة البشـر. أحب سيرهم المضيئة، لأن هؤلاء الشركاء العظماء، لا يجب أن يمروا بصمت. فمثل تلك الشخصيات الرائعة لا يمكن تجاوزها أبدا حين نشرع في تدوين تاريخنا الاجتماعي وقصتنا الخاصة بنا نحن السعوديين.
من أولئك والد هذه الطفلة الفنانة، محمد أبواليزيد الذي وضع بصمة فنية في تثليث، في بدايات النهضة فيها، تلك الديار التي في قلب كثيب من الصحاري وتختفي خلف حاجز من الجبال والنخيل. تتوارى في تلك الجغرافيا طبيعة حرة. وملامح أصيلة للإنسان العربي والمجتمع العربي في شكله الأصيل.
مدرسة وجامع ومستوصف وبيوت قليلة ومتواضعة. تثليث الثمانينات.
يأتي رجل مصري من الإسكندرية ، ربما غير متخصص في الفن، لكن روحه فنانة، ربما ليس مهندسا لكنه قد عشق الأرض والناس وأسلوب الحياة البسيط والصادق في تلك الديار. ثم في ذلك الوقت المبكر من نهضتنا الفنية والحضارية والتنموية، يصمم مجسما للجنبية والدلة لميدان عام، كان ذلك أكثر ما لفت نظره في هوية تثليث وأهلها الكرام.
ثمة أيضا الطفلة داليا ولوحتها الفائزة، والكاميرا التي دونت بواسطتها لحظات رائعة من حياتها كانت قد عاشتها وسط عائلتها في تثليث، بسلام واستقرار و”سعادة لا وصف لها” بحسب تعبير السيدة أبواليزيد.
وأيضا، ما هو أكثر من ذلك: توثيق حقبة هامة من تاريخنا الاجتماعي في مدينة تثليث، جزءاً لا تكتمل الصورة إلا به، من قصتنا وقصة بلادنا، كما ترويها الصور والرسومات البريئة الخالية من كل شيء عدا الفن والمحبة.
زودتني السيدة داليا أبواليزيد بهذه المجموعة من الصور مشكورة

















