من أوراق “محمد عارف” – مخطوط

مخطوط يعود إلى المعروف باسم “محمد عارف بن عبدالله بن سعيد أبوحكمة”- يرحمه الله- من بني مغيد من قرية العكاس[1]، من الأسرة الكريمة المعروفة في أبها وعسير عامة.

وكل ما استطعت معرفته عن صاحب المخطوط، كان القليل جدا من المعلومات العام، فاسمه “مركب”، “محمد عارف” بن عبدالله بن سعيد، وهو شقيق الوجيه المعروف في قبيلته بني مغيد وأبها، وفي عسير عامة الشيخ: سعيد بن عبدالله بن سعيد أبوحكمة. يرحمهم الله جميعا.

كان “محمد عارف” زاهدا مضربا عن الترف والحياة، وكان لا يمارس الفلاحة والزراعة والأعمال اليومية التي يقوم بها الآخرين، وكان شديد الانطواء، نهم القراءة محبا للتعلم والبحث والكتابة والوعظ والتدوين، وعلمت أنه كان يدون مذكراته اليومية الخاصة بقلم الرصاص.

أما هذا المخطوط فهو من الأوراق التي كتبها “محمد عارف” بريشة الكتابة المصنوعة من الصوف واستعمال الحبر الأسود. وما وجدته من كامل المخطوط هو 8 صفحات فقط في 4 أوراق مترادفات، ويحمل خطبة دينية ، لعلها خطبة جمعة حيث تحمل إحدى الصفحات إشارة إلى الوقوف اللازم.

تحمل الخطبة إشارات تاريخية هامة، حيث كتبت في حدود الخمسينات من القرن الهجري الماضي 1350 – 1360.

ومنها ما يشير إلى وجود أصوات في عسير تناهض دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكان الشيخ محمد عارف شديد في الألفاظ والمعاني في رده عليهم، ونفاحه عن دعوة الشيخ، كما يسرد بأسلوب آسر مناصرة الإمام سعود للشيخ محمد عبدالوهاب، ويذكر انتقاله من العيينة إلى الدرعية، بسبب قلة المناصرين وكثرة الأعداء.

وتحمل استشهادات صاحب المخطوط ما يشير بوضوح إلى سعة اطلاعه، وإلى بيئة علمية زاخرة بالمصادر قد نشأ فيها، وقد نشأ في العكاس، التي أظهرت الكثير من العلماء الأفذاذ ومن أبرزهم والد الشيخ المعروف “هاشم النعمي” والشيخ هاشم نفسه، وغيرهما يرحمهم الله، من الذين ذكرهم التاريخ أو بقي منهم أثر، أو غيرهم من الذين اندثر ارثهم كاملا ومازالوا في عداد المجهولين.

لقلد تعرضت هذه القرية المهمة “العكاس” إلى العديد من حملات الإبادة خلال القرنين الماضيين، تحديد الحملات التركية والمصرية، وفي كل مرة يكون شغف الإبادة عند هؤلاء الغزاة أكثر استفحالا وتفاقما من المرة السابقة، وتشمل الإبادة حرق كل الأوراق والمكتبات التي تطالها أيديهم.

لقد عمرت المعارف -المحدودة في تراث علوم الدين، وشيء من الأدب- “قرية العكاس” خلال القرون الماضية بلا شك، أو لنقل الماضي القريب والبعيد لهذه القرية، فكل ما في العكاس، وما يأتي على ذكرها في سطور التاريخ، وآثارها التي بقيت شاهدة إلى اليوم، وما أنجبت من أعلام، وشخصيات مميزة، جميعها تؤكد هذا الجانب المميز من هذه البلدة التاريخية العريقة، كتميزها في غيره من الجوانب مثل فنون الصناعة والبناء والحرب.

يقول نائب القرية في إحدى المناسبات “إن القرية تقع في شبه جزيرة، يحيط بها واد من أكبر الأودية، بنى فيها الآباء والأجداد بسواعدهم مباني شاهقة، عاشوا فيا ما يقارب ٣٠٠ عام، وخرج منها العلماء والقضاة والأدباء والمفكرون والعسكريون من مدرسة كانت تسمى “مِعلامة” وكان المسجد الجامع الموجود حالياً في القرية مصدر إشعاع لتلك الحضارة والثقافة والتربية” [2].

(الصفحة الأولى للمخطوط تبدأ بعد صفحات مفقودة سابقة ويعلو صدرها كتابة غير مفهومة بالنسبة لي).

نص المخطوط مع حاشية الهوامش والإيضاحات والتعليقات:

.. ماهيتها وقد اماتوا السنن النبوية وأحيوا البدع الأبوية واخملوا ذكر من يحيي لهم الدين وأشاعوا صيت من يجيز[3] لهم طرق المعتدين وكل ذلك شاهر ظاهر إلا من شرح الله صدره بالإسلام فلا حاجة إلى[4] إعلام ما هو معلوم إلا لمن غشت بصيرته ظلام الأوهام[5] الذي استهوته الشياطين في الأرض، حيران له اصحاب يدعونه إلى الهدى اتانا وهو يقول بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا فإنهم سادتنا وهداتنا فلما رأى شيخنا هذا رجح السفر على الوطن واستوحش مأنسه الذي قطن ودار البلاد واعى وصى العبادة وباحثهم عن المبدأ والمعادي فجدا في وجدان ضاله الاسلام فقلما ولم تزد منا شدته اياهم الا شر حاسد اذا حسد ولم يرى فارسا وبارزا للدين ولا في الشام شامه يقصدها المهتدين ولا الهند سيفا من سيوف الله مهند ولا في السند سندا لحديث الى دعوه الحق مسندا فكلَّ الشيخ وملَّ[6] حيث على قلة من ناصري الدين استدل فقال العود احمد ثم دخلنا النجد الأنجد[7] وبايع الأمير سعود الاسعد فساعده على إسعاد دين محمد وواعده بتجديده على الأساس الذي أسسه عليه النبي محمد فصدق الامير عده وجنه جنده فالحمد لله الذي وفق عبده ووثق عهده وهزم المشركين والمنافقين وحده اما انتم ايها المخالفين للشيخ[8] فما انتقمتم منه الا نقدا أنه أيد السنة علما وعملا وغلب مخالفيها مناظرة وجدلا  وخيلا وقولا أتدرون إن تقتلوا رجلا يقول ربي الله أو تحسدون الناس على ما اتاهم من فضله حسد الفتى اذ لم ينالوا سعيه فالكل اعداء له وخصومه كبرير الحسنى يقولن لوجهها حسدا وبغيا انه لذميم اما لكم لا تقومون قيامه لتنالوا انتم ايضا مقامه كلا بل لو تقومون فالتفت الساق بالساق مما تلدغكم حيّة الوهم[9] وتقولون من راق وتظنون انه الفراق

شعر

فللزنبور والبازي جميعاً[10] لدى الطيران أجنحة وخفقُ

ولكن بين ما يصطاد بازي وما يصطاده الزنبور فرق[11]

فنسر طائر فوق السماء ونسر واقع في جيف الفلاء [12]

عذيرنا منكم فإنكم غافلون عن أقوال السلف في منع أنواع البدع الشرك والبدع وتشديدهم في ذلك لو أنها عرضت عليكم برمتها لنسبتموها الينا وكفرتم قايلها وكل من قال بها فهلا نظرتم في كتب الإمام محمد الغزّالي [13]   وقوت القلوب للشيخ ابي طالب المكي[14] وأمثالهما حيث ذموا محدثات الأمور قلها وجلها وشنعوا على محدثيها والعاملين بها ليت شعري ما ذنبنا غير انهم قالوا وعملوا بها انفسهم ولم يتأتى لهم القيام بأجر إليها ونحن بعون الله تعالى قدرنا على اجر ما نقول ونعمل فيمن نسوسهم ونجاهد من خالفنا حق الجهاد ونجهد جهدنا في انتشال الدين إلى كلمة الحق ولو قدروا اولئك الأكابر لفعلوا ولقام عليهم سلفكم الصالح قيامكم علينا فالحاصل أن الله يهدي أهل البوادي والنوادي بدعوة هذا الشيخ الهادي[15] أدام الله سعده ورضي عنه رضى لا سخط بعده ثم اعلم ان اصول ديننا معشر اهل السنه والجماعة معلومة وأحكامها محررة مرقومة فلا نطيل الكلام بإيرادها ولكنا نبين خلافنا فيما استحسنتم من أضدادها[16] فأقول لا يعبد غير الله بعباده شرعيه كانت او عرفية طبيعية كانت او صناعية. الشرك هو تجنب جميع أقسامه صغيره وكبيره البدعة لا يحل منها للسني إلا كما يحل للمضطر من الميتة. ذرائع الشرك تسدّ كلها. الرضا بالكفر أو الشرك كفر. ومن جمع بين صغاير الشرك فقد وقع في شرك أكبر. لا يُقلد أحد غير محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا تشريع الا لله حقيقة. وإلا لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً، ومن ضاد كلمه لا إله الا الله وان محمد رسول الله فقد برأت منه ذمة الله ورسوله ولا ينفعه مجرد ادعاء الإسلام وأن المتشابهات نؤمن بظاهرها ونَكِل علم حقيقتها الى الله تعالى وان التمسك بتأويلها بدعة سيئة وان صفات الله التي وردت في القران والأحاديث كلها ثابتة لله تعالى على مراده ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم. وان كانت غير معقولة المعاني فقلنا الإيمان بها وليس لنا ان نتأولها أو نرد بها إلى مقتضى عقولنا وأن الكفر بالطاغوت مقدم على الإيمان بالله وأن الطاغوت يجتنب ويزال أو يغير إلى أن لا يبقى طاغوت كاينا ما كان. وأن السواد الأعظم من هذه الامة المرحومة هم المؤمنون الموحدون المتبعون للسنة وإن قلّوا حتى لو لم يبقى منهم إلا واحد فهو السواد الأعظم وأن الشفاعة شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عموما وخصوصا بإذن الله تعالى لمن أراده هو عز وجل واتبع إرادته صلى الله عليه وسلم كي يشفع له حق. ثابتة نؤمن بها وكذا شفاعة الشافعين ومنكرها مبتدع ضال لا يبعد أن يكفر وأن اسعد الناس شفاعته صلى بشفاعته صلى الله عليه وسلم من قال لا اله الا الله خالصا مخلصا بلسانه ومطمئنا قلبه بالإيمان لا حاد الله ورسوله وضادّ كلمة لا اله الا الله محمد رسول الله وزعم مع ذلك انه مسلم..)

انتهى نص المخطوط


[1] العكاس ، بلدة قديمة ، تصنف اليوم قرية ، تقع شمال غربي أبها على مسافة قصيرة 10 كم

[2]  جريدة الرياض 26 يناير 2020، تقرير للصحفية مريم جابر

[3]  الأصل “يجوز”

[4]  الأصل “إلا”

[5]  تعبير أدبي يتكرر بأشكال متعددة، مما يدل على الوعي الأدبي الذي يتمتع به “محمد عارف” صاحب المخطوط

[6]  يشير إلى خروج الشيخ محمد بن عبدالوهاب من العيينة إلى الدرعية حيث التقى الإمام سعود الذي حماه وناصره ونشر دعوته

[7]  يقصد الدرعية

[8]  يبدو أن وقت كتابة هذه “الموعظة” أو “الخطبة” كان مزامنا لظهور أصوات فكرية دينية تناهض دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في عسير.

[9]  تعبير أدبي جميل يوضح حالة الوعي باستخدام الصور والتشبيهات وفنون البلاغة وتأثيرها على المتلقي، وتدل كذلك على المستوى المميز لثقافته الأدبية وقدراته الخطابية الوعظية. 

[10]  الأصل “جمعا”

[11] أبيات للشاعر الحموي، ويبدو أن كاتب المخطوط كان واسع الاطلاع كثير الاطلاع عاش في بيئة علمية زاخرة بالمصادر المعرفية وهي قرية العكاس التاريخية في عسير.

[12] لعلها من شعر المؤلف : محمد عارف

[13]  أبو حامد الغزّالي

[14] قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، أبو طالب المكي (ت ٣٨٦هـ)

[15] يعني الشيخ ابن عبدالوهاب

[16] أو لعلها “أجنداتها أو إضبارتها” غير واضحة وعلى سطرين متلاحقين


المخطوط بي دي إف PDF

التعليق