وثيقة روتنشتاين: مقترح دولة يهودية في الإحساء

كتب منير العجلاني (يرحمه الله) :

“هذه الوثيقة الخطيرة تكشف لنا عن محاولة لئيمة قام بها جماعة من اليهود بزعامة الدكتور روتنشتاين، لاحتلال الأحساء، ولكن الملك عبد العزيز خلد الله ذكره – كان قد استولى على الأحساء، وعرف الإنكليز قوته وبأسه..” “وأعتقد غير مفاخر أنني أول من نقلها إلى العربية بنصها الكامل”.

مقدمة :

نعرف أطماع الصهاينة في وطننا العربي، ونعرف أن مشاريع كثيرة عرضت عليهم لينشئوا وطناً أو دولة لهم في إفريقيا أو في جهات أخرى من العالم، ولكنهم أبوا إلا أن يقيموا دولتهم في فلسطين، ولكن الأمر المدهش هو أن زعيماً يهودياً أعد مشروعاً كاملاً لاحتلال الأحساء وما جاورها وإقامة الدولة اليهودية فيها هاجر هذا الزعيم اليهودي، واسمه الدكتور روتشتاين، إلى فرنسا وأقام في باريس، يعد الخطط والمؤامرات لغزوه المرتقب، ويبدو أن معلوماته عن الأحساء كانت ناقصة، فهو كان يظنها باقية في يد الترك أو غيرهم من المتغلبة، ولم يكن يعلم أن عبد العزيز حررها وضمها إلى الدولة العربية الصاعدة. 

ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى، اشترك فيها ابن روتشتاين في القتال تحت راية الجيش الفرنسي، قرر روتشتاين تنفيذ مشروعه، ولكنه لم يفاتح بذلك الحكومة الفرنسية التي يعيش في بلادها، وإنما أراد أن يستعين على تنفيذ مشروعه بالحكومة البريطانية، فذهب إلى السفارة البريطانية في باريس، وقدم إلى السفير البريطاني: فرنسيس بيرتي مذكرة باللغة الفرنسية هذه ترجمتها:

ترجمة الوثيقة

باريس في 12 أيلول 1917

صاحب المعالي السيد سفير انكلترا في باريس… يشرفني أن أقدم لمعاليكم اقتراحاً، وأسمح لنفسي أن أرجو منكم التفضل بمنحه عنايتكم وثقتكم السامية، ولكنني أحرص قبل الدخول في الموضوع، على إعطاء معاليكم دليلا على المزايا التي تميزت بها عائلتنا من كرم الخلق وروح التصميم والإقدام، وذلك بأن أضع تحت أنظاركم أسطرا من آخر كتاب صدر للسيد موريس بارس، وهو رئيس عصبة معادية للأمة اليهودية، ولكنه برغم عداوته، أثنى على ابني الذي مات بشجاعة بطولية في فردان خلال هجوم قامت به كتيبة قادها وسار على رأسها، هجم ابني على حصن قوي للعدو واحتله وتجاوزه، واستطاعت فرنسا يومئذ أن تدخل تلك المنطقة وتحتفظ بها، فليكن الدم الذي بذله ابني بسخاء وطواعية شفيعاً لي عند معاليكم، أستحق به ثقتكم السامية وارتياحكم إلى الاقتراح الذي أقدمه إليكم هاهنا.

وهذا هو الاقتراح

أتعهد بأن أجمع، للربيع القادم، جيشاً يهوديا مقاتلاً، مؤلفاً من مائة وعشرين ألفاً من الرجال الأصحاء الأقوياء، أختارهم من بين الرجال الذين لم يطلبوا للتجنيد وهذا الجيش الذي نستطيع مضاعفته خلال وقت قصير، سيعاون جيوش الحلفاء، ضمن شروط محددة. إن عرضي الذي يبدو لكم أول وهلة مغرقاً في الخيال، ستزول عنه صفة الخيال والوهم متى وصل آلاف الرجال إلى أماكن التجمع المعدة لهم.

أما الشروط التي أجيز لنفسي اشتراطها فهي الآتية:

1 – يصبح إقليم الأحساء التركي على الخليج الفارسي -باستثناء الكويت- دولة يهودية.

2 – تؤسس هذه الدولة بغزو مفاجئ تقوم به الجيوش اليهودية متى بلغ تعدادها ثلاثين الف رجل، ينظمون ويدربون ويجهزون في المكان المعد لتجمعهم، وهو جزيرة البحرين في الخليج.

3 – جميع نفقات التجهيز والتسليح والنقل والتموين وسائر اللوازم تقدم سلفة، إما من إنكلترا وحدها أو من الحلفاء، وتعتبر المبالغ المسلفة الدين الأول في ذمة الدولة اليهودية.

4- المدربون وقسم من هيئة القيادة، يقدمهم الحلفاء ولكنهم يصبحون في خدمة الجيش اليهودي ويرتدون ملابس هذا الجيش.

5 – لا تحارب الجيوش اليهودية إلا في آسية.

 6 – وحرصاً على حماية مصالح الأمة اليهودية من ناحية، وعلى ضمان تنفيذ تعهداتنا بإخلاص تجاه الحلفاء، من ناحية ثانية، أرى واجبا علي أن أقوم أنا نفسي بالإشراف الأعلى على المشروع، من البدهي أن أحيط نفسي بمعاونين أكفياء وأن أستنير بآراء رجال الدولة في إنكلترا ودول الحلفاء.

 7 – إن المشروع بكامله وحتى اللحظة التى يتم فيها احتلال الأحساء سينفذ بسرية تامة وحتى الأشخاص الذين سيدعون إلى تشكيل الجيش اليهودي لا نستثني أكثر الضباط والمعاونين، سيبقون جاهلين كل شيء عن المشروع وبخاصة عن ( غرضه الأسمى)، وذلك طوال الزمن الذي يستغرقه الإعداد للاحتلال.

 وإليكم الآن رأيي في التسلسل الزمني للأحداث، أو كيف يجب ان يتم إنجازها تدريجيا:

أولا: يعقد مشروع معاهدة بين الحلفاء وإنكلترا وبيني بصفتي ناطقا باسم الدولة اليهودية المقبلة، وبما أننى لا أملك في الوقت الحاضر صفة للتفاوض وإبرام معاهدة فإن المعاهدة تحمل مؤقتا صفة مشروع، ولكنها تصبح معاهدة نهائية متى تألف مجمع ديني «سينهيدريون» من الربابنة يُقرني على عملي، وتصبح لي بذلك شخصية قانونية رسمية.

 ثانياً : تنظم مراحل الإعداد للمشروع لجنة عليا أقوم بتأليفها وتساعدها لجان فرعية، حسب الحاجة.

ثالثاً: ينقل الرجال إلى جزيرة البحرين حيث تعد معسكرات للتدريب تتسع لثلاثين ألف رجل ، وتجمع فيها كل عناصر التسليح والتموين….الخ

رابعاً : يبدأ الرجال المجتمعون في البحرين لخوض الحرب، وتؤلف طبقة القيادة، كما يشكل مجمع السنهيدريون الشرعي، بما يتفق والديانة اليهودية.

خامساً: تحتل منطقة الأحساء التركية ويعلن قيام الدولة اليهودية ويعترف الحلفاء بهذه الدولة الجديدة .

سادساً: تنظم الدولة الجديدة بسرعة وتصل كتائب جديدة فتنظم وتُدرب.

سابعاً : بما أن حالة الحرب تكون قائمة بين الدولة اليهودية وبين تركيا، نتيجة لغزو أراضي هذه الأخيرة، فإنا الجيوش اليهودية تدخل فورا ساحة الحرب وتبقى فيها حتى الظفر أو الهلاك.

خارطة الاحساء المرفقة بالرسا
خارطة الاحساء المرفقة بالرسالة – المكتبة البريطانية

 إن إعلان الدولة اليهودية واعتراف الحلفاء بها يؤلفان حدثا عظيما من شأنه أن “يكهرب” مشاعر الامة اليهودية، ويثير فيها تيارا عاطفياً قوياً نحو الحلفاء، لأن الدولة اليهودية ستصبح جزءا منهم، وسينتج عن ذلك تدفق أموال لا تنضب وازدياد عددا المقاتلين كما أن ا ن الجنود اليهود في صفوف الحلفاء لن يكتفوا بأداء واجبهم وإنما سيصبحون أبطالا، وأما الجنود اليهود في جيوش تركيا والنمسا فستشل عاطفتهم فلان يقاتلون وفي روسيا سيكون الحماسة اليهود الطاغية تأثير عظيم في مواطنيهم المسيحيين.

 وقبل الانتهاء، أحب أن أؤكد أن هذا الاقتراح لا سابقة له إطلاقاً في الأوساط، المسماة بالصهيونية لأن تطلعاتها لا تتفق وتطلعات أصدقائي وتطلعاتي الذاتية، هذا إلى أنني غير راض عن أساليبهم.

واني لأجيز لنفسي في الختام، أن التمس منكم مقابلة غداء بعد الظهر الحصول عليه. لأعرف تعقيبكم على اقتراحي ولأقدم إليكم كل إيضاح ترون فائدة في الحصول عليه.

وعلى أمل التشرف بثقتكم السامية، أرجو من معاليكم التلطف بقبول التعبير عن عواطف الإخلاص والاحترام.

التوقيع : دكتور .م. روتشتاين


* المصدر: أوراق منير العجلاني، كتاب المجلة العربية مايو 2010

التعليق