أبو الأتراك في عسير بعد تدهور قوات الجندرمة – فصلٌ منسي من حياة مصطفى كمال أتاتورك

حين يُذكر مصطفى كمال أتاتورك، يتبادر إلى الأذهان مؤسس تركيا الحديثة، لكن قلة يعرفون عن محطته في عسير عام 1910، حين أوكلت إليه مهمة صعبة في منطقة مضطربة. بين تمرد العسيريين، وانهيار انضباط الجندرمة، وصراعات القوى المحلية، كان على الضابط الشاب فرض النظام وإعادة هيبة الدولة العثمانية.

رغم أن نقله إلى عسير اعتُبر من بعض الباحثين، منفى سياسياً بسبب خلافه مع قادة الاتحاد والترقي، إلا أن مصطفى كمال أظهر براعة في التنظيم والقيادة، واستثمر التجربة في صقل شخصيته العسكرية. في عزلة عسير، بعيداً عن مسرح السياسة، تبلور جانب من شخصيته التي ستقود لاحقاً تحولات تركيا المصيرية.

تخرج مصطفى كمال من الأكاديمية الحربية في 11 يناير 1905 في المرتبة الخامسة، وتم تعيينه برتبة نقيب أركان حرب في الجيش الخامس في دمشق حيث بدأ مهمته التدريبية.

وأسس مصطفى كمال، مع زملائه أثناء خدمته في دمشق (أكتوبر 1906)،  جمعية “الوطن والحرية”. وقد أنشأت الجمعية فروعاً في مدن مختلفة على طول السواحل السورية واللبنانية والفلسطينية. لاحقاً، عندما عاد مصطفى كمال إلى سالونيك، أسس فرعاً آخر هناك، لكنه اندمج لاحقاً مع جمعية الاتحاد والترقي. 

وهكذا، توحدت الجمعيات التي أنشأها الضباط المعارضون لإدارة السلطان عبد الحميد الثاني حول هدف مشترك لإقامة نظام دستوري في الدولة العثمانية.

في 30 سبتمبر 1907، تم تعيين مصطفى كمال تحت إمرة قيادة الجيش الثالث وعُين في سالونيك كضابط أركان حرب. إلى جانب مهمته الرسمية، شارك بفعالية في أنشطة جمعية الاتحاد والترقي، وعمل أيضاً على تطوير قدراته كضابط أركان حرب.

كان مصطفى كمال في سالونيك أثناء إعلان الدستور الثاني. وبعد فترة قصيرة من الإعلان، أُرسل مع القوات التي تحركت لقمع التمردات المناهضة للنظام الجديد إلى طرابلس الغرب، ثم عاد بعدها إلى سالونيك في 13 يناير 1909 وتولى منصب ضابط أركان في الفرقة الاحتياطية السابعة عشر.

وفقاً للوثائق الموجودة في أرشيف الدولة العثمانية، بعد عودته من طرابلس الغرب، تولى مصطفى كمال أيضاً قيادة مدرسة الجندرمة الجديدة في سالونيك بجانب مهمته كضابط أركان. وقبل ذلك، كان أحد أصدقائه المقربين، علي فتحي بك، يتولى هذا المنصب. ويبدو أن مصطفى كمال، رغم رتبته الصغيرة نسبياً، تم تعيينه في هذا المنصب المهم نظراً لمهاراته وقدراته.

عقب حادثة 31 مارس، تم تعيين مصطفى كمال رئيساً لأركان الفيلق المرتب الأول في جيش الحركة الذي تحرك من سالونيك إلى إسطنبول لاستعادة النظام. وبعد دخول جيش الحركة إلى إسطنبول، تولى مصطفى كمال قيادة مركز جندرمة غالاتا سراي.

رغم اندماج جمعية الوطن والحرية مع جمعية الاتحاد والترقي، إلا أن مصطفى كمال لم يحقق ما كان يأمله داخل الجمعية. فقد أدى انخراط الجيش في السياسة، كما ظهر في حادثة 31 مارس، إلى نتائج سلبية على وحدة البلاد، مما دفعه للدعوة إلى ضرورة فصل الجيش عن السياسة، وهو ما قوبل بعدم الترحيب من قادة الاتحاد والترقي. نتيجة لذلك، بدأ التفكير في إبعاده عن إسطنبول.

في هذه الفترة، كان الوضع في الجزيرة العربية معقداً. إذ كان شريف حسين في الحجاز، والإدريسي في عسير، والإمام يحيى في اليمن، وابن سعود وابن رشيد في نجد وشمر. وقد أعلن الإدريسي إمامته في عسير بدعم من الإيطاليين وواجه القوات العثمانية.

أما في اليمن، فقد تم التوصل إلى اتفاق مع الإمام يحيى عام 1911 من قبل أحمد عزت باشا، وبقي الاتفاق سارياً حتى خروج اليمن من الحكم العثماني في 1918.

وجاء في بحث علمي نشرته مجلة مركز أتاتورك للبحوث (1) أن الحكومة العثمانية، وفي محاولة للسيطرة على الوضع في عسير، عينت سليمان شفيق باشا في 19 مايو 1909 كمحافظ وقائد عسكري للمنطقة. وبالنظر إلى تدهور انضباط قوات الجندرمة في عسير، تقرر تعيين مصطفى كمال قائداً لكتيبة الجندرمة هناك بعد أخذ موافقته، كما تم منحه ترقية إلى رتبة بكباشي (رائد).

تم التصديق على التعيين في 28 يونيو 1909 من قبل الصدر الأعظم حسين حلمي باشا وموافقة السلطان في 29 يونيو 1909، وأُبلغت وزارة الحربية بالأمر في 1 يوليو.

وهكذا، ومع تصاعد التمردات في المنطقة، تم تعيين مصطفى كمال رسمياً قائداً لكتيبة الجندرمة في عسير. كانت مهمته الأساسية إعادة الانضباط إلى الكتيبة وتنظيمها بفضل خبراته السابقة في سالونيك وإسطنبول.

لا توجد سجلات دقيقة عن الطريق الذي سلكه مصطفى كمال للوصول إلى عسير، ولكن من المرجح أنه إما سافر براً عبر المدينة المنورة ثم اتبع الساحل، أو بحراً عبر البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس والبحر الأحمر إلى ميناء القنفذة، ومنه براً إلى مكان خدمته.

بعد توليه القيادة، ركز مصطفى كمال على إصلاح الجندرمة وتجنيد المتطوعين المحليين. كما تم تكليفه من قبل سليمان شفيق باشا بالقيام بمهام الوساطة مع الإدريسي، وفي هذا الإطار، تم إرسال مصطفى كمال مع وفد للتفاوض، رغم أن المحاولة الأولى لم تسفر عن نتائج ملموسة. بناءً على ذلك، تم تكليفه بمحاولة ثانية.

في المحاولة الثانية، قاد مصطفى كمال وفداً آخر وذهب إلى الإدريسي، في الوقت الذي كان فيه سليمان شفيق باشا يستعد للتحرك عسكرياً في حال فشل المفاوضات. لكن المفاوضات لم تسفر عن صدام، إذ أعلن سيد إدريس ولاءه للدولة العثمانية وأجرى محادثات مع سعيد باشا، أحد القادة العثمانيين في المنطقة.

بعد إتمام مهمته بنجاح، عاد مصطفى كمال إلى إسطنبول وتولى مهام في هيئة الأركان العامة. وقد أظهر كفاءته هناك أيضاً، مما أهله للمشاركة ضمن ثلاثة ضباط أركان في مناورات بيكاردي بفرنسا عام 1910 كممثل للجيش العثماني.

تشير المصادر إلى أن براعة مصطفى كمال كضابط مكنته من تحقيق مكانة مرموقة منذ سنواته الأولى في الخدمة. فقد خدم في مناطق مختلفة من الوطن، مما أتاح له التعرف على البلاد وتنمية مهاراته القيادية.

ولعل خلافه مع قادة الاتحاد والترقي بشأن تدخل الجيش في السياسة أدى إلى تعيينه في منطقة نائية مثل عسير، رغم أن هذا التعيين اعتُبر بمثابة منفى إلا أنه وافق عليه ربما لرغبته في الابتعاد عن التكتلات السياسية داخل الجيش.

وفي النهاية، أنهى مصطفى كمال مهمته في عسير بنجاح، وعاد إلى إسطنبول عام 1910.

1: مجلة مركز بحوث أتاتورك، العدد 32، المجلد 11/يوليو 1995.

التعليق