‏سعد بن جدلان: امتداد أسلافه سادة الشعر في تاريخ العرب

في كل حقبة يظهر شاعر يذكّر الناس بأن الشعر العربي، هذا الموروث الذي عبر آلاف السنين لم يفقد وهجه ولا قدرته على التجدد، والتأثير وصناعة الرأي!

ومن بين الشعراء الذين حملوا هذا الإرث إلى عصرنا الحديث، يبرز الشاعر الفذ، سعد بن جدلان؛ الشاعر الذي خرج من بيئة بسيطة، لكنه وصل بشعره إلى كل مكان وكل وجدان.. لقد فعل ذلك، منطلقاً من جذور القصيدة الأولى!

ومما يلفت في تجربة ابن جدلان ذلك التقاطع العميق بين وجدانه ووجدان شعراء العرب القدماء، ورموزه الأولى . فمن يتأمل قصائده لابد ان يلمح المتنبي في اعتداده، والمعري في تمرده وحكمته، وجرير والفرزدق في مفاخراتهما، وعمرو بن كلثوم في حدّة مواقفه!

يُقال إن ابن جدلان غير متعلم. ولم يذهب إلى المدرسة، لكن المفارقة أن شعره يعيد إنتاج سمات الشعر العربي القديم، لا من خلال الحفظ أو المرجعية، بل عبر الفطرة العربية الأصيلة التي ما زالت متقدة في شعره. في أحد أبياته يقول:

بعقولنا واليا بدن الحفيفين
ننسى العقول ولانتصرنا عقلنا

و”الحفيفين” هنا هو العدوّ الذي يحوم حول الديار. مشهدٌ عربي قديم يُستعاد كما لو أنه لم يغادر الذاكرة الجمعية قط: لحظة تهديد تُفقد العقل توازنه، فلا يعود إلا بعد الانتصار.

إنها نفس الروح التي دفعت عمرو بن كلثوم ليقول:

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا

الفكرة: الكرامة قبل كل شيء، ردّ العدوان مهما كان الثمن.

لم يكن ابن جدلان شاعر قبيلة او مرتزق مداح ولا كان من الصعاليك. لقد كتب للانسان، ولامست تجربته الوجدان الإنساني بلا حدود . هنا في هذا البيت،، يستعيد مالك بن الريب وهو يرثي نفسه، حيث يقول ابن جدلان:

يقولون لي تب من تصرفك وتحبي
وأنا توبتي من مجتمعهم هي التوبة

وقد قال ابن الريب:

يقولون لا تبعد وهم يدفنونني
وأين مكان البعد إلا مكانيا؟

إنها مشاركة صريحة بينهما، لهموم الإنسان المنفي داخل مجتمعه، الباحث عن خلاص روحي، وليس عن رضا الآخرين.

وهنا، أيضاً، نرى كيف يتمثل ابن جدلان، من دون قصد او ابتذال، روح : أبي العلاء المعري، في قوله:

ديار الوبا من طبها راح متوبي
وقرابة الجربا على الحول مجروبة

فيعود علينا صدى كلمات المعري:

لي الله من ناس بليت بدائهم
إذا احتكّ منهم أجربُ قام أجربُ

هنا تتجلى رؤية سوداوية فاحصة، تشير إلى مجتمعات تُمرضُ أفرادها البارعين المميزين، وتحب المتشابهين الفارغين .

ما كان لابن جدلان أن يحقق هذا الامتداد لولا أنه جاء من بيئة لم تتغير فيها ثوابت الإنسان كثيرًا. فالعربي في فخره وقلقه وشجنه وغضبه ووفائه ما زال هو ذاته، مهما تغيّرت الأدوات واختلفت الأزمنة.

وهذا ما يجعلنا نرى في ابن جدلان، امتدادًا طبيعيًا لسلالة الشعر العربي بكل ما فيه من جنونيات النخوة. والاعتزاز، لا تبدأ بامرئ القيس وزهير ولبيد والأعشى، ولا تنتهي عند المعري وابن الريب، بل تمرّ عبر زمننا الحاضر إلى المستقبل من روح شاعرٍ بارع، استطاع أن يلتقط جوهر الفكرة الشعرية ويقول قصيدته الخاصة!

ابن جدلان شاعر شعبي، شعبي بمعناها الجماهيري، وليس من حيث مستواه الفني. هو يقول الشعر لكل إنسان. لكنه يقول شعرا عبقريا لا ينتمي للتقاليد الشعرية بل يدمرها.

ان شعره يأسر النخب كما يأسر الناس العاديين. لأنه شاعر الجميع..

لقد كان ابن جدلان، ظاهرةً شعريّة ولم يزل.
ظاهرة تُذكّرنا بأن الشعر العربي، قادر على تحقيق معناه! بكل ما يحمله معنى الشعر من فروسية وإحساس.. وذكاء وحنكة ، وشخصية.. ومنزلة رفيعة،
بأن الشعر ما زال حيًا.. لم ينقرض!

يجمع ابن جدلان بين تراء اللغة وعمق الدلالة، وذكاء الفكرة الشعرية.

تأسرني براعة صنعه للدهشة اللغوية والمشهدية، في استحضار قصيدته المعاصرة ، لجذور الامتداد التاريخي،دون افتعال.

انها دهشه تضيء من بين الصدق الفطري وحضور الصورة الماكرة، ولأن الشعراء لا يقاسون بشهرتهم، وكثرة ظهورهم، وعلاقاتهم الشخصية، بل بتأثيرهم وتأثير أشعارهم، وبما يتركونه من أثر يعبر الأجيال.. والحدود.. ويطوف التاريخ كله..

والأكيد أن ابن جدلان في طليعة أولئك الذين عبروا نحو الخلود..

التعليق