جمعها وترجمها دكتور أنور لوقا*
محمد علي رجل متوسط القامة، بارز الجبهة، صغير الفم باسم الشفتين، غليظ الأنف. وقد تؤلف هذه الملامح في مجموعها خلقة عادية، ولكن خلقته تمتاز بسرعة التعبير، وبمزاج متسق من الدهاء والتلطف. ويحوط وجهه إطار من لحية بيضاء جميلة تغطي صدره أيضاً، وهي موضع عناية قصوى. وله يدان كاملتا الحسن، وذلك لون من الجمال يقدره الشرقيون كثيراً. إنه قوي البنية، أنيق الهيئة يمشي في حزم وخيلاء، وفي مشيته شيء من الدقة والنظام العسكري. وكثيراً ما يعقد يديه وراء ظهره، فهو يحب أن يتمشى على هذه الصورة في جناحه كما كان يفعل بونابرت.

وقلما يرتدي الباشا ملابس باذخة. كان في الماضي يلبس دائماً زي المماليك القدماء، ولكنه منذ بضع سنوات استبدل بالعمامة العريضة – التي كانت ذات مظهر شرقي نبيل – الطربوش العسكري، وبالجبب الفضفاضة الرائعة زي «النظام» على أن ملابسه من البساطة دائماً بحيث ظنه الكثيرون واحداً من حاشية الباشا، لا الباشا الكبير بذاته.
وتتسم عاداته بطابع الوقار وحسن الالتفات كعادات كبار الأشراف، وإن كان هذا مما يتعلمه أدنى العبيد في الشرق بسرعة بالغة. وهو لا يحيط نفسه بجمهور من الحشم المسلحين كما يفعل سلاطين آسيا، وإنما يحرس بابه موظف واحد يفتحه لكل قادم. وفي ديوانه يراه القوم لا يحمل سلاحاً، بل يعبث في العادة بعلبة تبغ ثمينة أو بالمسبحة التي يصطنعها أهل الشرق.
ويروق للباشا لعب البلياردو والشطرنج والنرد وهو لا يهتم إذا لعب باصطفاء خصمه، بل يختاره من بين صغار ضباطه بل من بين جنوده أحياناً ولكن عادته جرت على أن يتخذ خصمه في مباراة البلياردو من بين القناصل والرحالة الأوروبيين. وما هكذا يتخيل الناس في أوروبا صورة محطم المماليك وقاهر السلطان محمود ومجدد مصر!
شخصيته
الوالي شديد الولع بالمجد، ولذلك يتحدث بكبرياء وشغف عن أيامه الماضية. إنه كثير التفكير في البهاء الذي يحيط اسمه أثناء حياته، ويظن أن هذا الصيت سيعمر بعد موته.
وهو حريص على أن تترجم له معظم الصحف الأوروبية، ويبدو عليه الألم من النقد الهين أو اللاذع الذي كثيراً ما تتناول به الصحف أعماله أو قيمته الشخصية. ويوقن أن مهاجمات الكتاب له قد أساءت إليه شر الإساءة، ويرد إليهم – إلى حد كبير – ما أصاب آماله من خيبة. وقد روى شخص جدير بالثقة أن «حسين بك» قد سمع محمد علي ينسب معارضة فرنسا وإنجلترا لمشروعات استقلاله إلى تأثير جريدة «أزمير» قبل كل شيء، فقد أطنبت هذه الجريدة في إذاعة هجائه والافتراء على حكومته، وأضاف الباشا قائلاً:
• إني لأعطي راضياً مليون ريال في سبيل منع هذه الجريدة من الظهور. وإنها غلطة مني هي التي سمحت بوجود هذه الجريدة، فقد كان محررها تحت تصرفي مدة طويلة ولكني صددته.
وقد سلبته انفعالات حياته السياسية كل راحة. فهو ينام قليلاً، وهيهات أن ينام نوماً هادئاً. ويسهر إلى جانبيه دائماً عبدان ليعيدا عليه غطاءه الذي يدفعه عنه بلا انقطاع.
ورغم قصر الوقت الذي يخصصه للنوم، فهو دائماً في نشاط قلما تجد له نظيراً. في الساعة الرابعة صباحاً تراه ناهضاً، واقفاً على قدميه، ليقضي نهاره كله مع نظاره أو مستعرضاً فرق الجيش أو مفتشاً على أعمال البناء أو أعمال أي مؤسسة يروقه أن يراقب إدارتها.
وهو يجيد الحساب وإن لم يكن قد تعلم الحساب قط. ومعروف أنه كان قد بلغ الخامسة والأربعين من عمره حين بدأ يسعى إلى تعلم أول مبادئ القراءة والكتابة. ويقال إن جارية من جواري حريمه علمته حروف الهجاء، ثم قام شيخ بتعليمه الكتابة. وتلك إحدى الخصائص المميزة لحياته، وهي جديرة بالذكر حقاً إذا فكرنا في المشاغل السياسية الخطيرة التي لابد كانت تستغرق ذهن هذا الرجل. وهو في مجالسه الخاصة محب للاستطلاع، تدل أسئلته على جهل ساذج مع إظهارها لكثير من الدهاء والفهم.
وطبعه مستبد عنيف. وهذا مثل من استبداده الذي يشتط أحياناً إلى حد عجيب: من ضمن أشجار الفاكهة التي وردت من أوروبا كان نوعان أو ثلاثة من شجر البرقوق، أعجبته فأوصى بستانييه أن يعتنوا بها. وأثمرت إحدى الشجرات بعض الثمر. وبدأ للباشا الذي تابع بشغف نمو هذه الفاكهة أن يتذوق شيئاً منها وهي ما زالت فجة خضراء، فوجدها حلوة الطعم، وأمر مدير البستان بأن يلتفت التفاتاً خاصاً إلى ثمرات البرقوق الخمس أو الست الباقية. فكان أن أحيطت الشجرة بشبكة تمنع الطيور من الوصول إلى تلك الثمرات الثمينة، ونهض أمامها حارس يبذل أنشط المراقبة. ولكن، من نكد الحظ، ثارت عاصفة من هذه العواصف التي تكثر في مصر وانقضت على محط ذلك الاهتمام الشديد، فلما انجلت لم يكن على الشجرة إلا برقوقة واحدة؛ على أنها أصبحت – نتيجة للتعويض بلا شك – من الروعة بحيث كانت تخيل إليك أنها استوعبت وحدها جميع العصارات التي كان مقدراً أن تغذي ثمراً وافراً. وأخيراً أوشكت «البرقوقة» على النضج، غير أن الباشا كان قد تغيب لبعض الوقت عن زيارة البستان وكأنه نسيه. ومرت الأيام دون أن ينبئ شيء بنزهة سامية عن قريب في شبرا. واشتد قلق المدير، فتداول في الأمر مع مرؤوسيه، وتقرر بالإجماع أن الثمرة قد بلغت تمام نضجها وأنها إذا لم تقطف باتت في خطر السقوط من غصنها أو التلف على الشجرة. خلعوها إذن عن غصنها في احتفال كبير، ثم غلقوها في ورقة وحولها القطن المندوف، وأودعوها في علبة صغيرة، وختموا العلبة وشيعوها مع رسول خاص إلى سموه. كان ذلك أثناء شهر رمضان، وكان محمد علي – على أثر وعكة خفيفة يتناول طعامه في الحريم، فقدمت إليه البرقوقة بين فواكه أخرى بيد خصي لم يعلم هذه الثمرة ومكانها من مولاه، وتناول الباشا الثمرة دون أي انتباه، إذ لم ينبئه أحد بأمرها، وأكلها دون أن يخطر له إنها واحدة من تلك اللواتي أوصى بها وصاياه الصارمة.
وبعد ذلك بأيام، أقبل الباشا على البستان، ومضى رأساً قبل كل شيء، نحو شجرة البرقوق. ولم يكن عليها برقوق! وقبل أن يستطيع امرؤ أن يشرح للباشا علة ذلك الاختفاء المؤسف، كانت قد أخذت الباشا رعدته العصبية وهي الظاهرة التي تصحب أعنف غضبه، وكان المدير قد طرح أرضاً – بإشارة منه – وعوقب بالعصا عند أسفل جذع الشجرة. وأخيراً تمكن الرجل المسكين من أن يجد أذناً صاغية، وجيء بشهود فسمعت شهادتهم، واستدعى الخصي، وصاح به الباشا منذ أن لمحه آتياً من بعيد:
• هل أنا أكلت برقوقة؟
• نعم يا صاحب السمو، لقد قدمت لكم واحدة على مائدة الإفطار منذ بضعة أيام.
• ولم لم تنبهني إلى ذلك!
وإذ رأى الخصي الحركة التي صاحبت تلك الكلمات، اندفع إلى الجواد المسرج في بذخ – جواد الباشا – وتوارى سريعاً خلال الحقول قبل أن يحاول أحد أن يتعقبه. وظل المسكين مختفياً عدة أيام. ولكن الباشا تكرم بالعفو عنه حينما تشفع له فيه بعض المقربين.
الشعب يحاول عزل محمد علي
إن الاختيار الحقيقي لنظام حكم شرعي، وتقليد الرعايا حق الرجوع إلى سلطة الدستور ذات السيادة، وخضوع رئيس الحكومة وعماله للحكم الأعلى الذي يصدر عن قضاء نزيه ولا مهرب منه، كل ذلك لو تحقق لكان شر ضيق يصيب إدارة الوالي وأسلوبه في التصرف. ولا شك في أنه استحق إلى حد ما لقب «ظالم باشا» الذي منحه إياه الشعب وقد أصبح على يديه في درك من البؤس لا يستطيع معه أن يمنحه أشد منه.
وما دمنا قد سجلنا اللعنة التي تتردد على شفاه الفلاحين بلا انقطاع، فلابد لنا من أن نحاول تعليل تلك الواقعة التي أعارها الرأي العام أهمية كبيرة وضج لها ضجة شديدة في حينها، ألا وهي المطالبة – المزيفة – بتثبيت محمد علي.
بينما حاول المصريون معبرين عن شعورهم الإجماعي أن يسعوا لدى الباب العالي سعياً رسمياً متوسلين عزل حاكمهم، حدث فجأة تحول واضح في اتجاه العقلية. وكان ذلك بطريقة سريعة وفعالة ففي منتصف نوفمبر عام ١٨٠٤، استدعى الوالي إلى القاهرة جميع نظار وشيوخ الأقاليم المصرية واجتمعوا في القلعة، حيث خطب فيهم «حسين باشا» – الذي أسندت إليه مهمة رياسة الجلسة – خطبة بليغة عن ضرورة إدخال إصلاحات في إدارة الأقاليم للتخفيف عن الشعب، فأنار أمام سامعيه أفقاً سعيداً. وبعد تلك الخطبة الخالبة، تبسط في أخذ رأي كل منهم، وسمع المطالب والرغبات، وأغدق الوعود على الجميع، ثم تصنع أنه مضطر إلى مغادرة الاجتماع في الحال على أثر تسلمه رسالة من الوالي، ورجا النظار والشيوخ أن يختموا سريعاً بأختامهم في الجزء الأسفل من ورقة تعهد بأنه سيكتب عليها محضر مؤتمرهم متوخياً الأمانة في ذكر جميع ما دار. ولم يجرؤ أحد من الموجودين على الرفض. وقام الباشا الأمين بارتكاب تبديل «بريء»، فقد كتب على الورقة البيضاء الممهورة بالأختام التماساً من ممثلي الشعب المصري للسلطان عبد المجيد يرجون فيه تثبيت محمد علي والياً على مصر. ورفع علماء القاهرة على إثر خديعة أخرى مطلباً لنفس الغرض. فأي ثقة يمكن أن تعار هذه العرائض اللطيفة المادحة، التي أفسد بها صانعوها أماني كثير من البسطاء؟
مصر وسيلته لا غايته
ولعل الآراء لم تتضارب في الحكم على رجل تضاربها في الحكم على محمد علي. فقد رأى البعض فيه بطلاً جدد عهده مصر ومدنها، على حين جعل منه الآخرون مغامراً بارعاً سعى للوصول إلى السلطة لغرض واحد هو السيادة واستغلال البلاد لمنفعته الشخصية لا أكثر.
لا شك في أن محمد علي رجل ممتاز. ولكن هل كان غرضه حقاً هو سعادة مصر ومجدها؟ وهل حلت حكومة إصلاحية محل طغيان المماليك؟.
من الحق أن محمد علي حين أراد إدخال تجديداته في البلاد قد راعى العادات والمعتقدات والأوهام المتمكنة المستفحلة، ومن الحق أن غيرة السلطان المتوجسة قد أقامت في سبيله عقبات يكاد أن يستحيل تخطيها، وأنه كان عليه أن يتابع أعماله بأن يجند جيوشاً ويجمع ضرائب لا تتناسب قط مع طاقة البلاد الطبيعية ومواردها، وأنه كان عليه أن ينظم البلاد بأن يلقي الأقاليم في الفقر كي يغذي حروباً لم تكن لتعود عليه إلا بالمجد الأجوف. يالها من وسائل عجيبة لتحضير البلاد! .. لقد اعتصر مصر بعنف أنهكها، وتعقب المصري في صرامة شديدة ليجعل منه جندياً حتى لقد كانت القرى تقفر من أهلها كلما اقترب نحوها رجال التجنيد. على أن وجهة تفكير الباشا بين هذه المشقات جميعاً لم تكن تخفيف بؤس الشعب ولا إصلاح المفاسد التي بخسته قدره، ولا تربية أمة جديدة أقل ذلاً وأكثر ذكاءً.
لقد أنشأ محاربين هزموا الوهابيين والعثمانيين، وأنشأ بحارة وبنائين وعمالاً، وأقام مخازن للسلاح ومصانع ومدارس، ولكن هل صار الفلاح أكثر نظافة وأوفر غذاءً وأحسن أخلاقاً وتربية؟ لقد بات الباشا يتصرف في رؤوس مال كبيرة، ولكن كيف حصل عليها؟ إنه لم يحترم شيئاً: غصب مخلفات المماليك والمساجد والأوقاف والأملاك الخاصة، دون تمييز. ومنذ أن أصبح السيد المطلق لوادي النيل الخصب، غير زراعته وإدارة سعياً وراء غرض واحد هو زيادة موارده الخاصة. ولقد أضاف إلى استيلائه على الأرض احتكار الصناعة والتجارة، فغدا المالك الوحيد والصانع الوحيد والتاجر الوحيد. ومن هذا السلطان العريض لم يستخرج سوى أبهته الشخصية. لم يستمد من ذلك كله إجراءً فعالاً حاسماً ضد ما يرسف فيه شعبه من بؤس وجهل. بل ولم يعمل في مصلحة المنشآت التي أسسها حربية كانت أو بحرية أو صناعية، إذ لم يقدر مستقبلها ببعد نظر ثاقب حقاً، ولم يرصد عدداً كافياً من التلاميذ للنهوض بها ومواصلة نشاطها بعد موته. لقد استدعى محمد علي من أوروبا عمالاً فحضروا وبنوا سفناً وأداروا ورشاً مختلفة، ولكن أهم ما في الأمر قد أهمل، فإنهم لم يدربوا إلا عدداً قليلاً جداً من العمال الذين يصلحون للحلول محلهم.
وأنشئت المدارس لتحقيق غرض عسكري محض، وتخرج منها نفر قليل من المؤهلين المقتدرين.. وبلغت استهانته بالتعليم، إلى أخذه بعض التلاميذ من مدرسة الفرسان لضمهم إلى خدمته. وفي عام ١٨٤٠ تخير ثلاثة من أفضل طلبة الألسن ليعينهم طهاة تحت رئاسة كبير طهاة مصر، وهو فرنسي.
لم يفكر محمد علي قط في تمكين الشعب من التحرر. لقد احتقر هذا الشعب دائماً واحتقر لغته.. وجميع الرتب في الجيش من نصيب العثمانية وعبيدهم، وكذلك الحال في المناصب العامة.
ولو أن محمد علي توخى العمل بطريقة متجانسة منطقية، لكان عليه قبل أن يجعل من مصر بلداً فاتحاً، أن يجعل منها بلداً تاجراً، زارعاً، سعيداً. وكان عليه أن يتبع برنامجاً كاملاً من بث حب القوانين في شعبه، وحب النظام، وحب الخير العام، والثقة في التجديدات، بدلاً من أن يفرض عليه بالعنف كل ما يعود بنفع مباشر لشخصه. كان ينبغي عليه الإقناع لا الضغط واستخدام القوة الفكرية لا القوة الغاشمة. وكان عليه ألا يصدر في الوظائف العليا عن إيثار صبياني أو دسيسة أو نزق بل أن يسندها إلى الخادم الحق وصاحب الجدارة.
لقد كانت الزراعة والصناعة خليقتين بأن تصبحا موردين من أخصب موارد الثروة والرخاء لمصر لو أنهما وجدتا من الحكومة تشجيعاً ومن النظم حماية، ولكنهما باتتا ضحية المصالح الحربية، حكراً لمنفعة الباشا وحده، فلم تفيدا شيئاً من نشاط هو في الواقع ظاهري أكثر منه حقيقي، وسرعان ما وقف نموهما.
جملة القول إن محاولة عملاقية قد أجريت، ولما لم تكن قائمة على أساس من الخبرة الكافية فقد أحدثت على الرغم من جميع الظروف المواتية ما يحدثه إجهاض رهيب من الآلام العنيفة والإنهاك الشديد. لقد أدى محمد علي مهمته، وهو الآن ما زال على قيد الحياة، واقفاً على أطلال عمل كان يبدو أنه مهيأ لأجيال قادمة، يشهد حكم الخلف عليه.
آخر أيام محمد علي
كان الأطباء قد نهوا محمد علي من أن يرى نساء حريمه. بيد أن ابنته التي كان يحبها حباً جماً والتي كانت تسعى دائماً إلى أن تكون ذات تأثير كبير عليه، كثيراً ما كانت تدعوه إلى قصرها حيث تجعل في خدمته جواري من الفتيات الجميلات كن ينسين الشيخ نواهي أطبائه. وكان يعاود زيارة ابنته مراراً، حتى إذا نفدت قواه وعجز عن إجابة لمسات مثيرة، ناولته ابنته عقاقير مهيجة أدت آثارها العنيفة إلى اختلال قواه العقلية.
وإزاء تلك الظروف، وضعت إدارة مصر بين يدي إبراهيم. وثقلت على إبراهيم حياة أبيه حتى لقد منع الموظفين – قبيل وفاته هو – من عيادة الشيخ البائس الذي هوى إلى درك الطفولة. ويقال إن «سليمان باشا» وبضعة آخرين كانوا من الجرأة بحيث تخطوا تلك الأوامر.
وعاد عباس باشا – وكان قد اعتزل في الحجاز ليتفادى محضر عمه الذي لم يكن يطيقه – عاد ليتسلم مقاليد الحكومة التي تركها إبراهيم.. غير أنه لم يظهر نحو جده احتراماً أكبر. وهكذا يمكن أن يقال إن محمد علي توفي مهجوراً قد انصرف عنه أولاده. فقد كان سعيد باشا هو الوحيد الذي تبع نعشه. ودفن والي مصر بالمسجد الأنيق الذي بناه في القلعة، ومن هناك يبدو أنه يشرف على البلد الذي فتحه بعبقريته!
إبراهيم باشا
كل ما يبدو لك من خلقة إبراهيم باشا ينبئ عن رجل فظ سوقي. قامة قصيرة، وبدانة، وحركات مفاجئة، ووجه انتشرت فيه نقط حمراء ونقره الجدري، وعينان رماديتان ترتفعان عند الزاوية الخارجية، وثغر مبتسم دائماً يضفي على وجهه الصغير مظهراً مرحاً – هذه هي الملامح الرئيسية في خلقته.
وكانت طبيعة إبراهيم محتدمة فائرة، ولكنك إذا أضحكته بشيء من التهريج رجع بسهولة عن حدة غضبه. وكان نزقاً عنيداً، حذراً، يتوجس من كل شيء، قاسياً، مسرفاً في الانتقام. ولقد أبدى في حرب المورة أبشع همجية، متعقباً بوجه خاص النساء والأطفال، زاعماً أنه يريد استئصال ذلك الجنس. ولن أتحدث عن جسارته، فقد ضرب أمثلة عديدة من الاستبسال.
وكان يحب الانتفاع فلا يدخر وسيلة لتكديس كل ما يطيب له. وبلغ من تكالبه على الكسب أنه أثناء حياة والده كان يزاول التهريب ويسرب إلى القاهرة «تمباك» مزارعه التي كانت في القبة. وكان يعرف دائماً أن يجد التعلة لينكص عما وعد.
وكان يتكلم كثيراً كلاماً رديء العبارة خالياً من كل علم، والويل لمن كان يجرؤ على أن ينقض ما يقول أو أن يقدم بعض الاعتراض على مشروعاته. ولا يكاد إبراهيم يعرف القراءة والكتابة إلا في مشقة ويضيف إلى هذه الذخيرة من الجهل غروراً وكبرياء لا تطاق. إنه لا يعرف فضل المحسن، وبالتالي لا يسعى إليه، وهو أقل من ذلك سعياً إلى إثابته. وقد يصغي أحياناً إلى رأي أولئك الذين يحيطون به، ولكن إسرافه في الاعتداد بنفسه وإملاقه من سداد الرأي الذي يتيح للمرء أن يقارن، ومن المعارف التي تتيح للمرء أن يناقش، كل ذلك يدفعه إلى اتباع رأيه دائماً لأنه يعتقد إنه أفضل الآراء، وهو يقول: «أنا إذ أفعل كل شيء بنفسي يغمرني المجد أو اللوم دون سواي».
مذبحة المماليك الثانية
التجأ المماليك الذين فروا من مذبحة القلعة – حيث قتل ١٢٠٠ منهم – إلى النوبة ودنقلة. واضطروا مكروبين من ناحية بعقبات الطبيعة، ومن ناحية أخرى بتعقب «إبراهيم بك» إياهم – وقد أنهكهم قتال أقدموا عليه هنا وهناك دون ظفر – إلى أن يلتمسوا المأوى في الجبال التي يقطنها العبابدة والبشارية. وأجبرتهم هذه القبائل الهمجية على أداء ثمن باهظ عن تلك الضيافة العقيمة. وقد أنفق البكوات لإمداد جنودهم بالقوت اللازم في قلب تلك الصحراء جميع ما ملكت أيديهم، وعلى الرغم من التضحية بذخائرهم فقد هلكت جميع جيادهم من قلة الغذاء وهلك كثير من رجالهم نتيجة لشدة الحرمان. فلما أملق المماليك من راحة الحياة وأصبحوا يعانون ما لا يطاق من الضيق، قبلوا أن يستمعوا لعروض الصلح التي أرسل إبراهيم الماكر مندوبيه يقترحونها عليهم وسط كربتهم. ولم يعدهم بسلامة حياتهم فحسب بل وأن يعيدهم إلى مثل المناصب التي في مستوى رتبهم وأن يرد لهم ممتلكاتهم، وهذا كله على شرط أن يعترفوا بحكومة محمد علي.
ولقد خلبت هذه الوعود نحو ٤٠٠ مملوك فأنستهم الدرس القاسي الذي تلقوه منذ عام خلا، وكان على رأسهم بكوات مختلفون، فقبلوا المقترحات. وفي نهاية مايو عام ١٨١٢ نزلوا من الجبال قوافل صغيرة واتجهوا نحو إسنا حيث كان مقر قيادة إبراهيم. فلما اجتمع المماليك، ورأى ابن محمد علي أنه لا ينبغي انتظار قدوم آخرين تستدرجهم تلك الوعود المغرية، أصدر أمره بالإجهاز على أشتات هؤلاء الجند الذين كانوا ذوي صولة فيما مضى. وفي ليلة واحدة ذبحوا جميعاً بلا رحمة، ولقي مائتا عبد أسود مصير سادتهم.
وأنقذت وساطة طبيب إبراهيم الفرنسي مملوكين فرنسيين من طائلة هذه المذبحة الرهيبة. وثمة مملوك آخر لقيته في إسنا يدين بنجاته إلى ما كان عليه من الصبا والجمال.
إبراهيم القائد
لم يكن لإبراهيم شيء من ملكات القائد الصالح، بل لم تكن له الثقافة العلمية اللازمة لقائد الجيش، فلذلك كان ما كسبه من فوز راجعاً إلى جبن أعدائه بصورة لا يمكن للمرء أن يتصورها أكثر منه إلى تدبيره ومهارته. وهو لا يصدر قط تعليمات واضحة محددة، وإنما يتكلم كثيراً، حتى يختلط الأمر على رجاله ولكي يستطيع إذا فشلت المهمة أن يلقي وزر الخطأ على أولئك الذين – حسب ما يرى – لم ينفذوا أوامره.
ويقود إبراهيم قواته العسكرية بالتملق والخرافات وإغرائها بالسلب والنهب، ولا يعاقب قط ما ترتكب من فظائع كما أنه لا يثيبها. ولا يشغله قط هم المحافظة على سلامة جنوده والعناية بصحتهم، فإنه يهدئهم بالمشي المنهك، وقلة الراحة التي يمنحها إياهم، وقلة الغذاء والكساء.
هذا هو الرجل الذي اجترأ قلم مرتزق (مسيو سكاكيني) على أن يكتب عنه: «إن إبراهيم روح الجيش. نظرته الواعية ورباطة جأشه من صفات قائد محنك. وولاؤه وتواضعه النبيل وانطلاقه وسط نار الوغى قد كسبت له قلوب رؤساء جنوده. لقد قدر لهذا الأمير، الإداري الصالح ومحب أنوار الثقافة والمدنية، ألمع مستقبل». هكذا – على وجه التحديد – يكتبون التاريخ!
إبراهيم العظيم؟!
إنما يعرف الرجل بأعماله. ولرسم صورته وأخلاقه ينبغي ذكر الوقائع في المكان الأول لا التفلسف ولا الإشادة بالمناقب ولو كان ذلك في أبلغ الأساليب وها هي ذي بعض الوقائع التي تتحدث من تلقاء نفسها ولا تحتاج إلى تعليق.
أثناء جولة بدمياط، شرف إبراهيم باشا بحضوره حفلة أقامها لتكريمه «سرور» القائم بأعمال الإنجليز. وبعد راحة القيلولة قدمت له صينية تتراوح سنها بين الثامنة والعاشرة سلة من الفواكه والأزهار. فأثنى إبراهيم للقنصل على جمال ابنته مشيراً إلى أنها سرعان ما سوف تبلغ نضجها، وسأله هل أمها على قيد الحياة، فلما أجيب بالإيجاب، أضاف:
• ويحكم أيها النصارى لا تتزوجون إلا امرأة واحدة! إني أتمنى لك موت الأم هذا الأسبوع لكي تحظى بأخرى.
إبراهيم البطل؟!
أكتوبر ١٨٢٦:
أثناء حملة شنها إبراهيم باشا على ضواحي «تريبوليزا» أسر الرجال فتى يونانياً في كمين، فأحضروه إلى خيمة الباشا، وسأله إبراهيم عن اسم قائد فرقته، فأجاب الفتى إنه جندي ولكنه لا يعرف شيئاً مما يسأله عنه. وألح الباشا في سؤاله، وإزاء رفض الفتى هدده بالموت، فرد عليه:
• لو كان لي بذلك علم فلن أخون مصلحة وطني.
فاغتاظ إبراهيم من هذا الجواب النبيل، وتناول بندقية واحد من حراسه، وقتله.
ديسمبر ١٨٢٦:
أقبل رجل يوناني إلى معسكر «مودون» للمفاوضة على تبادل بعض الأسرى. فرفض إبراهيم باشا عروضه ونهاه عن المجيء مرة أخرى. وبعد بضعة أيام، حضر نفس المفاوض إلى المعسكر لنفس الغرض. فأمر الباشا – دون أن يحاول الإصغاء إليه – بالقبض عليه وإلقائه حياً في تنور معمل للآجر.
إبراهيم التاجر..
لقد بلغ من جشعه أنه كان يعمل دائماً على تأخير دفع مرتبات جنوده واحتجاز شيء منها. وفي المورة لم يدخر وسيلة للاستيلاء على النقود. وهذه بعض الأمثلة التي تشهد بذلك:

كان «أنطوناكي ميتاكسا» تاجراً يونانياً يبيع ويشتري لحساب إبراهيم باشا في مودون. كان يبيع لأفراد الجيش من اللوازم ما يحتاجون إليه ويقبض الثمن أوراقاً مالية تخصم من مرتباتهم. ولما ظل الضباط مدة طويلة دون قبض مرتباتهم، عمدوا – لكي يحصلوا على شيء من النقود – إلى أن يشتروا ملابس وأسلحة من «ميتاكسا» بأثمان غالية ثم يبيعونها في السوق ليستمدوا بعض المال نقداً. فكان عملاء «ميتاكسا» يشترون نفس السلع بثمن بخس ويملأون بها مخازنه من جديد.
وكان إبراهيم باشا يبيع لجنوده أحذية وملابس بأغلى من ضعف ما كلفته من ثمن. وفي شهر سبتمبر عام ١٨٢٥ أرسل إليه في مودون مسيو «جيتانو ماري» على ظهر السفينة التوسكانية «تيسيبوس» بقيادة القبطان «بوسنجوفيتش» شحنة من ٩ آلاف زوج من النعال المصنوعة على الطريقة المجرية. وكان الزوج منها يكلف نحو ١٠ قروش، فجعل إبراهيم ثمنه للجند ريالين.
وكان يضارب في أسعار العملة، ويضطر فرق الجيش على أن تقبلها بالسعر الذي يفرضه. وبهذه المضاربة، كسب يوماً في مودون نحو ٦٠٠,٠٠٠ قرش إذ استغل الأمر ورفع سعر الريال إلى ١٦ قرشاً بينما لم يكن سعره يتجاوز ١٥ قرشاً في مصر.
وكان هذا الاتجار الدنيء وكانت تلك الصفقات الملفقة سبباً في أن ظلت فرق الجيش في المورة ترتدي الأسمال وتعاني البؤس.
رحلته إلى فرنسا
عندما قام إبراهيم باشا برحلته إلى فرنسا، رويت عنه عبارة لو كانت قد صدرت عنه حقاً لدلت على ذكاء قريحة لم أكن لأتوقعه منه. فعلى أثر زيارته لقصر «فرساي» وحدائقه، قال إنه لا يدهشه بعد أن رأى ذلك ألا يكون الفرنسيون أهل دين وتقوى، فإنهم يملكون جميع ما وعد به المتقون في الفردوس، دياراً فخمة، وجنات جميلة، ونساء خالبات الحسن، وأنبذة لذيذة.
وقد تبدلت أفكار إبراهيم باشا بصورة غريبة أثناء زيارته لأوروبا. وحين عاد إلى مصر، كان ينوي إدخال تحسينات عديدة حال موته دون تنفيذها. كان يريد أن يجعل من ميدان الأزبكية حديقة عامة، وأمر بشراء آلة بخارية لري هذه الحديقة التي لم يمهله الزمن للشروع في غرسها.
وفاته
ينسب «يونفور بك» وفاة إبراهيم إلى إهمال عارض لا إلى انحراف فيه. فذات يوم زار حصون الإسكندرية بصحبة «جاليس بك» وعاد إلى القصر في قيظ الظهر ينضح عرقاً، وجلس أمام نافذة في مجرى الهواء يشرب الشمبانيا. فنكأ ذلك ما كان قد أصابه من داء الرئة حين سافر إلى القسطنطينية ولم يكن قد برأ منه تمام البرء. وتفاقم الداء ثم اضطرته صدمة برد جديدة في القاهرة إلى لزوم الفراش، فرقد الرقدة التي لم ينهض بعدها. وقد توفي في القاهرة في ١٠ نوفمبر عام ١٨٤٨ (١٤ من ذي الحجة عام ١٢٦٤) وهو يتمتع بثناء أقاربه بين يدي وكيله مسيو «بونفور»، دون أن يفكر في الموت، بل قائلاً إنه لابد أن يبيع قطنه بثمن مرتفع.
رثاء محمد علي لإبراهيم باشا
حين أنبئ محمد علي بوفاة إبراهيم قال إنه كان يعتقد دائماً أن ابنه سوف يسبقه إلى القبر وأن حفيده عباس سوف يخلفه على عرش مصر.
نشأت عباس باشا
ولد عباس باشا في القاهرة عام ١٨١٣. وكان الولد الوحيد لطوسون باشا الذي اختطفه موت مبكر من حنان أبيه محمد علي. وكان الوالي الشيخ يؤثر عباس في صباه بمحبة خاصة. فنشأ مدللاً وأهملت ثقافته بين يدي مربيه التركي وما أحاطه من عبيد حريصين على إرضائه. وهكذا شب دون أن يلتفت إلى التجديدات التي أدخلها جده والتي كان يجد نحوها في نفسه شعوراً من الازدراء لازمه طيلة حياته.

ذات يوم بمناسبة عيد الأضحى، ذهب يقدم فروض التهنئة لجده، فجلس على الديوان واضعاً ساقاً على ساق، وهو وضع لم يكن أحد يجرؤ على اتخاذه في حضرة الباشا الشيخ. واستاء محمد علي ألا يراه يسعى إليه ليقبل يده في احترام ثم ينتظر حتى يأذن له بالجلوس. فسأله بأي حق أباح لنفسه تلك الحرية في الجلوس. فأجابه:
• بحق الرجل الذي يعرف شرف أجداده. ألست باشا ابن باشا وحفيد باشا، بينما أنت لا أجداد لك من الأشراف؟
فأمره محمد علي، وقد استاء لإجابته، أن يعود إلى جناحه ويلزمه إلى حين صدور أوامر أخرى. وفي اليوم التالي أرسله إلى معسكر «جهاد أباد» قرب الخانكة ليتلقى تربية وتعليماً يناسبان آراء الوالي المجدد. وألحق بمدرسي اللغة التركية والفارسية والرياضة كولونيل فرنسي لتدريس العلوم العسكرية ومدرس للطبوغرافية الحربية ومدرس للتاريخ. ولقطع الصلة بحياته الماضية، أبعدت عنه حاشيته، وعين مماليكه بالمدرسة الحربية، وألغى فريق الصيد الذي كان يخرج فيه. وترك له حصانان، ولكن بدل أن يسرجا على الطريقة الشرقية كالكرسي الوثير، أجبر على أن يمتطيهما فوق سرج الخيالة. وذات يوم، امتطى حصانه الذي لم يكن قد اعتاد ذلك السرج، فجمع الحصان وألقاه أرضاً، أمام كتيبة كانت تدق طبولها إيذاناً بأن تؤدي له التحية العسكرية. فأمر – وقد أثارت غضبه تلك الحادثة – أن يوثق الحصان وأن يضرب بالعصا.
وبعد عشرة أشهر من الجهود غير المجدية، إذ رأى الباشا الشيخ نفور حفيده من الفن العسكري، أعاده إلى القاهرة لكي يدرس الإدارة.
وظهر نفوره من نظم الفرنجة ومن زيهم في كل مناسبة. وعندما أمر السلطان أن يرتدي جميع كبار موظفي الدولة الطربوش بلا عمامة «والفراك» «والبنطلون» والأحذية، لم يرد قط أن يلبسها. وإزاء هذا الازورار داعبه الدكتور كلوت بك قائلاً له إنه لابد أن يتخذ ذلك الزي، فشكاه إلى جده الذي أمر في الحال بأن يقف الطبيب أياماً ثمانية. وهو لم يلبس ذلك الزي إلا بعد ذلك بسنوات، ولمجرد الرحلة إلى القسطنطينية لتسلم مقاليد الولاية.
وسرعان ما عين محمد علي عباس على رأس الإدارة الداخلية، حيث يصعب تصريف الأمور، وحيث أبدى فهماً نادراً لحاجات البلاد ومصالحها الحقيقية كان يضيف إلى شدة عزمه قسطاً كبيراً من التلطف والولاء وكرم السليقة، وجوداً أصيلاً ورثه عن أبيه وكان بسيط العوائد حفياً يعرف كيف يؤلف بين أهل البلاد على اختلافهم، لقد عمدت بعض الصحف وقد ضللها أشخاص سيئو النية من الأوروبيين الذين خابت آمالهم الطامعة، إلى إذاعة أن حكمه كان يعوزه الذكاء والنظام. ولكن هذه الوقائع تكذب ما رموه به:
فمنذ شبابه تدرب على الشؤون الإدارية والحربية وحكم مصر بوصفه وكيلاً لمحمد علي. وفي عامي ١٨٣٨ و١٨٣٩، حين أوشك وقوع الحرب بين الباب العالي ومصر، وكان إذ ذاك محمد علي في «فايزوغلو» قرب خط الاستواء وإبراهيم باشا في تخوم الممتلكات السورية، عين محمد علي لإعداد معدات الحرب حفيده حاكماً عاماً على مصر وحاكماً لشؤون سوريا المدنية. وفي تلك الفترة التاريخية العصيبة أبدى في الحكم من النضج وفهم الأمور ما استحق به أمارات الثناء من جده. ولكن طاب لأعدائه – ليثيروا ضده الرأي العام – أن ينشروا عن كرهه للنظم الأوروبية أقاصيص كاذبة.
سياسته
عندما تولى عمه إبراهيم باشا الحكم، اعتزل عباس الحياة العامة وانتهز الفرصة لأداء فريضة الحج. وحين توفي إبراهيم، كان عباس الذي آلت إليه الولاية – حسب رسم الوراثة العثماني – ما يزال في الحجاز، فتألف في اليوم نفسه مجلس من أصحاب المناصب الكبرى في الدولة لتصريف الأمور إلى أن يصل عباس. ولقد أبلغوه نبأ توليته عن طريق القنصل الإنجليزي الذي أرسل سفينة تجارية من السويس عاد على ظهرها الوالي الجديد إلى مصر بعد انقضاء بضعة أيام على وفاة إبراهيم. وكان في استقباله عمه سعيد باشا الذي كان إذ ذاك في القاهرة، يصحبه جميع أصحاب المناصب الكبرى. وتمت مراسم المناداة بعباس باشا والياً على مصر في قلعة صلاح الدين بحضور أهم أعضاء الأسرة وكبار الموظفين والحربيين وقناصل الدول.
وقوبلت توليته بابتهاج من جميع الشعب. ولقد بادر فبدأ حكمه باتخاذ بعض الإجراءات التي حققت جزئياً بعض ما كان الشعب قد رجا من أمل. رفع بعض المظالم الصارخة، وكافأ عن بعض الخدمات، وأحكم بعض ما كان قد اختل من النظام. وفي ذلك ما يبرر الثقة العامة التي حازها في أول أيامه. ومن بين تلك الأعمال يذكرون أنه أعاد جماعة من الموظفين المفصولين من إدارات مختلفة دون معاش إلى وظائفهم.
بلغ عباس باشا السلطة في أوائل عام ١٨٤٩، حين لم تكن لفرنسا أي سيادة في الشرق، وكانت قد سقطت مكانتها في مصر. وكان يدير في نفسه أفكار جده في الاستقلال، ولكن من ناحية إنشاء إمبراطورية عربية. وقد فاتح في ذلك قنصل فرنسا العام مسيو «لموان»، وسأله ما إذا كانت الحكومة الفرنسية تؤيده إن هو حاول التخلص من التبعية للسلطان. وأراد مسيو «لموان»، قبل أن يرتبط بجواب، أن يستطلع رأي الوزير، الذي أجاب بالإيجاب. ولكن بعد فوات الأوان. فقد ضاق عباس بذلك التأني، فأفضى بنفس المشروع إلى قنصل إنجلترا العام مستر «موراي» الذي وعده في الحال بالمعونة والحماية، وأصبح عباس صديقاً للإنجليز، راجياً أن يتخلص فيما بعد من نفوذهم وذلك بإثارة العصبية العربية. وريثما يرد على مسعى إنجلترا ووعودها، وجه نشاطاً كبيراً واهتماماً خاصاً إلى إدخال جميع التحسينات الممكنة على المواصلات والنقل بين القاهرة والسويس. وفي الوقت نفسه التمس التيقن من تأييد النمسا بأن أرسل إلى فيينا طبيبه الدكتور «برونر بك» الذي كان خليقاً بأن يعقد له أواصر علاقة متينة.
لم يكن مطمعه الأوحد هو ضمان استقلاله وضمان عرش مصر لأولاده من دون أمراء أسرته الآخرين، وإنما كان يداعب في الخفاء آمالاً أعرض ويحلم بتكوين إمبراطورية عربية.
وقد تحدثوا عن غرامه بإحدى البدويات دون أن يقدروا سبب هذا الزواج الغريب. وفي الواقع إنه اقترن بابنة واحد من أقوى رؤساء قبائل بلاد العرب فربط بقضيته جميع عرب الحجاز الفخورين بهذه المصاهرة، ولكي يحسن إخفاء علاقاته، أمر ببناء قصر له في صحراء السويس وآخر في العقبة حيث كان يستطيع استقبال الرؤساء العرب بعيداً عن أعين الرقباء، وأن ينضج مشروعاته ويعد العدة لتنفيذها. وبعون قبائل شبه الجزيرة، كان يمكنه أن يملي أحكامه لا على مصر فحسب بل على بلاد العرب، وأن يقطع فوق ذلك على جيوش السلطان البرية طريق سوريا، بينما كانت تحصينات الإسكندرية تحميه من أي محاولة لهجوم بحري يشنه عليها الباب العالي. وبعد هذا كله، كان يقدر أنه في حالة إخفاق مشروعه واجد ملجأ أميناً في قبيلة زوجته الجديدة.
ولم يعرف الناس في أوروبا شيئاً عن هذا المشروع العريض، ولم يعرفوا قط أمر علاقات الباشا بمسلمي الهند الذين كان في استطاعته إثارتهم ضد الإنجليز كما حدث ذلك فيما بعد بوقت قصير، ولم يروا في هذا الاعتزال بالصحراء إلا بعض أهواء الوالي. ولما كان قد أغضب كثيرين من الأوروبيين بإصلاحاته، لم يفتهم أن ينالوا منه في الصحف – ومن الحق أن أخلاقه – كأخلاق جميع الباشوات – مادة طيبة لنقد الناقدين. ولكن مهما يكن من أمر ما يقال فيه، فلقد كانت إدارته من أخصب الإدارات.
بغضه للأوروبيين
تشهد إصلاحات عباس باشا وأقواله شهادة علنية باحتقاره للفرنجة. وإن جميع ما رآه منذ طفولته ليبرر مسلكه. لقد كان يريد أن يعود إلى التقاليد والأخلاق القديمة دون أن يهمل شيئاً في سبيل ذلك. ولما أثار غضبه ما كان يرى كل يوم من تغلغل العوائد الأوروبية، نهى مماليكه وجنوده عن تدخين السيجار والسجائر، وإذ ضبط بعضهم متلبسين بما نهى عنه أمر بأن تخاط أفواههم، ثم أمر بعد أربع وعشرين ساعة – حين رأى أن في ذلك عقاباً كافياً – أن تقطع الخيوط التي حيكت بها شفاههم. وقد روى لي هذه الواقعة الفظة طبيبه مسيو «ليو»، ونشر النبأ على ما أظن، في جريدة «التيمس».
ولقد دفعته روح الاستقلال عن الباب العالي بقدر ما دفعه كرهه لزي الفرنجة إلى استعادة الزي العربي ولكن في جميع بهائه وبساطته الطريفة. واقتدى به المماليك فارتدوا جلاليب حريرية مطرزة و«كوفيات» موشاة بالذهب كان يرتفع ثمن عقالها إلى ٦٠٠ قرش. وعاد الترف الشرقي إلى الظهور، وإذا لم يكن في روعة أبهته ففي أناقته النبيلة الجميلة.
ولم يكن يحب استقبال القناصل، فإذا اضطرته المناسبات الكبرى إلى أن يتجشم عناء زيارتهم، دعاهم إلى مآدب عشاء طيبة على الطريقة الأوروبية لم يكن يظهر فيها. فقد كان يتعشى بمفرده دائماً. كان يتوارى لتناول وجباته ويأكل على هواه، أي كما يأكل الشره إلى حد ما.
عباس باشا والحيوانات
وتحدثوا كثيراً عن حبه للحيوانات. ولقد كان يقتني بالفعل أحسن الجياد وأحسن الجمال في مصر والحجاز. وبلغ من حرصه عليها إنه لم يكن يأذن لأحد بزيارة حظائرها. لم يكن عباس يمنع دخول داره بالعباسية، كما يزعم «شارل ديدييه»، ولكنه كان من هواة الجياد فكان يخشى عليها شر العين الحسود، شأنه في ذلك شأن جميع الأتراك، ولذا أصدر أوامره لحرسه بالقبض على كل من يقترب من الحظائر.
وكان لعباس برج حمام تعمره أجمل وأندر الحمائم التي كان يستجلبها من جميع البلاد. وكانت لديه أيضاً عدة أجناس من الكلاب، وعدة أنواع من الخراف والكباش، وكان يحيط تلك الحظائر التي يعيش في وسطها بعناية مترفة نزقة هي بعض صفات الأمراء الشرقيين، فكانت حمائمه تحمل جلاجل من فضة، وكانت كلابه تحمل أطواقاً باذخة، وكانت كباشه مصبوغة بالحناء مذهبة القرون. بيد أنه لا ينبغي أن تصدق ما يزعمه بهذا الصدد «ماكسيم دوكان» الذي يسيطر عليه خياله الخصب ولا يعرف من مصر إلا مظهر الأحجار التي صورها بآلته.
أخلاقه
أما أخلاق عباس، فكانت كأخلاق جميع سلاطين الشرق، حيث يدلل الغلمان أكثر مما تدلل الجواري. لقد كان عباس يستسلم لمجونه في الخفاء، مع مماليكه الذين كان يجعلهم يؤلفون حلقة لإمتاعه ولكن كرامته كانت تأبى عليه أن يكون الأداة السلبية للذة عبد أو فلاح.
وكان قاسياً محباً للانتقام. رفض يوماً طبيبه الدكتور «جاندي» أن يعطيه كمية من السم فكسر الخزانة واستولى على القارورة، وسمم بها أحد مماليكه. ورفع الطبيب استقالته إلى الباشا الكبير، وقبض مؤخر مرتبه. ولكي ينمي المبلغ الصغير الذي أدخره قام برحلة إلى سنار. وعندما علم عباس بسفره دبر اغتياله عند أول بئر في صحراء البايوضة.
وكتب بعضهم أن عباس باشا قد تزوج راقصة شهيرة من راقصات القاهرة تدعى «صفية» وهذا خطأ في ذكر الواقعة. لم يفعل عباس، وقد خلبه جمالها، إلا أن اتخذها خليلة له بعض الوقت، ثم سرعان ما نسيها.. إلى أن عاد فتذكرها حين علم من قبيل المصادفة أن أحد الضباط في حيازته «نرجيلة» فاخرة كان الوالي قد أهداها إلى عشيقته إذ ذاك، فإذا به دون أن يتحرى كيف انتقل هذا الغليون إلى أيد أخرى، يأمر بالقبض على المرأة التعسة وإلقائها في النيل. ولم تنج «صفية» من الموت إلا حين باحت بفقرها الذي اضطرها إلى بيع جزء من متاعها. على أن ذلك لم يمنع من ضربها بالعصا وإعادتها إلى إسنا بين البغايا اللواتي عرفهن كثير من الأوروبيين.
ولم يكن عباس باشا يجد راحته في جو المدن، كان يتطلب هواء الصحراء الطلق النقي، وتشهد بذلك قصوره في بنها والعباسية والدار البيضاء. وكان القصر الذي ابتناه في وسط ذلك السهل المجدب، الذي يبدأ عند آخر مقابر السلاطين المماليك ويمتد بين الأراضي المزروعة وسلسلة المقطم قصراً أشد عزلة وكآبة من مخيم للبدو. فهكذا كان يعسكر مع موظفيه في قصر بائس محصن بمدافع قطع المدافع وفرق الجيش المرابطة بجواره، بعيداً عن مطالب القناصل، بعيداً عن توسلات الأوروبيين ودسائسهم، وعلى استعداد للنزوح في أدنى لحظات السآمة.
وكان عباس منخفض الجبهة، عريض الفكين، له ذوق الأطفال ونزق المجنون، وكان ورعاً، متطيراً، تكسوه التمائم والتعاويذ من كل نوع.. ولكنها لم تستطع أن تحميه من ميتة فاجعة.
نهاية عباس
وحانت نهاية عباس عندما اكتشفت الخطة التي كان يبيتها للتخلص من سلالة محمد علي لكي يضمن وراثة عرش مصر لابنه من بعده. كان الأمر أمر انقلاب يودي بحياة خمسين من كبار ذوي النفوذ يوم سفر المحمل، وهو احتفال عظيم يجتذب جمهوراً غفيراً. وأعطيت قائمة بأسماء الضحايا لخورشيد باشا. وفي ذلك اليوم، على أثر تسليم مقود المحمل لأمير الحج، كان مقدراً أن يتشاجر اثنان من رؤساء «الباشبوزوك» وأن ينتضيا سيفيهما، وأن يشترك في الشجار رجالهما الموزعون بمهارة. وفي هذه الملحمة كان مقدراً أن يقتل عدة باشوات وبكوات وحاشياتهم. وكان مقدراً في الوقت نفسه أن يتصنع عدد من الفرسان تعقب القتلة فيدخلوا في وقت واحد دار حليم باشا، عم الوالي، وقصر مصطفى أحمد باشا وإسماعيل باشا، ابني عمومته، كأنهم لاجئون يلتمسون المأوى ويقتلون جميع من هناك. هكذا، فيما يقال، كان عباس يريد أن يتخلص من مزاحميه ويمهد طريق العرش لابنه «إلهامي».
على أن القول بذلك ينبغي أن يؤيده الزمن أولاً وأن يؤمن عليه قوم نزيهون قبل أن يسجل في التاريخ. لأننا إذا صدقنا كل ما أشيع في القاهرة، رأينا أن الجميع كانوا يحيكون الدسائس إذ ذاك، فقد كان سعيد باشا على الرغم من همود عزيمته يدرب على حمل السلاح بعض الجنود والبحارة. ولم تثر هذه الاستعدادات الحربية قلق عباس ولكنها أثارت حفيظته، ولم يكن بد لسعيد من الالتجاء إلى السم وقاية لحياته وضماناً للعرش. وهذه الرواية أشد شبهاً بالحقيقة.
وكان عباس ذا بنية ضعيفة القلب، ولكن وفاته لم تكن نتيجة سكتة قلبية كما قيل. فقد وجدت علامات سوداء حول عنقه، على حد قول الرجل الذي كلف بغسل جثته قبيل دفنه. وكان قد دخن في الليلة البارحة «جوزة» محشوة بالشيبرا (وهي مستحضر من الحشيش) ثم نام نوماً عميقاً. فانتهز القتلة تلك الفرصة. وعلى الرغم من ارتكاب القتل في قصر بنها الذي كانت تحرسه قوة كبيرة من الحرس، لم يعترض أحد سبيل القتلة في فرارهم. ولقد أسرجوا جياداً وهربوا عابرين ثلاثة مراكز من الحرس يلتمسون مأوى لهم، من حيث انطلقوا بعد ذلك دون أن يفكر أحد في اعتقالهم.
ويقول أكثر الآراء انتشاراً إن ميتة عباس كانت بأيدي مملوكين اكتراهما سعيد باشا، على حين يزعم آخرون أن مصرعه كان بأيدي أخوين أراد هذا المستبد الفاجر أن يجبرهما على ارتكاب الفعل الداعر الذي تروي الأساطير أن «المشتري» صنعه «بجانوميد»، فرفضا، فهددهما بشر العقاب لما يبديان من عصيان، فخشيا أن يحيق بهما مصير عبد كان قد خصي في الليلة السابقة، وانتهزا في نفس الليلة فرصة سكر الباشا وخنقاه.
ولكن وقائع كثيرة تشهد ضد خليفته. فقد منع سعيد باشا القيام بتشريح الجثة، ودفع الطبيبين “ديامنتي” و”مارتيني” إلى توقيع شهادة بأن عباس قد مات بالسكتة القلبية. ولم يسعَ إلى تعقب القتلة. وأقبلت أم عباس باشا على سعيد باشا باكية تسأله أن يثأر لولدها ولكنها لم تستطع أن تنال شيئاً. وألقي القبض على رجل بريء لمجرد الشكليات. وقد أراد إلهامي باشا، ابن عباس، أن يستجوب المماليك، فلم يؤذن له. وبعد ذلك لم يتحدث أحد عن القتلة الذين لجؤوا – فيما يقال – إلى القسطنطينية، حيث دبر ابن عباس، الذي يقيم اليوم هناك وقد تزوج إحدى بنات السلطان – أمر قتلهم في أحد المواخير.
إن كل ما أشيع عن موت عباس غير صحيح – قال لي ذلك طبيبه الدكتور “ديامنتي” – فقد كان ذا بنية ضعيفة القلب ومات فجأة نتيجة لأزمة دموية. وقد سمع مملوكاه النائمان كالعادة بجوار بابه بعض أقوال مختلطة لم يفهماها قط، وعندما رأيا سيدهما قد فارق الحياة هربا في الحال إلى القاهرة خشية أن يتهما بقتله. وفي الصباح، إذ لم يخرج أحد من تلك الغرفة، تقدم بعض رجال القصر فوجدوا عباس متصلب الجسد مثلوجاً. فاستدعوا طبيبه الذي أكد أنه مات بالسكتة القلبية منذ ست أو سبع ساعات. ولما كانوا يظنون أنه مات مسموماً، ولم يستطع الطبيب ارتجالاً أن يجيب بالنفي فقد أذنوا له بفحص الجثة، ولم يكن عليها أي أثر للعنف كما لم يكن على الفراش أو في المكان المحيط به ما يدل على ذلك.
وكان هذا الموت في بنها يوم 14 يوليو عام 1854 (9 من شوال عام 1270) وأراد أحظياء الباشا – وعلى رأسهم سكرتيره وخازنداره – أن يكتموا أمر موته، فوضعوا الجثة في عربة لنقلها إلى العباسية، واتخذوا جميع الإجراءات اللازمة لحفظ النظام باسمه، ثم احتبسوا أنفسهم في القلعة أياماً ثلاثة قبل أن يصرحوا بفتح الأبواب.
عهد سعيد باشا، الابتهاج بتوليته
ودخل سعيد باشا القاهرة في 17 يوليو. وكانت قد أضيئت الأنوار في قصر شبرا حيث اجتمع الكبراء لاستقبال سموه. وكانت البهجة عامة: فالعبيد يأملون دائماً آمالاً كباراً من تغير السادة. وكان الشيء الوحيد الذي يشفع لسعيد باشا هو حبه رفقة الأوروبيين وأنه تربى تربيتهم.
وبعد أن انقضى شهران على تولي سعيد، أسف الكبار والصغار على موت سلفه. ذلك أن عباساً كان إدارياً صالحاً، جرى على يديه المال وجرت الحياة في مصر من أقصاها إلى أقصاها. ولم يمدحه الأوروبيون لأنه لم يغدق عليهم أسباب الغنى، ولكنه بوجه عام دفع أجر من أدى له بعض الخدمات. فلقد وجد – وكان في ذلك على حق – أن الفرنجة قد خدعوا جده في أكثر الأحيان فكان عليه أن يحذرهم ولم يكن يمنح ثقته باستخفاف، بل طرد من الخدمة عدة أوروبيين أرادوا – وقد ازدهتهم معارفهم – التدخل في شؤون الحكومة أو إزجاء النصح له دون أن يسألهم نصحاً.
وقد فاجأه الموت وهو يفكر في مشروعات كبيرة: هب أنه لم يكن يتآمر للقضاء على جميع أعضاء أسرته الخليقين بأن يطالبوا بالولاية على مصر، فقد كان يفكر في أن يضمن العرش لولده، الذي كان قد أرسله منذ وقت قصير إلى أوروبا لكي يعقد فيها أواصر علاقات دولية بقدر ما يتثقف في شؤون الحكم.
قال أحد المصريين سنة 1858 عن الأنوار التي أوقدت بمناسبة توليته: «إن الزيت الذي أوقدناه احتفالاً بجلوسه ندفع ثمنه دموعاً منذ أربع سنوات». وفي الواقع ما خيب عهدٌ آمالاً انعقدت عليه خيبةً أمرَّ من ملك سعيد، وما كانت مصر أسوأ حكماً ولا أبأس حالاً منها في أيام هذا الأمير الذي رباه أوروبيون لم يحسنوا إلا تملق نزواته، والإغضاء عن رذائله بل تشجيعها.
تربيته وصفاته
فيما عدا اللغة الفرنسية التي يتكلمها بطلاقة، لم يأخذ سعيد شيئاً عن الأستاذين «كونيج» و«هوزار» ولكن الأستاذ «كونيج» عرف كيف يغتني، أما الأستاذ «هوزار» فقد مات قبل تولي سعيد، ووعد سعيد أرملته بمعاش تتقاضاه مدى حياتها غير أنه لم يصرف لها أبداً. ولما حضر ابن الأستاذ «هوزار» إلى مصر عام 1858، اكتفى صاحب السمو بإهدائه سيفاً بوساطة مسيو «ساباتييه».
ولم يأخذ سعيد أيضاً من عشرته للأوروبيين دروساً في سلامة الذوق. فإن القصر الذي ابتناه في «المكس» وكلف بتشييده مهندسه مسيو «مونتو»…
قصر من طراز «الروكوكو» قد انتشرت في عمارته كالشوك نحوت منقولة طبق الأصل عن «الإنفاليد» مذهبة شديدة السرف في الطلاء بالذهب.
ولم يتعلم منهم سعيد باشا اللباقة والأدب. فإنه غليظ اللغة والعادات لا يرعى حداً ولا اعتباراً، وكثيراً ما يلقي عبارات قذرة في حديثه. ذات يوم كان جوابه لكلوت بك الذي أقبل يحمل إليه تحيات من طرف الأميرة ماتيلد:
• وماذا تعمل هذه البغي؟ (باللغة الفرنسية).
ورغم أنه وقح مع الجميع، فإنه لا يبيح لأحد أن يخاطبه بنفس اللهجة. وإنك لتتقدم حين تحصل على الإذن بالدخول إلى سموه، وتنتظر أن يتفضل السيد بالالتفات إليك أو أن يومئ لك بالتحية، ولكنه إذا كان لا يريد أن يفطن إلى وجودك، أدار لك الجميع ظهورهم وانصرفوا عنك: فأنت إذن من المغضوب عليهم.
وليس لسعيد باشا من اللباقة وحسن التصرف ما يلزم لمن يكون في مركزه. فكثيراً ما يسيء استقبال شخصيات كان ينبغي أن يظهر نحوها قدراً من الاعتبار أو أن يتكلم عنها في تحفظ.
وسعيد خفيف العقل قليل التبصر، يتحدث عن شؤونه أمام الأجنبي كأنه يتحدث إلى أمين سره. وهو فوق ذلك شديد النزق، ومن كان حظياً لديه يوماً لا يظل في حظوته تلك أمداً طويلاً.
وعلى الرغم من تثقفه بالعلوم والفنون الأوروبية، وهو امتياز لم يتيسر لأحد من أسلافه، فقد أهمل جميع المؤسسات التي أنشأها محمد علي وإبراهيم باشا، وتركها تختنق. لقد نقلت أخيراً جميع أدوات المرصد إلى أحد مخازن الذخيرة ببولاق، وأحيل الفلكي العربي إلى هيئة المهندسين. وأصبحت ورشة تصليح أدوات علوم الرياضة ورشة لصنع القذائف الفارغة. وكل شيء في سبيله إلى التلاشي جزءاً بعد جزء.
وظيفة جديدة للجيش؟
وحل محل الجيش الباسل الذي أرغم السلطان على التسليم جيش من الماجنين يتعذر أن يسود فيه النظام إذ تسود فيه الحظوة أولاً. وإلى جانب جنود يلبسون الأسمال، يرى المرء كتيبة فاخرة من الغلمان تمثل دور الجندي أثناء النهار، وتؤدي أدنى أدوار الفجور أثناء الليل.
ويزعم متملقون أنه أحل التجنيد النظامي محل الضغط، غير أن جيشه منتخب قبل كل شيء لغرض إرضاء شهواته الدنيئة. ولم يشنق من شنق من شيوخ القرى نتيجة لرفضهم تسليم أبنائهم للجندية بل لأنهم أرادوا إنقاذ أبنائهم من مجون الوالي الذي يجند الجنود ليملأ بالغلمان حريماً له.
الضبط والربط
وفي الأيام الأولى من شهر ديسمبر عام 1858 عندما كان سعيد باشا في منفلوط، وجد اثنان من الجنود أنهما بجوار قريتهما فذهبا إليها لرؤية أهلهما واتفقا الليلة معهم. فلما عادا في الصباح ألقي القبض عليهما. وأمر سعيد باشا، دون أن يحيلهما إلى مجلس عسكري، بأن يرميا بالرصاص فصوب الجنود الذين كلفوا بتنفيذ هذا الحكم المستهتر بندقياتهم بحيث يتفادون قتل زميليهما، واحتد غضب الباشا فأمر بربط كل منهما إلى فوهة مدفع وإطلاقه، وحكم على الجنود المتسامحين بالأشغال الشاقة.
الشره
وسعيد باشا يحب الفواكه ويكلف بها، ويرد إليه الكثير منها على كل باخرة قادمة من أوروبا. ويقولون إنه ينفق ما ينيف على 12 ألف فرنك لإرضاء نهمه. وعند فتح صندوق من صناديق الفاكهة، تراه أحياناً ينقض على الثمار في شره المنهوم، يلتهم واحدة بيمناه ويمسك أخرى قد انتقاها بيسراه ويشتهي الباقي بعينيه.
وهناك واقعة تشهد أكثر من سواها بسفاهة الباشا، وهي الأمر الذي أصدره إلى مدير مستشفى قصر العيني بعدم فرض طعام المرضى القليل على أي جندي. فالجنود أحرار في تناول جميع ما يريدون وبالقدر الذي يريدون. وممنوع على الأطباء أن يصفوا لهم ضمن علاجهم الحمية من الطعام وتناول نصف وجبة أو ثلاثة أرباع وجبة. وبلغ من شدة عطف سموه على جنود يشاطرونه لذاته وأعماله وما يحدق به من خطر أن عين لهم طاهياً خاصاً ومائدة خاصة في المستشفى.
اهتمامه بمصالح مصر!
واهتمامه بمصالح التجارة أكذوبة من أكاذيب «دي ليسبس» وشركاه. ذات يوم شكا بعضهم إلى سعيد باشا من قلة انتظام السكة الحديدية التي لم تعد تسير قطاراتها إلا لحاجات سموه الخاصة، فأجابهم:
• إنني شديد الاهتمام بمواصلاتكم التجارية. ولكن هذه السكة الحديدية ملكي، ولي أن أفعل بها ما أشاء.
ولا يشغل بال سعيد أن يخلف وراءه اسماً شريفاً وسعادة للشعب الذي عهدت به الأيام إليه، وإنما التكديس والاستمتاع هما شغله الشاغل.
قال لسليمان باشا:
• إن نصائحك طيبة جداً، ولكني قبل كل شيء أريد أن ألهو ولا يعنيني ما بقي بعد ذلك، وليكن من بعدي الطوفان.
وقد حرم جمهوراً من المستخدمين الشيوخ معاشهم، منكراً ما أدوا من خدمات.
مصرع أحمد باشا
إن موت أحمد باشا ابن إبراهيم – ولي العهد – يثير شبهات كثيرة حول سعيد. كان أحمد يفعل خيراً جماً. كان جواداً يهب هبات عريضة وهو يدير أملاكه في اقتصاد. ومات مأسوفاً عليه لأن ملكه كان يعد مصر بمصير أسعد مما استطاع أسلافه أن يؤدوا لها. فليس من بين سلالة محمد علي أو إبراهيم من يعد مصر بحكومة أبوية صادقة الحدب.
ولم يبدِ سعيد باشا أسفاً على موت أحمد باشا، بل كان مما قال: «إن اليتامى الذين كان يعولهم سوف يبكونه». وغضب على أدهم باشا الذي تحسر لفقد أحمد.
وتحوي إحدى الصحف الصادرة في مالطة في 18 يونيو – على ما أذكر – مقالاً أثبتت فيه أن موت أحمد باشا كان قد أمر به سعيد.
وأقر لي مهندس إنجليزي أنه قبل وقوع الحادثة ببضعة أيام، صدر الأمر بالحفر حفراً عميقاً عند أسفل أعمدة القنطرة دون أن تستدعي ذلك حاجة ظاهرة، فقد كان هناك من الماء ما يحمل أشد السفن. ولولا هذا العمل الذي حفر هوة ابتلعت عربات القطار، لجاوزت العربة الثالثة – التي كانت تقل أحمد باشا – مستوى الماء ولنجا وريث العرش.
وقبل وقوع الحادث ببضعة أشهر – ومن المحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي اختمرت فيه فكرة هذه المؤامرة الرائعة – سرح سعيد باشا «جريم بك» مدير السكة الحديدية الإنجليزي، وأحل محله «نوبار بك» وهو فتى أرمني، وقدم له الهدايا قبل وقوع الحادث وبعده.
شقاء مصر
إن شقاء مصر الأكبر مصدره نظام وراثة عرشها الذي وضعه السلطان. فإن ولاة مصر الذين خلفوا محمد علي كانوا يعلمون أن أبناءهم لن يرثوا الحكم، فاهتموا بثرائهم أكثر مما اهتموا برفاهية مصر. إنهم يفكرون في ملء خزائن أولادهم، أو في أن يضمنوا لهم العرش، ولا يفكرون قط في إسعاد المصريين.
وإدارة سعيد باشا أسوأ من إدارة عباس. تبلغ ديون الوالي الحالي أكثر من 60 مليون ريال (30 مليوناً من الفرنكات). وهو مدين بمثل هذا المبلغ للجيش الذي لم تدفع له مرتبات منذ وقت طويل، وبمثله أيضاً لتجار مختلفين. وباتت شركة الملاحة للبحر الأحمر عاجزة عن القيام بعمل أي شيء لأن الوالي لا يمدها بالمال اللازم. لقد أنفق أثناء السنوات الأربع التي قضاها على العرش أكثر من 400 مليون، ويدين بحوالي 80 مليوناً. ولم تدفع للموظفين مرتباتهم منذ عشرة أشهر. وهناك تفكير في أن يخصم منهم مرتب ثلاثة أشهر كما حاق بهم من قبل.
15 يوليو 1858
مر سعيد باشا أمس في «السكة الجديدة» دون أن يلتفت إليه أي عربي أدنى التفات، فإلى ذلك الحد أصبح هذا الرجل محتقراً. ولم يحيه إلا بعض الأوروبيين. وعندما وصل إلى القلعة، قذف جمهور من العرب عرائض في عربته، فألقاها خارج العربة قائلاً لهم إنه لن يصرف لهم مرتبات قبل شهر «توت».
وأباح أخيراً أحد القناصل لنفسه أن يبدي بعض الملاحظات للباشا بشأن مرتبات الموظفين المتأخرة، فأجابه:
• إنك تدهشني. لقد دان أبي بمرتبات أربعين شهراً للمستخدمين دون أن يجرؤ أحد على أن يبدي له ملاحظة. وأنا أيضاً أرى أن أحكم كما يطيب لي.
ولقد قدر مبلغ ما ينفقه سعيد في نزواته الجنونية المتنوعة فكان في اليوم الواحد أكثر من دخل مصر في اليوم الواحد.
كذب المنجمون…
كتب المدعو «شيبا أفندي» الموظف بنظارة الحربية أنه قرأ طالع سعيد باشا فأظهر أن وفاته ستحين سنة 1275 هجرية التي بدأت في 9 أغسطس سنة 1855. وقد صودرت هذه الرسالة، وصدر الأمر بنفي «شيبا» إلى فازوغلو، أي بإلقائه في النيل أثناء الرحلة. وفي الوقت نفسه صدر الأمر باعتقال جميع السحرة والمنجمين وضاربي الرمل. ومن ضمن هؤلاء التعساء الذين بلغ عددهم ثمانين شخصاً، كان الشيخ «علي الليثي» وهو عالم كان يشتغل بعلم التنجيم كغيره من العلماء، إلا أنه كان خدين أحمد باشا، ومن المحتمل أن يغرقوه كما أغرقوا سيده.
موظف كبير!
إن الطريقة التي بها يجعلون موظفاً يقفز من منصب إلى آخر جديرة بالملاحظة.
عابدين باشا موظف في سك النقود كان قد بلغ مرتبة البكباشي وهو في السابعة عشرة من عمره. وأصبح سكرتيراً خاصاً لعباس باشا، ثم غضب عليه الوالي فنقل رئيساً لجوقة موسيقى «الماروزة» أي فرقة الحرس المنتخبين. ولما لم يكن يصلح قط لهذه الوظيفة فقد نقلوه مديراً لإقليم الجيزة، وكثيراً ما رآه الناس يفر من مكتبه مصطحباً حجابه، إلى حيث يلهو على شاطئ النهر.
تبذير… وتقتير
اصطحب سعيد باشا في رحلته إلى «طيبة» للاحتفال بعيد ميلاده 37 سفينة بخارية، كانت آخرها تحمل مسرحاً للتمثيل.
وتدر مصر حوالي 25 مليون ريال (125 مليون فرنك) على الباشا الذي يحكمها ولا يفعل شيئاً في سبيل خيرها في الحاضر ولا في المستقبل، ولا يسعى سعيد إلا لتكديس المال ثم تبذيره مع «برافي» و«باستريه» و«دي ليسبس»، ويقال إنه أودع أخيراً مائة ألف جنيه في أوروبا (25.000.000 فرنك).
وهو لا يتردد في استخدام أي وسيلة من شأنها أن تزيد ثروته. أمر منذ عام ونصف عام تقريباً بإنشاء سجل جديد لمصر، فقد طلب أن يرى المقياس الزراعي المعروف «بالقصبة»، ونظر فيها فبدا له أنها أطول مما ينبغي، وكسر من أحد طرفيها قطعة تبلغ نحو عشرة أصابع قائلاً:
• منذ الآن، يكون هذا طول القصبة.
وبهذه القصبة قيدت الأملاك في مصر. وقد زاد هذا المقياس الزائف دخله بنسبة العشر.
وأنا أقدر هذه النسبة على أساس من الواقعة التالية:
كان مسيو «دروفتي» (قنصل فرنسا) قد نال من محمد علي أبعادية مساحتها 300 فدان في الفيوم. فلما جاء ابن القنصل سنة 1858 يطالب بالامتياز الممنوح لوالده، وجد أن الأرض التي كانت محددة المساحة فيما مضى تحوي 330 فداناً حالياً.
جباية ضريبة
أراد سعيد باشا في أول عهده أن يجبر بعض قبائل الصعيد على أن يدفعوا «الميري» عن الأراضي التي يزرعونها، وكان محمد علي قد أعفاهم من هذه الضريبة لقاء خدمات أدوها له أثناء حرب الشام. فلما رفضوا، سيّر إليهم سعيد باشا فرقاً من الجيش هزمتهم. فأذعن الشيوخ على شرط أن يؤمنهم على حياتهم، غير أن سعيداً لم يرغب في التصديق على هذا التعهد، وأمر بإعدامهم. ورفض الباشا المكلف بقيادة تلك الحملة تنفيذ الأمر، فعزله، وأمر بربط عدد من رؤساء تلك القبائل إلى فوهات المدافع وإطلاقها، ثم أرسل الآخرين إلى الأشغال الشاقة بالإسكندرية حيث عومل هؤلاء التعساء أقسى معاملة. وبعد انقضاء بضعة أشهر، قال للباشا طبيبه «لا وتنير بك» إن أولئك المساكين قد أشرفوا على الهلاك، فأجابه الباشا:
• وهل تظن أنني أحضرتهم إلى هنا للإبقاء على حياتهم؟
وهذا العمل الذي افتتح به سعيد عهده قد بدد الآمال التي عقدها أصحاب النية الحسنة والقلوب الطيبة على أمير رباه الأوروبيون. والآن لا يسبح إلا مسيو «دي ليسبس» وفرقته بحمد الباشا الذي يملأ بالمال خزائنهم.
المجون الرسمي
لقد جرى سعيد على أن يستخدم أوسمته استخداماً غريباً لا ينبغي أن نصمت عن إذاعته لكي يعتبر بذلك الملوك الأوروبيون الذين يقذفون إلى درك العار بهذه الشارات المشرفة إذ هم يمنحونها لأمثال هؤلاء الداعرين. ففي ليالي المجون الكبرى يخلع ثيابه ويظل عارياً كجميع غلمانه، فيقلد أحدهم وشاح «جوقة الشرف» والآخر رباط “سان موريس” أو «سان لازار» أو وشاح «البرج والسيف» البرتغالي، ويلهو بأن ينتهك صاحب الجلالة الإمبراطورية أو جلالة ملك هذا البلد أو ذاك. ولما كان يقوم طوراً بالدور الإيجابي وطوراً بالدور السلبي، فليس يحق لأحد أن يستاء.
ولا يتخذ سعيد حرسه إلا من فتيان تتراوح أعمارهم بين 12 و16 سنة. وفي الصباح، يرى المرء نحو ستة من حرس الباشا خارجين من جناحه، وقد أنهكتهم ليلة من المجون أكثر مما ينهكهم نهار من التدريب العسكري.
ويعطي سموه خواتم من الماس وساعات ذهبية لأولئك الذين يخضعون لنزواته. وذات يوم أراد أحد هؤلاء الجنود أن يبيع جوهرة فأدى ذلك إلى اعتقاله على أثر اشتباه الصائغ الأوروبي فيه وظنه قد سرقها. فصرح الجندي بأن الباشا هو الذي منحه ذلك الخاتم. ورفعوا الأمر إلى الباشا، فقال:
• ألست حراً في أن أعطي الهبات لمن أشاء؟
مبادئ الحكم!
لقد أمر سموه أخيراً بدفع مرتب موظفيه عن ستة أشهر، بينما هو مدين لهم بمرتباتهم عن اثني عشر شهراً (10 ديسمبر 1858).
وهذا هو التعليل العجيب الذي ذكره سموه لواحد من الأوروبيين كان يحدثه عن بؤس الموظفين:
• إن في الاستبداد ضمان القوانين وحياتها. فلو أنني كنت أدفع للجيش وللموظفين مرتباتهم بانتظام كما هو الحال لدى الإفرنج إذن لطردوني من البلاد عندما تحين أول لحظة تضطرني فيها الظروف إلى تأجيل الدفع. فالأفضل هو التصرف كما نفعل. وهكذا لن يجرؤ موظف على أن يترك مركزه، ونحظى بالرضا الشعبي بعض الوقت كلما أمرنا بصرف المتأخر من مرتبات الموظفين على غير ما يتوقعون. أما إذا كانت هناك ميزانية فلن نستطيع أن نتصرف كما نشاء في المال العمومي، ولا أن نظفر بخدمات الرجال الذين نحتاج إلى طاعتهم ولا يستحقون أن نخضعهم بالعنف.
إسماعيل باشا
مما يجدر بالملاحظة أنه من بين جميع أبناء الباشوات الذين تربوا في أوروبا لم تظفر مصر بمواطن واحد ممتاز. فلقد أنهكوا أجسامهم جميعاً في المجون، وأخذوا جميع عيوبنا دون أن يكتسبوا واحدة من صفاتنا أو فضائلنا. لا يصلح أبناء شريف باشا إلا للتكبر عليك والجري وراء البنات.
وقد أعطى إسماعيل باشا ابن إبراهيم للدكتور «بروجيير» كتاب «وصف مصر» قائلاً له:
• أرحني من هذا الكلام الفارغ.
إسماعيل باشا محب للانتفاع إلى حد كبير. إن هباته الكريمة ناتجة عن غروره ولكنه شحيح جداً.. فهو يتذكر أدنى نفقاته. قال يوماً:
• كلفني غدائي مع نوبار في القهوة الإنجليزية التي قصدناها متنكرين 137 فرنكاً و50 سنتيماً.
عندما سافر الوالي إلى فيشي في أغسطس عام 1867، جمحت الجياد التي كانت تجر مركبته في بعض الطريق. وكان في صحبته «نوبار» و«شارل إدمون» فرجياه ألا يرتاع وألا يخشى شيئاً، ولكن خوفه دفعه إلى أن يقذف نفسه خارج العربة فسقط في الوحل. وقبل أن ينزل نوبار ليعينه على النهوض قال لصاحبه: ها هو ذا في معدنه.
وعلى أثر عودة الباشا إلى مصر، وقد صده أصحاب الأموال الذين حاول الاستدانة منهم، خفض مرتبات موظفيه. وكان نوبار ضمن من شملهم هذا الإجراء، فاستاء وعزم على ترك الخدمة. ولكنه مضى فاستشار إحدى قارئات الغيب في أوراق اللعب، وبناء على آرائها قرر البقاء.
- إدريس أفندي هو الاسم الذي عُرف به الفنان والمستشرق الفرنسي الشهير إيميل بريس دافين (Emile Prisse d’Avennes) خلال إقامته الطويلة في مصر في القرن التاسع عشر (1807–1879). أطلق عليه المصريون اسم “إدريس” الذي تحول لاحقاً إلى “إدريس أفندي” نظراً لإتقانه اللغة العربية واندماجه العميق في المجتمع المصري، حيث عاش في مصر لمدة 17 عاماً.
تعد مذكراته “إدريس أفندي في مصر”: وثيقة تاريخية هامة سجل فيها مشاهداته حول الحياة الاجتماعية، وكواليس الحكم والسياسة في عصر محمد علي وأبنائه (إبراهيم، عباس، سعيد، وإسماعيل). تميزت مذكراته بالصراحة والجرأة في نقد السلطة، حيث وصفها أحياناً بـ”الاستبداد”.
نهاية حياته: توفي في باريس عام 1879، وتُحفظ معظم مخطوطاته وأوراقه التي لم تُنشر بالكامل في المكتبة الوطنية بباريس. - أنور لوقا ( 1927- 2003 ) كاتب و مفكر و مترجم و مؤرخ و باحث واكاديمى مصرى, استاذ اللغه و الادب العربى بجامعة ليون، فرنسا.
