مقدمة
تمثل مسألة الاستدامة الوجودية للدولة العبرية في المرحلة الراهنة مادة دسمة للدراسات الجيوسياسية والاجتماعية، حيث تتقاطع التحليلات الأكاديمية الرصينة مع النبوءات التاريخية واللاهوتية لتشكل مشهداً معقداً يتجاوز القراءات الأمنية السطحية. إن التساؤل حول مستقبل إسرائيل لم يعد حكراً على خصومها الإقليميين، بل بات هاجساً مركزياً يناقشه قادة الفكر والسياسة داخل الكيان نفسه، مدفوعاً بمتغيرات داخلية وإقليمية ودولية غير مسبوقة. يعالج هذا التقرير باستفاضة الجوانب المتعددة التي تستند إليها الدراسات المتنبئة بزوال إسرائيل أو تفككها، بدءاً من نظرية “لعنة العقد الثامن” وصولاً إلى الأزمات الديمغرافية، والتصدعات الاجتماعية الأونتولوجية، وتآكل الشرعية الدولية، معتمداً على البيانات الاستقصائية والتقارير الاستخباراتية الصادرة حتى مطلع عام 2026.
المنظور التاريخي واللاهوتي: دورة الفناء ولعنة العقد الثامن
تعتبر “لعنة العقد الثامن” المحور النفسي والتاريخي الأبرز في النقاش الإسرائيلي الداخلي حول الزوال. لا تستند هذه الفكرة إلى خرافات فحسب، بل إلى استقراء تاريخي للتجربة السياسية اليهودية عبر العصور، حيث تشير المعطيات التاريخية إلى أن أي كيان سياسي يهودي موحد لم يعمر لأكثر من ثمانية عقود. بدأت مملكة داود وسليمان في التفكك والانقسام في عقدها الثامن، كما واجهت مملكة الحشمونائيم المصير نفسه بسبب الانقسامات الداخلية التي أدت إلى خضوعها للرومان بعد 77 عاماً من تأسيسها.
لقد استدعى قادة بارزون مثل إيهود باراك ونفتالي بينيت هذه الذاكرة التاريخية للتحذير من مغبة الانقسام الراهن. يرى باراك أن التهديد الحقيقي لإسرائيل يكمن في “الكراهية الداخلية” والتعصب والشرخ الاجتماعي الذي يتفاقم سنوياً، وهو ما يمهد الطريق لتكرار سيناريوهات الانهيار التاريخية. هذا الهاجس النفسي تحول إلى مادة للبحث العلمي، حيث يدرس باحثون إسرائيليون السنن التاريخية التي أدت إلى انهيار دول وإمبراطوريات كبرى في عقدها الثامن، مثل الاتحاد السوفيتي الذي تفكك عام 1991، وتجارب إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية.
الممالك اليهودية والمدى الزمني للاستقرار
| الكيان السياسي | فترة الصمود والوحدة | الأسباب الرئيسية للانهيار |
| مملكة داود وسليمان | حوالي 80 عاماً | النزاعات الداخلية على السلطة والانقسام لكيانين |
| مملكة الحشمونائيم | حوالي 77 عاماً | الاقتتال الداخلي والتدخل الخارجي (روما) |
| دولة إسرائيل (الكيان الثالث) | 1948 – الوقت الراهن |
يشير هذا الاستقراء إلى أن العقد الثامن يمثل “عنق زجاجة” وجودي في الوعي الجمعي الصهيوني. إن الخطاب السياسي المعاصر، خاصة بعد أحداث 2023-2025، يعكس تخوفاً حقيقياً من أن تكون إسرائيل قد دخلت بالفعل مرحلة “التفكك من الداخل” التي سبقت الانهيارات التاريخية السابقة.
التصدع الاجتماعي والفقاعة الأونتولوجية: دراسات “دور موريا”
تعد دراسات “مركز دور موريا للتحليل” (Dor Moriah Analytics Center) من أعمق القراءات المعاصرة التي تتنبأ باستحالة استمرار إسرائيل في شكلها الحالي. صاغ الباحثون مصطلح “الفقاعة الأونتولوجية” (Ontological Bubble) لوصف الانقسام الذي تجاوز الخلاف السياسي التقليدي ليصل إلى تصادم في رؤية الوجود والواقع نفسه. ينقسم المجتمع الإسرائيلي إلى عالمين متناحرين: “العلماني الليبرالي” و”الديني المحافظ”، حيث يعيش كل طرف في سردية منعزلة تماماً عن الآخر.
تؤكد البيانات الإحصائية لعام 2025 أن هذا الانقسام ليس مجرد تباين في الآراء، بل هو “نظام تدمير ذاتي” يتغذى على العداء المتبادل. تشير النتائج إلى أن 27.2% فقط من السكان يتبنون مواقف معتدلة تجاه بنية الدولة، بينما تسيطر المواقف الراديكالية على الغالبية العظمى. هذا الاستقطاب يجعل من المستحيل التوصل إلى تسويات وطنية، حيث يُنظر إلى أي محاولة للحوار بوصفها خيانة للمبادئ الوجودية لكل معسكر.
مؤشرات الاستقطاب والوعي بالصراع
| القضية | رؤية المعسكر العلماني الليبرالي | رؤية المعسكر الديني القومي/الحريدي |
| الصراع الفلسطيني الإسرائيلي | نزاع إقليمي يمكن حله سياسياً (34.1%) | صدام وجودي بين الإسلام واليهودية (45%) |
| ضم الأراضي الفلسطينية | يعارضه الغالبية الساحقة (23.3% فقط يؤيدون) | يؤيده 56.9% كضرورة دينية وأمنية |
| مستقبل الدولة | دولة ديمقراطية لكل مواطنيها | “نموذج يهودا” الثيوقراطي القائم على الشريعة |
إن هذا الشرخ الأونتولوجي يؤدي مباشرة إلى تآكل “التماسك الوطني” الذي كان الركيزة الأساسية لانتصارات إسرائيل السابقة. عندما يشعر المواطن أن التهديد الداخلي (المواطن الآخر) يفوق التهديد الخارجي، تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها في نظر مواطنيها، وهو ما يعد شرطاً أساسياً لتفكك الدول وانهيارها من الداخل.
المعضلة الديمغرافية والنمو غير المستدام: قراءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)
تعتبر الديمغرافيا في إسرائيل “قنبلة موقوتة” تهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني على المدى البعيد. تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ودراسات معهد “إن إس إس” (INSS) إلى أن معدلات الخصوبة العالية جداً في المجتمع الإسرائيلي، وبخاصة لدى “الحريديم”، تخلق تحديات اقتصادية هيكلية لا يمكن التغلب عليها بالوسائل التقليدية.
بحلول عام 2060، من المتوقع أن يشكل العرب والحريديم معاً حوالي 50% من السكان في سن العمل. تكمن المشكلة في أن هذه الفئات تتميز بمعدلات مشاركة منخفضة في سوق العمل، وتفتقر إلى المهارات المطلوبة في الاقتصاد الحديث نتيجة رفض المدارس الحريدية تدريس المواد الأساسية (الرياضيات، العلوم، اللغة الإنجليزية). هذا التحول يعني أن “النخبة الليبرالية” المنتجة، التي تمثل حالياً المحرك الأساسي للاقتصاد والجيش، ستضطر لتحمل عبء ضريبي وأمني متزايد، مما قد يدفعها للهجرة العكسية، وهو ما يسرع من عملية انهيار الدولة.
مقارنة معدلات الخصوبة والتبعات الاجتماعية
| الفئة السكانية | معدل الخصوبة (أطفال لكل امرأة) | المشاركة في القوة العاملة والجيش |
| النساء الحريديات | 6.6 أطفال | منخفضة جداً (للرجال) ومعفيون من الجيش |
| النساء العربيات | حوالي 3.0 أطفال | متزايدة تدريجياً مع فجوات اقتصادية واسعة |
| النساء العلمانيات | 2.1 طفل | مرتفعة جداً ويمثلون العمود الفقري للدولة |
يؤدي هذا النمو السكاني السريع في دولة ذات مساحة محدودة وموارد مائية وطاقية ضئيلة إلى ضغوط هائلة على البنية التحتية والبيئة. إن استمرار هذا الاتجاه الديمغرافي يعني أن إسرائيل ستتحول تدريجياً إلى “دولة عالم ثالث” من حيث جودة الحياة والإنتاجية، مما يفقدها تفوقها التكنولوجي والنوعي الذي يضمن بقاءها في محيط معادٍ.
تآكل العقيدة الأمنية وفشل الردع بعد “طوفان الأقصى”
لطالما اعتمدت إسرائيل في بقائها على أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” والقدرة على حسم المعارك بسرعة في أرض العدو. إلا أن أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من حروب استنزاف طويلة في غزة ولبنان حتى عام 2026، أظهرت فشلاً ذريعاً في هذه العقيدة. تذكر الدراسات الجيوسياسية أن إسرائيل تعيش الآن “مفترق طرق جيوسياسي”، حيث لم تعد قادرة على تحقيق انتصارات حاسمة، وباتت مهددة بحروب بالوكالة متعددة الأطراف تستنزف مواردها البشرية والمادية.
تراجع الثقة بالمؤسسة العسكرية (2025-2026)
تظهر استطلاعات الرأي الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في يناير 2026 تراجعاً مقلقاً في ثقة الجمهور الإسرائيلي بالجيش، وهي المؤسسة التي كانت تاريخياً “بقرة مقدسة” ومصدر الإجماع الوحيد. انخفضت نسبة الثقة العالية بالجيش من 74.5% في ديسمبر 2025 إلى 69% في يناير 2026، وهو أدنى مستوى يسجل منذ عقود. كما أن ثقة الجمهور في تقارير المتحدث باسم الجيش وعمليات التحقيق واستخلاص الدروس تراجعت بشكل حاد، مما يشير إلى أزمة عميقة في المصداقية.
| تاريخ الاستطلاع | مستوى الثقة بالجيش (إجمالي) | مستوى الثقة بالحكومة |
| أكتوبر 2025 | 78% | 27% |
| نوفمبر 2025 | 74% | 26% |
| يناير 2026 | 69% | 20% |
هذا التراجع في الثقة لا يقتصر على الأداء الميداني، بل يمتد إلى “تسييس الجيش” وتأثير الخلافات السياسية على رتب القيادة العليا. إن فقدان الجمهور للثقة في الجيش والقيادة السياسية يعني انهيار “الحصانة الوطنية”، وهو مؤشر حيوي في الدراسات التي تتنبأ بقرب زوال الكيان نتيجة التآكل الداخلي قبل الهزيمة العسكرية الخارجية.
الاقتصاد الإسرائيلي بين صمود التكنولوجيا واستنزاف الميزانية
يعد قطاع التكنولوجيا الفائقة (High-Tech) المحرك الوحيد لنمو إجمالي الناتج المحلي، حيث يسهم بنحو 17% من الناتج القومي. ومع ذلك، تشير تقارير عام 2025 إلى حالة من “الركود المطول” في هذا القطاع، مع انخفاض بنسبة 6.5% في وظائف البحث والتطوير وتباطؤ حاد في تأسيس شركات ناشئة جديدة.
تتوقع الدراسات الاقتصادية أن يؤدي العجز المتزايد في الميزانية نتيجة تكاليف الحرب والاحتياجات الأمنية المتصاعدة إلى تقليص الاستثمارات في التعليم والبنية التحتية. يرى البروفيسور دان بن ديفيد أن المخاطر طويلة المدى تكمن في “النزيف المعرفي”، حيث تهاجر العقول التي تشغل قطاع التكنولوجيا هرباً من الأعباء الأمنية والضرائب، مما يترك الدولة في حالة من الشلل الاقتصادي.
| مؤشر قطاع التكنولوجيا | القيمة في 2025 | الملاحظات |
| حصة التكنولوجيا من الصادرات | 57% | اعتماد كلي يجعل الاقتصاد عرضة للهزات |
| نمو التوظيف في القطاع | أقل من 2% | تراجع عن 5% في العقد الماضي |
| ثقة المستثمرين الأجانب | 71% يتصرفون بحذر | تراجع التدفقات النقدية الخارجية |
إن هذا الاعتماد المفرط على قطاع واحد وحساس يجعل الاقتصاد الإسرائيلي “هشاً” للغاية أمام المقاطعة الدولية أو الحروب الطويلة. إذا استمرت النخبة التكنولوجية في الهجرة أو تقليص نشاطها، فإن الدولة ستفقد قدرتها على تمويل ترسانتها العسكرية المتطورة، وهو ما يضع نهاية لـ “التفوق النوعي” الذي تراهن عليه إسرائيل للبقاء.
الشرعية الدولية وحركة المقاطعة: معركة الوعي والاعتراف
تعتبر حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS) واحدة من أهم العوامل التي تدرسها مراكز الأبحاث كأداة لتفكيك إسرائيل “من الخارج إلى الداخل”. لا تهدف الحركة إلى تدمير إسرائيل عسكرياً، بل إلى تجريدها من شرعيتها الدولية وتحويلها إلى “دولة منبوذة” على غرار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
تؤكد الدراسات أن تأثير المقاطعة لا يقاس فقط بالخسائر المالية المباشرة، بل بـ “عزل الكيان” ثقافياً وأكاديمياً ودبلوماسياً. تشير التقارير لعام 2024 و2025 إلى أن إسرائيل تواجه تدقيقاً غير مسبوق في المحافل الدولية، مع تزايد عدد الدول التي تقلص علاقاتها العسكرية والاقتصادية معها نتيجة اتهامات بـ “الإبادة الجماعية” في غزة. كما أن التحولات في الرأي العام العالمي، وبخاصة لدى الأجيال الشابة في الولايات المتحدة وأوروبا، تشير إلى فقدان إسرائيل لـ “الدرع الأخلاقي” الذي كان يحميها من العقوبات الدولية.
سيناريو “الدولة الواحدة” والانهيار الديمقراطي
تتنبأ بعض الدراسات، ومنها تقارير منسوبة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، بأن إسرائيل ستواجه حركة “حتمية” نحو حل الدولة الواحدة نتيجة فشل حل الدولتين واستمرار الاستيطان. هذا النموذج سيؤدي في النهاية إلى “زوال الدولة اليهودية” بصيغتها الصهيونية الحالية، لتتحل محلها دولة ديمقراطية للمواطنين كافة، مما يعني نهاية “المشروع القومي اليهودي”. يتوقع هذا السيناريو هجرة عكسية لمليوني إسرائيلي إلى الولايات المتحدة وأوروبا خلال 15 عاماً، مدفوعاً بفقدان الثقة في إمكانية العيش في “دولة فصل عنصري” محاطة بالعداء.
مراجعات “المؤرخين الجدد” وتفكيك الأساطير التأسيسية
لعبت مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين، المعروفين بـ “المؤرخين الجدد”، دوراً حاسماً في تقويض الأساس الأيديولوجي لبقاء إسرائيل من خلال كشف “الأساطير التأسيسية” التي قامت عليها الدولة. أثبت باحثون مثل إيلان بابيه وبيني موريس، من خلال الوثائق الأرشيفية، أن نشوء إسرائيل لم يكن “معجزة إلهية” أو دفاعاً عن النفس فحسب، بل ارتبط بعمليات “تطهير عرقي” مخططة ضد الفلسطينيين.
يرى إيلان بابيه أن استمرار إسرائيل في إنكار حقوق اللاجئين والتمسك بنموذج “الدولة القومية الإقصائية” سيؤدي حتماً إلى صراعات دموية لا تنتهي، مما يجعل الدولة “غير قابلة للحياة” في المدى الطويل. بينما يرى بيني موريس، رغم مواقفه اليمينية أحياناً، أن “هذا المكان سيتدهور” وأن الصدام الوجودي بين الهويتين اليهودية والفلسطينية هو “مباراة صفرية” قد تنتهي بزوال الكيان إذا لم يتمكن من الاندماج في المنطقة، وهو أمر يبدو مستحيلاً في ظل الأيديولوجيا الصهيونية الراهنة.
المعارضة الدينية اليهودية: الصهيونية كـ “تمرد على الله”
من المثير للاهتمام أن بعض أشد النبوءات بزوال إسرائيل تأتي من داخل البيت اليهودي الأرثوذكسي. تعتبر حركات مثل “ناطوري كارتا” وطائفة “ساتمار” أن وجود دولة إسرائيل هو “خطيئة كبرى” وعمل “هرطقي” يعجل بخراب الشعب اليهودي.
تستند هذه القناعة إلى “الأيمان الثلاثة” في التلمود، التي تحظر على اليهود العودة الجماعية إلى الأرض المقدسة بالقوة أو التمرد على الأمم قبل مجيء المسيح. يرى هؤلاء أن الصهيونية استبدلت “الإيمان بالله” بـ “القومية المادية”، وهو ما سيؤدي حتماً إلى سقوط الدولة كما سقطت الممالك السابقة التي حادت عن الشريعة. هذا التيار الديني، وإن كان أقلياً، يسهم في تعميق الشرخ الداخلي ويفقد الدولة شرعيتها الدينية في نظر قطاعات من المتدينين الذين يرفضون حتى الاعتراف بعلم الدولة أو مؤسساتها.
استشراف المستقبل: سيناريوهات التفكك والانهيار (2026-2030)
بناءً على المعطيات السابقة، ترسم مراكز الأبحاث عدة سيناريوهات لمستقبل إسرائيل في عقدها الثامن، تتراوح بين الانهيار المفاجئ والتحلل البطيء:
- سيناريو التفكك البطيء والكانتونات: وهو السيناريو الأقرب للواقع الحالي، حيث تفقد الدولة احتكارها للقوة وتتحول إلى كيانات اجتماعية متناحرة (علمانيون، متدينون، عرب)، وتصبح أكثر فقراً وعزلة نتيجة نزيف العقول وتراجع الاستثمارات.
- سيناريو “نموذج يهودا” الثيوقراطي: سيطرة اليمين الديني المتطرف على مفاصل الدولة وتحويلها إلى كيان ثيوقراطي عدواني. هذا الكيان قد يستمر لفترة بقوة السلاح، لكنه يحمل بذور فنائه بداخله لعدم قدرته على الاستدامة الاقتصادية والعسكرية بدون النخبة الليبرالية والعمق الدولي.
- سيناريو الانهيار تحت ضغط الاستنزاف: دخول إسرائيل في حرب إقليمية شاملة متعددة الجبهات تؤدي إلى تدمير البنية التحتية وانهيار الاقتصاد، مما يدفع بمئات الآلاف من الإسرائيليين للهجرة الجماعية العكسية، وهو ما تصفه بعض الدراسات بـ “نهاية الحلم الصهيوني”.
- سيناريو التحول إلى دولة ديمقراطية ثنائية القومية: نتيجة الضغوط الدولية وتآكل خيار حل الدولتين، تجد إسرائيل نفسها مجبرة على منح حقوق متساوية للفلسطينيين، مما يعني نهاية “يهودية الدولة” وذوبان المشروع الصهيوني في كيان جديد.
الخلاصة والنتائج التحليلية
إن الدراسات التي تتنبأ بزوال إسرائيل لا تستند إلى رغبات عاطفية فحسب، بل تنطلق من مؤشرات بنيوية عميقة تشير إلى أن الكيان الصهيوني يواجه “أزمة وجودية شاملة” في عقده الثامن. يمكن تلخيص هذه النتائج في النقاط التالية:
- التآكل الداخلي: إن الانقسام الأونتولوجي بين العلمانيين والمتدينين يمثل التهديد الأكبر، حيث يتجاوز الخطر الخارجي ليضرب أساس “الشرعية الوطنية” والتماسك الاجتماعي.
- المعضلة الهيكلية للاقتصاد والجيش: إن نمو الفئات غير المنتجة (الحريديم) وتهربها من الخدمة العسكرية يضع عبئاً غير مستدام على النخبة المنتجة، مما يهدد بانهيار “جيش الشعب” والاقتصاد التكنولوجي.
- تغير موازين القوى الإقليمية: فشل الردع التقليدي وتصاعد قوة “محور المقاومة” وحروب الاستنزاف الطويلة تجعل من إسرائيل مكاناً غير آمن للاستثمار أو السكن، مما يحفز الهجرة العكسية.
- العزلة الدولية وفقدان الشرعية الأخلاقية: نجاح حركات المقاطعة وتغير الرأي العام العالمي يحول إسرائيل تدريجياً إلى “عبء استراتيجي” على حلفائها، ويقوض قدرتها على البقاء كدولة “يهودية وديمقراطية”.
عبد الوهاب المسيري وتحليل الدولة الوظيفية: رؤية الانهيار من الداخل

يُعد المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري من أبرز مَن وضعوا إطاراً معرفياً متكاملاً يتنبأ بانهيار إسرائيل، ليس انطلاقاً من نبوءات دينية غيبية فحسب، بل عبر تفكيك “النموذج المعرفي” للصهيونية وتطبيقاته على أرض الواقع في كتابه “انهيار إسرائيل من الداخل”. يرتكز تحليل المسيري على أن إسرائيل هي “دولة وظيفية” (Functional State)، أي أنها كيان استعماري اصطنعه الغرب ليقوم بوظيفة محددة: العمل كقاعدة عسكرية لحماية المصالح الإمبريالية وتصدير “الفائض البشري” اليهودي المرفوض في أوروبا إلى خارج حدودها. ويرى المسيري أن الدول الوظيفية تحمل بذور فنائها بداخلها؛ لأنها تفقد مبرر وجودها بمجرد أن تصبح كلفتها على “الدولة الراعية” أكبر من عائداتها الوظيفية.
يفصل المسيري في كتابه مجموعة من المؤشرات التي تؤكد أن عملية الانهيار قد بدأت بالفعل، وأهمها “سقوط الإجماع الصهيوني”. فقد استند المشروع قديماً إلى أساطير مثل “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، ولكن صمود الفلسطينيين وتجذرهم في أرضهم نسف هذه الرواية، وجعل المستوطن يعيش في حالة “قلق وجودي” دائم. هذا القلق أدى إلى ما يسميه المسيري “الخروج الثاني” (The Second Exodus)، وهي ظاهرة الهجرة العكسية لليهود من إسرائيل نحو الغرب؛ حيث تشير البيانات التي استشهد بها إلى أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين (تصل إلى 52% في بعض الاستطلاعات) لا يستبعدون الرحيل إذا توفرت الفرصة، بينما يشعر 24% فقط بالثقة الكاملة في مستقبل الدولة.
علاوة على ذلك، يربط المسيري بين الانهيار وتآكل “المنظومة الأخلاقية” داخل الكيان. يرى أن المجتمع الإسرائيلي تحول من مجتمع استيطاني “متقشف ومحارب” إلى مجتمع “لذّي” (Hedonistic) يقدس الرفاهية الفردية على حساب الجماعة، مما أدى إلى تفشي الفساد في القيادة وتراجع الدافعية للخدمة العسكرية. إن غياب “المعنى” وتحول الدولة إلى مجرد “جيب استيطاني” محاط بالعداء يضعها في مقارنة تاريخية مع “الممالك الصليبية”؛ حيث يخلص المسيري إلى أن كل جيب استيطاني فشل في إبادة السكان الأصليين (كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر) كان مصيره المحتوم هو التفكك والزوال، وهي الحتمية التاريخية التي تواجهها إسرائيل اليوم نتيجة فشلها في كسر إرادة المقاومة الفلسطينية.
وفي تحليله لبنية المجتمع، يشدد المسيري على أن “الثقوب في بيت العنكبوت” الإسرائيلي تزداد اتساعاً بسبب التناقض بين الكتل البشرية المهاجرة؛ فاليهود السوفيت، على سبيل المثال، متمسكون بهويتهم الروسية ويرفضون “الصهر” داخل البوتقة الصهيونية، مما يحول المجتمع إلى “كانتونات” متناحرة لا يجمعها سوى الخوف من العدو الخارجي. ويخلص المسيري إلى أن الحل الوحيد المستدام للمنطقة هو زوال هذه الصيغة الصهيونية الإقصائية واستبدالها بدولة متعددة الأديان والهويات، على غرار نموذج جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد، لأن الكيان الوظيفي بطبيعته لا يمكنه استيعاب “الآخر” أو التعايش معه.
في النهاية، يبدو أن “لعنة العقد الثامن” تحمل توصيفت لحالة من الاحتقان البنيوي الذي وصل إلى ذروته. إن إسرائيل في عام 2026 تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى، حيث تتقاطع الأزمات الاجتماعية والديمغرافية والأمنية لتضع الكيان أمام خيارات مصيرية قد تنتهي بتفكك الدولة أو تحولها الجذري الذي ينهي صيغتها الصهيونية التي تأسست عليها عام 1948.