رحيل رائد تحديث الصحافة السعودية: محمد علي حافظ

توفي اليوم الأحد 17 مايو 2026م محمد علي حافظ (1937–2026) أحد أبرز رواد الصحافة السعودية، عن عمر ناهز التسعين عامًا. ولد حافظ في المدينة المنورة عام 1937م في أسرة صحفية عريقة (والده علي حافظ وعمه عثمان حافظ مؤسسا جريدة «المدينة» عام 1937) وتلقى تعليمه الثانوي في السعودية، ثم منحته الدولة منحة إلى مصر حيث نال ليسانس الصحافة من جامعة القاهرة.

خلال مسيرته الصحافية التي امتدت عقودًا، شغل أرفع المناصب التحريرية والإدارية في الصحافة السعودية، إذ تولى في شبابه رئاسة تحرير «المدينة» (مع شقيقه هشام) ثم أشرف على إطلاق أولى الصحف السعودية بالإنجليزية («عرب نيوز» عام 1975) تلاها تأسيس أول جريدة عربية دولية («الشرق الأوسط» عام 1978) من لندن. إضافة إلى ذلك أسس مؤسسات صحفية وإعلانية تقوية لصناعة الإعلام السعودية، وكان عضوًا مؤسسًا في «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق سابقًا).

أثّرت جهود محمد علي حافظ بعمق في تطور الإعلام السعودي والعربي الحديث. فقد نقل بالإصدارات التي أصدرها الصوت السعودي إلى آفاق عالمية وأسهم في مد جسور التواصل مع القارئ الدولي أثنى زملاء وأوساط إعلامية على مزاياه القيادية، ووصفه أحمد المسلماني (رئيس الهيئة الوطنية للإعلام المصرية) بأن الصحافة العربية فقدت “ناشرًا وكاتبًا من طراز فريد… وأحد الآباء المؤسسين للنهضة الصحفية المعاصرة”.

النشأة والسيرة الشخصية

ولد محمد علي بن عبد القادر حافظ في المدينة المنورة عام 1937م، تزامن مولده مع صدور العدد الأول من جريدة «المدينة» التي أسّسها والده علي حافظ وعمه عثمان حافظ عام 1937م، تعلّم في المرحلة الابتدائية والثانوية بالمدينة المنورة، ثم نال منحة دراسية للدراسة في مصر، فدرس في كلية الإعلام بجامعة القاهرة وتخرّج بشهادة ليسانس في الصحافة انتسب لاحقًا لسلك الخدمة المدنية بوزارة الإعلام السعودية عام 1960م.

نشأ حافظ في بيئة صحفية. كان شقيقه هشام حافظ (1933–2006) أكبر منه، وكانا معًا بمثابة “توأمين صحفيين”. تزوج وله أبناء بنى أسماءهم على أجدادهم (هشام، مايسة، حامد،عبدالله، من بينهم)، كما تربّع المحبة بينه وبين أفراد أسرته وزملائه بفضل خصاله النبيلة وسيرته العطرة.
في مختلف محطات حياة محمد علي حافظ تحضر بصمة عائلته الصحفية: أسّس والده جريدة «المدينة»، وتلقى هو وشقيقه هشام تدريباتهم الصحفية في القاهرة وتقلدا القيادة التحريرية في الصحف العائلية ثم الدولية.

كما أسّس محمد علي حافظ مع شقيقه هشام عدة شركات مساندة للإعلام، منها شركة الخليجية للإعلان، الشركة السعودية للتوزيع، وشركة الأفق للنظم الإلكترونية، دعمت جميعها بنيات النشر والتوزيع في المملكة.

يُعزى إلى محمد علي حافظ عددٌ من الإنجازات التحريرية والمؤسسية والثقافية الهامة في الصحافة السعودية والعربية، ومنها:

الصحف الدولية: كان من صُنّاع فكرة نقل الإعلام السعودي إلى العالم. أطلق مع شقيقه صحيفة «عرب نيوز» عام 1975م، لتكون أول يومية سعودية باللغة الإنجليزية تلاها تأسيس صحيفة «الشرق الأوسط» عام 1978 من لندن، كأول صحيفة عربية دولية تطبع وتوزع في عواصم متعددة بالتزامن. وقد أسّس هذان الإصداران معًا مظلة إعلامية واسعة لم تؤثر فقط على الصحافة السعودية بل الحديثة على الإعلام العربي ككل.

التطوير المهني والإداري: شغل قيادة تحرير وإدارة عدة صحف ومؤسسات. في ستينيات القرن العشرين كان أصغر رئيس تحرير صحيفة سعودية (المدينة المنورة) بعمر 25 عامًا، كما تولى إدارة الشركة العائلية للصحافة والنشر في جدة، مسهمًا بتحديث الطباعة والنشر السعودية، تحت إشرافه، اعتمدت الصحف التي أصدرها معايير مهنية عالية وإدارة مبتكرة، كما تبنّى عمودًا يوميًا (صباح الخير) عكس فيه أفكاره الصحفية والسياسية بوضوح.

المساهمات التقنية والثقافية: كان من الأوائل الذين دعوا إلى استجابة الإعلام لتغيرات السوق المحلية (زيادة العمالة الوافدة وتعدد اللغات)، فشهد فكره مبادرات تعريب النشر وإنتاج المحتوى بلغات متعددة، كما بادر بدعم التعليم الجامعي في الإعلام والتكنولوجيا، وامتد اهتمامه بالثقافة ودعم الأجيال الصحفية الشابة، كما حصل على وسام «الذئب البرونزي» في الكشافة العالمية عام 1965، وهو تقدير لأعماله المتميزة خارج نطاق الصحافة.

تأثيره على الإعلام السعودي والعربي

لعب الراحل محمد علي حافظ دورًا محوريًا في بناء الصحافة السعودية الحديثة. إذ نظّم مع أشقائه منظومة نشر متكاملة تجاوزت الحدود المحلية نحو العالمية، أفادت الشرق الأوسط بأنه «وضع الراحل وشقيقه ضمن كبار صناعة النشر في الشرق الأوسط» من خلال شركته (مجموعة الأبحاث والإعلام)، التي أصبحت أكبر مؤسسة إعلامية عربية متكاملة، وسّع حافظ من آفاق الصحافة السعودية محليًا ودوليًا.

وكان لأسلوبه التحريري الاستشرافي أثر بارز، إذ شهدت صحفه تحديثات في التبويب والمحتوى ومخاطبة جمهور جديد. ونقل أحد تقارير الأخبار اليومية (Good Morning) عن كتابه وصفه بالصحافي «اللامع وذو الرأي الصائب» هذا التأثير مكّن الإعلام السعودي من حضور أوسع في المنابر الدولية ورفد النخب الصحفية السعودية بخبرات عالمية.

عندما أعلن نبأ وفاته، أُطلق نعيه في كل وسائل الإعلام. فيذكر تقرير الشرق الأوسط أن «غيّب الموت الناشر السعودي البارز محمد علي حافظ… بعد مسيرة حافلة أسهم خلالها في تطوير إعلام سعودي تجاوز تأثيره الحدود المحلية» وأشاد به محرر عكاظ أحمد الصائغ قائلاً: «أسهم في تأسيس وتطوير كبريات المؤسسات الصحفية التي شكلت وجه الصحافة الدولية» و«قاد دفة التحرير في عرب نيوز… محققًا بها نقلة نوعية في المحتوى والتأثير».

كما نعى أحمد المسلماني (رئيس الهيئة الوطنية للإعلام المصرية) الراحل بتعزية رسمية، مفيدًا بأن «الصحافة العربية فقدت ناشرًا وكاتبًا من طراز فريد، فالأستاذ محمد علي حافظ من الآباء المؤسسين للنهضة الصحفية المعاصرة»، وأوضح أن هذه «النهضة» أعطت الإعلام السعودي حضورًا دوليًا واسع الأثر.

عاش محمد علي حافظ مسار الصحافة السعودية بأكمله تقريبًا. ففي بداية حياته (عقد الـ1930) كان الإعلام السعودي في مهده (صحيفة «المدينة» 1937م؛ راديو الحجاز 1949م؛ ورقية قليلة العدد). ومع عقود ما بعد توحيد المملكة، نمت الصحف المحلية تحت رقابة الدولة، ثم بدأت تظهر صحف خاصة في الستينات والسبعينات بموازاة تسريح أعداد كبيرة من الموظفين والخبراء بعد اكتشاف النفط. في هذا المناخ، انخرط حافظ في تطوير صحافة سعودية «عصرية» مبكرة.

في السبعينيات والتسعينيات، حققت الصحافة السعودية قدرًا من الاستقلال والاحترافية بالرغم من الإشراف الحكومي. وفي هذا الإطار أسس حافظ ونظام مجموعته صحفًا متعددة اللغات، مواكبًا توجهات العولمة الإعلامية التي كشفتها حقبة ما بعد النفط. تزامن ذلك مع انفتاح نسبي على العالم، ما أتاح إصدار «الشرق الأوسط» من لندن عام 1978 لتعكس صوتًا عربيًا سعوديًا عالميًا. وقد تلقى آل حافظ تشجيعًا مؤسسيًا (مثل إنشاء جامعة الملك عبدالعزيز في جدة التي دعا لها محمد علي حافظ في شبابه مما يساعد على تفسير بروزهم في المشهد الإعلامي.

لقد أحدث رحيل حافظ موجة تعازي وطنية وإقليمية، وغرّد العديد من الإعلاميين والإداريين السعوديين بهذا الخصوص. وقد أشارت بيانات رسمية وخاصة في مجموعة الأبحاث والإعلام إلى أنه أتم مسيرته وهو متفرغ لمتابعة المشاريع الإعلامية، تاركًا مؤسسته في وضع متين بقيادة أجيال جديدة. ويحسب للحافظ أنه أسس قاعدة صلبة لاستمرار الصحافة السعودية على الصعيد الدولي، ما يجعل وفاته نهاية فصل في تاريخها المعاصر.

ترك محمد علي حافظ إرثًا إعلاميًا ثريًا أثّر في مسيرة الصحافة السعودية والعربية برمّتها. أسهمت جهوده في بناء صحافة متعدّدة اللغات وقادرة على منافسة المؤسسات العالمية، كما حفرت بصمته في أجيال من الصحافيين الذين درّبهم وكتب لهم. يبقى تقييم دوره إيجابيًا في المصادر الرسمية والأكاديمية؛ فهو من الرواد المؤسسين لمقومات الإعلام السعودي الحديث. إن رحيله يذكّر بإسهامات جيل الرواد في تأسيس الصحافة الوطنية، ويفتح نقاشًا للتأمل في مستقبل ذلك الإعلام الذي صنع أمجاده وأسّسه منذ الستينات، وتوسيعه دوليًا في العقدين التاليين.


مصادر
صحافة طيبة.. البداية بـ المدينة وصولا لعشرات المطبوعات
جريدة المدينة
https://www.al-madina.com/article/248807
الهيئة الوطنية للإعلام تنعى رائد الصحافة السعودية محمد على حافظ
اليوم السابع
https://www.youm7.com/story/2026/5/18/الهيئة-الوطنية-للإعلام-تنعى-رائد-الصحافة-السعودية-محمد-على-حافظ/7419799
www.youm7.com
اليوم السابع
https://www.youm7.com/amp/2026/5/18/وفاة-عراب-الصحافة-السعودية-7-محطات-تلخص-مسيرة-محمد-على/7419628
مهنة المتاعب تودّع فارسها وناقلها إلى العالمية محمد علي حافظ
صحيفة عكاظ
https://www.okaz.com.sa/ampArticle/2249141
رحيل رائد الصحافة الدولية محمد علي حافظ
صحيفة عكاظ
https://www.okaz.com.sa/ampArticle/2249111
رحيل رائد الصحافة السعودية محمد علي حافظ |  مجلة سيدتي
https://www.sayidaty.net/بلس/أخبار/1834006-محمد-حافظ
الموت يغيّب رائد الصحافة السعودية محمد علي حافظ
الشرق الأوسط (الأرشيف)
https://web.archive.org/web/20260517195034/https://aawsat.com/يوميات-الشرق/5274257-الموت-يغيب-رائد-الصحافة-السعودية-محمد-علي-حافظ
رحيل محمد علي حافظ أحد مؤسسي «الشرق الأوسط»
الشرق الأوسط
https://aawsat.com/يوميات-الشرق/5274315-رحيل-محمد-علي-حافظ-أحد-مؤسسي-الشرق-الأوسط

التعليق