بقلم: هرمان إيشر (جغرافي سويسري)، منشور في مجلة Geographica Helvetica، عام 1978.

تُظهر الصورة المرافقة مثالاً واضحاً للزراعة المدرّجة في مرتفعات عسير، وهي تقنية زراعية مكّنت السكان من استغلال المنحدرات الجبلية الحادة وتحويلها إلى أراضٍ صالحة للزراعة. وقد شُيِّدت الجدران الحجرية للمدرجات بعناية لتقاوم انجراف التربة وتحافظ على المياه داخل كل مستوى زراعي.
ويعتمد نجاح هذا النظام على إدارة دقيقة لمياه الأمطار. فعندما تمتلئ إحدى المدرجات بالمياه، تنتقل الكمية الزائدة عبر منافذ حجرية خاصة إلى المدرج الذي يليها في الأسفل، وبذلك يجري توزيع المياه تدريجياً على كامل المنحدر. ويمنع هذا الأسلوب تآكل التربة ويزيد من كفاءة الاستفادة من مياه الأمطار المحدودة.
ورغم ذلك، قد تتعرض هذه المنشآت لأضرار كبيرة أثناء العواصف الشديدة، إذ تؤدي الأمطار الغزيرة أحياناً إلى انهيار الجدران الحجرية، فتجرف السيول التربة الزراعية وتهدد الحقول. ولهذا تتطلب المدرجات أعمال صيانة وإصلاح مستمرة، ولا يقتصر ذلك على إعادة بناء الجدران المتضررة، بل يشمل أيضاً توسيع نطاق الاستفادة من مياه الأمطار، بحيث تُحوَّل إلى أراضٍ لم تكن مزروعة سابقاً، أو يُعاد توزيعها بما يخدم المناطق الزراعية القائمة.
وقد اكتسب سكان المنطقة، من خلال خبرة طويلة، معرفة دقيقة بالأماكن التي يمكن فيها إنشاء مدرجات جديدة، والأماكن التي يصبح فيها هذا العمل غير مجدٍ بسبب طبيعة التضاريس أو الظروف المحلية. ولهذا يظهر في الصورة أن بعض السفوح الواقعة فوق القرية لم تُدرَّج، لأنها لا توفر شروطاً مناسبة للزراعة.
ويمثل هذا المشهد دليلاً واضحاً على أن بناء المدرجات الزراعية واستغلال مياه الأمطار بصورة مدروسة يشكلان أساس الاستقرار الزراعي في عسير، كما هو الحال في أجزاء واسعة من اليمن والمناطق الجبلية المجاورة، حيث تسمح الظروف الطبيعية والمناخية بممارسة الزراعة البعلية ذات الإنتاج الجيد.
وإلى جانب مياه الأمطار، يجري الاستفادة من المياه الجوفية في الري كلما أمكن ذلك. وكان رفع المياه يتم قديماً بالوسائل اليدوية أو باستخدام الحيوانات، بينما أخذت المضخات الميكانيكية تنتشر تدريجياً، فأصبحت تتيح ري مساحات أوسع، إلا أن تكاليف شرائها وتشغيلها مرتفعة، كما أن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى استنزاف مخزون المياه الجوفية.
وتتحدد أنماط الزراعة في عسير بدرجة كبيرة بالارتفاع عن سطح البحر وبالظروف التضاريسية المحلية. ففي المناطق الواقعة دون ارتفاع 1200 متر تُزرع الذرة الرفيعة، بينما تنتشر زراعة الدخن بين ارتفاعي 1200 و1700 متر. وفوق هذا الارتفاع تنتشر زراعة الذرة والقمح والشعير، إلى جانب محاصيل العلف في الحقول المروية.
في المناطق التي يزيد ارتفاعها على 1700 متر، في عسير يزرع أيضاً البن، إلى جانب الذرة والقمح والشعير، بالإضافة إلى بعض محاصيل العلف في الأراضي المروية.
وتقع المنطقة التي تُظهرها الصورة في أعلى النطاقات الارتفاعية في عسير، حيث تسود ظروف مناخية أكثر اعتدالاً تسمح بتنوع الأنشطة الزراعية مقارنة بالمناطق المنخفضة.