تدوينة المهندس ماجد الحربي (أبو دانتي) تثير أسئلة عن الشهادات والأوراق العلمية وعلاقة كاكست بجامعة إمبريال كوليدج لندن..
أثارت تدوينة مطولة نشرها المهندس والباحث ماجد الحربي، المعروف بـ«أبو دانتي»، على منصة «إكس»، جدلاً علمياً واسعاً بعد ساعات من إعلان وكالة الأنباء السعودية «واس» توقيع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية «كاكست» شراكة بحثية مع جامعة إمبريال كوليدج لندن في مجال يُسمّى «الدماغ الكمي»، بالتزامن مع إعلان تعاون المدينة مع شركة «باسكال» في الحوسبة الكمية.
وقال الحربي إن التزامن بين الخبرين، وظهور الدكتورة مناهل ثابت متحدثة باسم المركز الوطني لتقنيات الكم، يدفع إلى إعادة فتح ملف مؤهلاتها العلمية وطبيعة المجال الذي تُقدَّم من خلاله بوصفها قيادة وطنية لتقنيات الكم. ووصف ما جمعه بأنه «واحدة من أكبر الفضائح العلمية في تاريخ البلاد»، مطالباً الجهات المعنية بالإجابة عن أسئلة محددة تتعلق بالشهادات والأوراق العلمية ومعايير التعيين ومنح الجنسية.
وحتى إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن «كاكست» أو عن رئيسها الدكتور منير بن محمود الدسوقي أو عن الدكتورة مناهل ثابت، ردّ رسمي على الاتهامات الواردة في تدوينة الحربي.
الخبر الرسمي
أوردت «واس» في 31 أغسطس 2026 أن «كاكست» وقّعت شراكة بحثية مع جامعة إمبريال كوليدج لندن «لتطوير أبحاث الدماغ الكمي، ودراسة الظواهر الميكانيكية الكمية، وربط علوم الكم بالهندسة والعلوم العصبية والكيمياء الحيوية»، بحضور رئيس المدينة الدكتور منير الدسوقي، وذلك على هامش منتدى الكم في واحة الملك سلمان للعلوم.
ووفقاً للخبر الرسمي، تركز الشراكة على إطار هندسي لدراسة خصائص أغشية الخلايا العصبية ودور الأحماض الدهنية في الإشارات العصبية، وتطوير أدوات قياس تجمع بين الإلكترونيات الكمية وأشباه الموصلات والمنصات الحيوية المحاكية والتصوير العصبي، إضافة إلى مسار يربط تغذية الأم بالأحماض الدهنية بنمو دماغ الجنين والقدرات الذهنية.
ونقل الخبر عن البروفيسور مارك جونسون، الموصوف بأنه رئيس أبحاث مختبر الدماغ الكمي في إمبريال كوليدج، أن التعاون يدمج الفيزياء الكمية وعلوم الأعصاب والهندسة والكيمياء الحيوية «ضمن إطار بحثي قابل للاختبار».
وفي اليوم نفسه تقريباً، أُعلن أن المركز الوطني لتقنيات الكم في «كاكست» وقّع اتفاقية بحثية متعددة السنوات مع شركة «باسكال» الفرنسية المتخصصة في الحوسبة الكمية بالذرات المحايدة. ونُسب إلى الدكتورة مناهل ثابت، بوصفها مديرة المركز، تصريح بأن الشراكة خطوة لبناء منظومة كمية وطنية متقدمة.
من صاحب التدوينة؟
ماجد الحربي باحث ومهندس رقائق إلكترونية، يعرّف نفسه بأنه يعمل في مجال الاستشعار والتصوير الكمي، وينشر تحقيقات علمية مطوّلة على حسابه «أبو دانتي». وبلغ منشوره فجر الأربعاء 2 سبتمبر 2026 مئات الآلاف من المشاهدات خلال ساعات. ويستند فيه إلى مقارنة وثائق، ونصوص أوراق علمية، ومقابلات تلفزيونية سابقة، وبيانات منشورة على مواقع شخصية وموسوعات غير محكمة.
العلاقة بين رئيس «كاكست» ومديرة المركز
يربط الحربي تعيين ثابت رئيسة للمركز الوطني لتقنيات الكم بمحاولة، على حد تعبيره، «إنقاذ موقف» بعد انتقادات سابقة لمؤهلاتها. ويستشهد بمقابلة للدكتور منير الدسوقي في برنامج «سقراط» على منصة «ثمانية»، سأله فيها الإعلامي (عمر الجريسي) عن قصة تعيينها.
ونقل الحربي عن الدسوقي قوله إنها «عالمة» ذات ذكاء مرتفع وجوائز معتبرة، وإنها ليست أستاذة جامعة، وإن المدينة تتبنى العلماء ووقّعت معها عقد استشارة في مجالات مرتبطة بفيزياء الكم. وحين سُئل إن كانت متخصصة ومتمكنة في الموضوع، نقل عنه أنها «ليست متخصصة في فيزياء الكم» وإنما في «نوع معين» مرتبط بالقدرات العقلية، ووصف مركزاً يقيس موجات المخ ويعطي إشارات «لبرمجة الدماغ» وزيادة التركيز وصفات القيادة.
ويرى الحربي تناقضاً بين هذا الاعتراف التلفزيوني وتغريدات سابقة للدسوقي قدّم فيها ثابت بوصفها من أبرز العلماء في الهندسة المالية والرياضيات والفيزياء الكمية، إضافة إلى تهنئته إياها على دكتوراه فخرية عدّها الحربي «دكتوراه مجاملات». وقال إن رجلاً له سجل بحثي حقيقي في تقنيات متقدمة مثل Complementary Metal–Oxide–Semiconductor والفوتونيات يفترض أن يميّز العلم الرصين من الادعاء، ما يجعل المسألة، في تقديره، أقرب إلى العلاقات العامة منها إلى الجهل.
شهادة الدكتوراه في الهندسة المالية
قال الحربي إن أحد أبرز الادعاءات المتداولة عن ثابت أنها حصلت في سن الخامسة والعشرين على دكتوراه في «الهندسة المالية» من جامعة دي بول في شيكاغو، بوصفها أصغر حاصلة على الدكتوراه في العالم. وأضاف أنه لم يجد في تاريخ الجامعة برنامجاً بحثياً بهذا الاسم يمنح درجة الدكتوراه، بل برنامجاً مهنياً أقرب إلى التأهيل لسوق العمل، وأنه لم يعثر على أطروحة باسمها في مستودعات رسائل الجامعة في الاقتصاد أو الهندسة المالية أو الرياضيات.
وأشار إلى صورة متداولة لشهادة يُقال إنها من تلك الجامعة، وقال إن فيها خطأ إملائياً في كلمة University كُتبت Universtity. كما لفت إلى تضارب في الروايات الإعلامية القديمة حول اسم الجامعة وتاريخ الدرجة الثانية؛ ففيديو من عام 2013 يقول إنها «تعمل» على دكتوراه ثانية في فيزياء الكم، في حين يذكر موقعها الحالي حصولها على دكتوراه ثانية في الرياضيات الكمومية عام 2012. واستشهد كذلك بدليل «World Genius Directory» لعام 2013 الذي وصفها بأنها ما زالت تعمل على الدكتوراة الثانية.
ولم يتم التحقق بصورة مستقلة من سجلات جامعة دي بول حتى لحظة النشر. غير أن التضارب الظاهر في الروايات المنشورة عبر أكثر من عقد يجعل طلب الإفصاح الرسمي عن الجهة المانحة وعنوان الأطروحة وسنة المناقشة سؤالاً مشروعاً في أي مؤسسة علمية.
اتهام بسرقة علمية من أبحاث جامعة بورتلاند
وصف الحربي هذا الجزء بأنه الأخطر. وقال إنه قارن بنفسه ورقة نُسبت إلى ثابت بعنوان «Quantum Mathematics Findings» بورقتين لباحثين من جامعة بورتلاند نُشرتا عام 2004 بعنواني «Testing a Quantum Computer» و«Principles of Quantum Fault Detection»، وزعم المهندس الحربي، عن وجود تطابق شبه كامل يمتد من المدخل إلى بنية البحث والخوارزمية والجداول والمحاكاة، مع استبدال ضمير الجمع بضمير المتكلم.
وأضاف أن النص المنسوب إليها استخدم حيلة تقنية معروفة في أوساط كشف الانتحال: استبدال بعض الأحرف اللاتينية بأحرف سيريالية تشبهها بصرياً، مثل إبدال الحرف الإنجليزي a بالحرف السيريالي а، بحيث تفشل محركات البحث الآلي عن كلمة Quantum داخل ملف PDF. وقال إن الورقة لم تُنشر في مجلة محكمة، بل على منصة SSRN التي تسمح لأي شخص برفع مخطوط من دون تحكيم علمي صارم، وإنها لا تشير إلى أبحاث بورتلاند الأصلية.
وإذا صحت المقارنة النصية التي عرضها الحربي، فإن الأمر يتجاوز الخلاف الأكاديمي العادي إلى شبهة انتحال. وهي تهمة لا تُحسم إلا بتحقيق مؤسسي يقارن النصوص الأصلية ويسمع من الطرف المعني.
معادلة الـ350 صفحة ووكالة ناسا
قال الحربي إن ثابت روّجت على مدى سنوات لمعادلة فيزيائية طولها 350 صفحة تقيس المسافة في الفضاء من دون ضوء أو ليزر، وإن وكالتي ناسا والفضاء الفرنسية اهتمتا بها. وأضاف أنه بعد أكثر من عشرة أعوام لم يجد نص المعادلة ولا أثراً لها في أدبيات ناسا، وأن ما وجده على SSRN ورقتان قصيرتان لا تبلغان معاً هذا الحجم، وأن الاستشهاد بهما شبه معدوم باستثناء استشهاد ذاتي.
درجة الذكاء وموسوعة غينيس
وانتقد الحربي تكرار الحديث عن درجة ذكاء مرتفعة بوصفها مسوغاً علمياً، مشيراً إلى تضارب الأرقام بين 164 و168 في مصادر مختلفة، وإلى أن اختبارات الذكاء يمكن التدريب عليها ولا تقوم مقام الإنتاج البحثي المحكّم. أما رقم غينيس المرتبط بـ«أكبر درس في الذاكرة» بحضور 1307 أشخاص، فقد عدّه إنجازاً تنظيمياً وإعلامياً لا دليلاً على تفوق بحثي في فيزياء الكم، شبيهاً – على حد تشبيهه – بأرقام «أكبر شاورما».
حقيقة العلاقة مع إمبريال كوليدج و«الدماغ الكمي»
هذا هو قلب القصة، لأنه يمس الخبر الرسمي الصادر أمس. يقول الحربي إن ثابت ليست أستاذة في جامعة إمبريال كوليدج ولا موظفة فيها، وإن الشراكة المعلنة ليست مع أقسام الفيزياء أو الحوسبة الكمية في الجامعة، بل تمر عبر معهد مرتبط بمؤسسة خيرية بريطانية تُعنى بكيمياء الدماغ وتغذية الأم والطفولة، هو Institute for Brain Chemistry and Human Nutrition (IBCHN)، الذي يقع بعض نشاطه داخل حرم إمبريال من دون أن يكون قسماً جامعياً أصلياً.
وذكر الحربي، أن البروفيسور مارك جونسون المختص المشار إليه في خبر «واس» طبيب في أمراض النساء والولادة والحمل المبكر، وأن أبحاثه تتمحور حول أحماض أوميغا 3 ونمو الجنين، لا حول بناء حواسيب كمية أو خوارزميات كمية. أما ما يُسمّى «الدماغ الكمي» في هذا السياق، فقد ربطه الحربي بفرضية هامشية طرحها عالم التغذية مايكل كروفورد عن احتمال أن يكون لحمض DHA في أوميغا 3 دور «كمي» في الإدراك، وهي فرضية يقول إنها تُنشر غالباً في مجلات يصفها فيزيائيون ساخرون بـNeuroQuackology، أي «خزعبلات الأعصاب»، لا في المجلات الكمية الرصينة.
ويخلص إلى أن الخبر الرسمي خلط بين ثلاثة مستويات مختلفة: فيزياء الكم والتقنيات الكمية من جهة، وعلوم الأعصاب من جهة ثانية، وكيمياء دهون الدماغ وتغذية الحوامل من جهة ثالثة. وأن تقديم هذا الخلط بوصفه تعاوناً كمياً مع إمبريال كوليدج يمنح ثابت غطاءً أكاديمياً لا يطابق بنيته الفعلية.
ويلاحظ أن نص «واس» نفسه يذكر صراحة الأحماض الدهنية وتغذية الأم ونمو دماغ الجنين، وهو ما يتسق مع وصف الحربي لموضوع البحث أكثر مما يتسق مع صورة «مركز وطني لتقنيات الكم» يوقّع في اليوم ذاته مع شركة حواسيب كمية.
لقاءات بروتوكولية أُعيد تأويلها
وقال المهندس ماجد الحربي إن روايات إعلامية قدّمت لقاءات ثابت مع الملك تشارلز بوصفها تكريماً علمياً خاصاً، في حين أن اللقاءين اللذين استشهد بهما كانا استقبالين جماعيين بروتوكوليين، أحدهما في دبي أواخر 2023 ضمن حشد من الضيوف. كما فرّق بين عضويتها مستشارة ضمن بعثات نسائية اختارتها أمينة عامة للكومنولث، وبين الادعاء بمنصب سيادي. وأشار إلى ترجمة عربية نشرتها ثابت، لكلمة Court في «Worshipful Company of Fuellers» على أنها «محكمة»، بينما المقصود عضوية في شركة مهنية تاريخية في مدينة لندن، مما يدل على عدم معرفتها بحقيقة هذه العضوية.
الأسئلة التي تبحث عن إجابة
ويختم الحربي تدوينته المطولة على حسابه في منصة اكس (@abodantee) بجملة أسئلة موجّهة إلى «كاكست» ورئاستها، أبرزها:
- على أي أساس عُيّنت مناهل ثابت رئيسة للمركز الوطني لتقنيات الكم؟ وهل دُقّقت شهاداتها وأطروحاتها قبل الاستشارة ثم الإدارة؟
- ما الجامعة المانحة لدكتوراه الهندسة المالية، وما عنوان الأطروحة وسنة المناقشة؟
- هل حققت المدينة في شبهة التطابق بين ورقة «Quantum Mathematics Findings» وأبحاث جامعة بورتلاند لعام 2004؟
- لماذا يظهر تناقض بين وصف الدسوقي لها بأنها غير متخصصة في فيزياء الكم، وتقديمها لاحقاً قيادةً لمركز التقنيات الكمية؟
- ما نص اتفاقية «كاكست» مع إمبريال كوليدج أو مع المعهد الوسيط، ومن يملك الملكية الفكرية، وما مؤشرات النجاح، وكيف يُصنَّف البحث بحثاً كمياً؟
- هل مُنحت الجنسية عام 2021 على أساس هذه المنجزات المُختلَف عليها، كما ورد في تغطية صحيفة Saudi Gazette آنذاك؟
- هل تزامن خبر الدماغ الكمي مع اتفاقية «باسكال» محاولة لترميم صورة المركز بعد الانتقادات السابقة؟
ما الذي يعنيه ذلك مؤسسياً؟
تقع الحوسبة الكمية والتشفير الكمي في صلب سباق تقني عالمي، وقد وضعت المملكة خلال السنوات الأخيرة استثمارات ظاهرة في هذا المجال، من شراكات أرامكو مع «باسكال» إلى مراكز وطنية متخصصة. وأي لبس بين هذا المسار السيادي وبين فرضيات هامشية عن «وعي كمي» أو مكملات غذائية يُضعف الثقة العامة، ويعرّض الكفاءات الوطنية المتخصصة في الفيزياء والهندسة الكمية إلى إحساس بالتهميش.
ولا يُلغي وجود أسئلة مشروعة حول شخص واحد قيمة «كاكست» التاريخية ولا السجل البحثي لرئيسها في مجالات أخرى. غير أن مؤسسات علمية بهذا الحجم لا تتردد في فتح ملفاتها حين تُطرح أدلة قابلة للفحص: الشهادة، الأطروحة، الورقة، جهة التعاقد، ومعيار المنصب. الصمت في مثل هذه اللحظة سيؤجّل الكلفة لا غير.
إن ما فنّده المهندس ماجد الحربي (أبو دانتي)، يضع أمام الرأي العام حزمة قضايا تتعلق بالأمانة العلمية بالدرجة الأولى: شهادة يُقال غير موجودة بالصورة المروج لها من قبل مناهل ثابت، ورقة بحثية قال إنها منسوخة بحيل متعددة، معادلة ادعت ثابت حلها ليس لها وجود أو أثر، وتعاون جامعي أُعيد تغليفه بوصفه فيزياء كمية وهو في جوهره بحث في دهون الدماغ وتغذية الحوامل.
الخطوة المهنية المنتظرة، بيان من «كاكست» ينشر المؤهلات التي دققتها عند التعيين، ويحدد الطرف الجامعي الحقيقي في اتفاقية 31 أغسطس، ويفصل خطاب التقنيات الكمية عن خطاب «الدماغ الكمي». وإلى أن يصدر هذا البيان، يبقى ما قدمه المهندس ماجد الحربي، وثيقة اتهام معلّقة تنتظر جواب وإيضاح المؤسسة المعنية.
نُشر التحقيق الأصلي في حساب المهندس ماجد الحربي (أبو دانتي) على منصة إكس في 2 سبتمبر 2026، واستند هذا التقرير إليه مع الخبر الرسمي لوكالة الأنباء السعودية في 31 أغسطس 2026.
رابط التدوينة