تُعد الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر ومضائقه الحيوية إحدى أهم الركائز التي تحدد مسارات التجارة العالمية وتوازنات القوى العسكرية في الشرق الأوسط. وفي قلب هذه الجغرافيا، تبرز مدينة “المخا” (بندر المخا) اليمنية كنقطة ارتكاز استراتيجية شكلت عبر القرون مسرحاً لمعارك طاحنة وحملات عسكرية متتابعة. لا يقتصر تأثير السيطرة على بندر المخا على تغيير موازين القوى الداخلية في اليمن، بل يمتد ليرسم ملامح النفوذ الإقليمي والدولي، نظراً لموقع المدينة الاستثنائي الذي يبعد نحو 75 كيلومتراً فقط عن مضيق باب المندب، وهو العنق البحري الذي يربط المحيط الهندي وبحر العرب بالبحر الأبيض المتوسط.
في ديسمبر 1833م، دخلت المخا فصلًا حاسمًا من تاريخها حين وصلت إليها قوات العسيريين بقيادة الأمير علي بن مجثل.
خرجت الحملة من قلب جبال عسير، وعبرت تهامة، ثم تقدمت عبر زبيد إلى المخا والحديدة، فامتدت سلطة الإمارة من مرتفعات السراة إلى مراكز ساحلية ذات وزن سياسي وتجاري كبير.
تمثل معركة بندر المخا إحدى أهم المحطات العسكرية الفاصلة التي أعادت تشكيل خريطة النفوذ في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية. اندلعت هذه المعركة في سياق الصراع المستمر بين إمارة عسير، التي تبنت الدعوة السلفية وتحالفت تاريخياً مع الدولة السعودية الأولى، وبين التوسع العثماني والمصري بقيادة محمد علي باشا. يعد الأمير علي بن مجثل، أحد أبرز القادة العسكريين في عصره. عاصر نهايات القرن الثاني عشر وبدايات القرن الثالث عشر الهجري، وكان من قادة الثورة العسيرية ضد الوجود العثماني-المصري، حيث قاتل سابقاً ضمن جيش الأمير طامي بن شعيب المتحمي في معارك حاسمة ضد قوات محمد علي باشا عام 1230هـ (1815م).
ووفقاً لما تذكره المصادر تزعّم علي بن مجثل، بالاشتراك مع سعيد بن مسلط، قيادة الثورة العسيرية التي بدأت في رجب 1238هـ. وبعد وفاة أخيه سعيد وتوليه الإمارة منفرداً عام 1242هـ، شرع ابن مجثل في بناء قوة عسكرية ضاربة قادرة على طرد الحاميات التركية والمصرية ليس فقط من عسير، بل من كامل السواحل التهامية واليمنية.
تحمل المخا مكانة استثنائية في تاريخ البحر الأحمر. فمن مينائها انطلقت تجارة البن إلى العالم، وكانت المدينة محطة بحرية قريبة من باب المندب وطرق التجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ومحورًا تلتقي عنده المصالح المحلية والإقليمية والأوروبية.
وفي تلك المرحلة، ظهر القائد تركجة بيلمز في تهامة، وتمكن من بسط نفوذه على الحديدة وزبيد والمخا.
وتذكر المصادر وصول شكاوى من أهل تلك المدن إلى أمير عسير، فتهيأت أرضية الحملة سياسيًا وعسكرياً.
قرر الأمير علي بن مجثل توجيه ضربة قاضية للنفوذ التركي في اليمن، حيث كانت قوات محمد علي باشا والحاميات التركية بقيادة “تركجة بلماز” (تركي بلماز) تتمركز في موانئ البحر الأحمر. حرك ابن مجثل جيوشه جنوباً، وتمكن من إخضاع مدن تهامة الكبرى، فاستولى على زبيد والحديدة، ووصلت قواته إلى أسوار مدينة المخا الحصينة.
تصف المصادر التاريخية حصار المخا بأنه كان ملحمة عسكرية استثنائية. حيث وقف الأمير علي بن مجثل أمام جيشه وألقى خطبة بليغة حرضهم فيها على الجهاد والاستبسال لاقتحام أسوار بندر المخا. وقد بلغ التأثير النفسي لهذه الخطبة مبلغاً عظيماً، إذ تشير الروايات إلى أن مجموعة من المتصدقين بأرواحهم قاموا برمي أسلحتهم التقليدية وحملوا أكفانهم على أكتافهم استعداداً لاقتحام أسوار المدينة والموت في سبيل فتحها.
هذا التكتيك الذي جمع بين الحرب النفسية والاندفاع القتالي أربك الحامية التركية، وأدى إلى سقوط بندر المخا في يد القوات العسيرية. وقد ظفر ابن مجثل بالمدينة، وأخذها عنوة من الأتراك، وغنم أموالاً ومعدات عسكرية لا تحصى، موسعاً بذلك حدود إمارته لتشمل المخا وزبيد جنوباً.

يرسم مسار الحملة ونتائجها صورة قوة منظمة، قادرة على التحرك لمسافات طويلة، وإدارة عمليات متتابعة، والاحتفاظ بالمواقع بعد دخولها.
سجلت المصادر اسم المواجهة بوصفها «معركة بندر المخا». وتختصر بعض الروايات نتيجتها بعبارة ذات دلالة واضحة: دخل العسيريون المخا عنوة.
انهارت قوة تركجة بيلمز، واتجه رجاله نحو البحر في محاولة للفرار، وتورد الروايات غرق عدد منهم خلال ذلك. ووصل بيلمز إلى سفينة بريطانية كانت قبالة الساحل، وتذكر رواية أوروبية أن السفينة حملت اسم Tigris، وأنها نقلته لاحقًا إلى بومباي.
امتد التقدم العسيري بعد المخا إلى الحديدة، حيث بقيت قوة تابعة لتركيجة بيلمز. دارت مواجهة بين الطرفين، ثم خرجت الحامية بحرًا، ودخل الأمير علي بن مجثل الحديدة. وهنا اتخذت الحملة معناها السياسي الكامل؛ فقد اتجه الأمير إلى تنظيم المدن الساحلية وإعادة ترتيب دفاعاتها وإدارتها.
عيّن علي بن مجثل، ابن عمه محمد بن مفرح أميرًا من قبله على الحديدة وزبيد والمخا، وأبقى معه أربعمائة مقاتل من عسير، كما أُسندت إدارة المناطق التابعة إلى رجال يمثلون السلطة الجديدة. وبذلك أخذ النفوذ العسيري في الساحل صورة حكم وإدارة وحامية، ضمن امتداد سياسي واضح لإمارة عسير.
تظهر الحملة محطة بارزة في تاريخ الإمارة خلال عهد علي بن مجثل. فقد امتلكت عسير قدرة على نقل قواتها من السراة إلى تهامة، وفتح الطرق بين البيئات الجبلية والساحلية، والتعامل مع مدن ذات مصالح تجارية وعسكرية معقدة. وحملت هذه القدرة دلالتها في زمن كانت فيه المنطقة تعيش تنافس القوى المحلية والعثمانية والمصرية والبريطانية على موانئ البحر الأحمر ومداخله.
يمتد هذا الخط عبر مسافات طويلة وتضاريس متباينة ومجتمعات متعددة، ويكشف عن وجود قيادة واتصال وإمداد واستعداد للاحتفاظ بالمدن بعد دخولها. كما يوضح أن الحملة جاءت ضمن مشروع نفوذ أوسع، ربط جبال عسير بسواحل البحر الأحمر.
كانت حملة المخا والحديدة في أواخر سنة 1833م، في المرحلة الأخيرة من حياة علي بن مجثل، الذي توفي سنة 1249هـ/1834م تقريبًا. وبعد رحيله، يرحمه الله، انتقلت الإمارة إلى عائض بن مرعي، وواصلت عسير حضورها في صراعات تهامة واليمن ضمن مرحلة جديدة من تاريخها.
لم يمر دخول القوات العسيرية إلى المخا دون تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة. تشير التحليلات التاريخية إلى أن هذه الحملة العسكرية وجهت ضربة قاصمة لاقتصاد المدينة. فقد تعرضت أسواق المخا للإفراغ، وأُفقر تجارها، مما أدى إلى تدهور ميناء المخا وفقدانه لمكانته الدولية، حيث لم تقم للمدينة قائمة كمركز تجاري عالمي بعد هذا التاريخ بفعل الدمار وانقطاع خطوط الإمداد.
ومن التفاصيل التي يجدر إيرادها ما ذكره الفرنسي موريس تاميزيه (Maurice Tamisier) بأن القوات العسيرية عندما دخلت المخا، استولت على مقر البعثة التجارية البريطانية وانتزعت علمها. وقد وثق الدكتور محمد بن عبد الله آل زلفة هذه الحادثة، مشيراً إلى أن الأمير علي بن مجثل صادر “علماً بريطانيا” من مقر البعثة في ميناء المخا، وظل هذا العلم بحوزة قبيلة بني شهر كغنيمة حرب.
هذا الحدث يحمل دلالة جيوسياسية كبرى، إذ يؤكد أن الصراع على المخا في القرن التاسع عشر كان يمس المصالح الإمبريالية للقوى الأوروبية، وليس فقط الصراعات الإقليمية العثمانية-العربية.
لعل حملة عسير على تهامة اليمن 1833م تعد من أكثر صور التاريخ العسيري حضوراً: رجال القبائل هبطوا من جبال عسير، عبروا تهامة، دخلوا زبيد، وحاصروا المخا عند أحد أشهر وأهم موانئ الجزيرة العربية. قاتلوا واستولوا على بنادرها، ودخلوها عنوة، واتجه خصمهم إلى البحر طلبًا للنجاة، فمات الكثير منهم غرقاً ولم ينجُ إلا القليل.